الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَمْر حَرامٌ، ومن المعروف أنَّ الخَمْر ما خَامَرَ العَقْل؛ أي: أَخَلَّ باتِّزانه، وإنْ لم يُذهِب العَقْل كُلِّيَّة، والسُّكْر يبدأ باختلال هذا التوازن العَقْلي، وكلُّ ما أخلَّ بالتوازن العَقْلي من شُرْب أيِّ شيءٍ مُسْكِرٍ فقد ارتكب مُحرَّماً، ويجب عليه الإقلاع عنه.
[فتاوى عبد الحليم محمود (2/ 223 - 222)]
* * *
عِلَّةُ تَحْريمِ الخَمْر ومَا الحُكْمُ لَو ارْتَفَعَتِ العِلَّةُ
؟
(276) السؤال: الخَمْرُ -أكرمك الله-هل هي مُحرَّمةُ العَيْنِ، أو مُحرَّمةُ الذَّات، أو مُحرَّمةٌ بسببٍ
؟ والسببُ هو العِلَّة، وإنِ ارتفعت العِلَّةُ ارتفعَ الحُكْمُ؛ فإنَّ رجلاً وَرَدَ علينا، وشَغَبَ بَلَدَنا، وحَيَّر طَلَبَتَنا، وقد وَكَّلْنا أمرَ مسألتنا إليك، فلَكَ الفَضْل في مراجعتنا، وتبيين مسألتنا وتفصيلها، وإقامة الأدلَّة على كلِّ نوع من أنواعها ....
الجواب: تصفَّحتُ سُؤالَكَ الواقع في بطن هذا الكتاب، ووقَفْتُ عليه.
والسؤال: هل الخَمْر مُحرَّمة العَينِ، أو مُحرَّمة الذات؟ سؤالٌ فاسدٌ؛ لأنَّ عَينَ الخَمْر هو ذاتُها؛ فمن المستحيل أنْ يُحرَّم أحدُهما دون الآخر.
وكذلك السؤال: هل الخَمْر مُحرَّمة العَينِ أو مُحرَّمةٌ لسببٍ؟ سؤالٌ فاسدٌ أيضاً؛ إذ لا يستقيم أنْ يُسأَلَ عن عِلَّة تحريمها إلَّا بعد المعرفة بتحريمها.
فمسألتك ترجع إلى أسئلة:
أحدها: هل الخَمْر مُحرَّمة العَينِ أم لا؟
والثاني: هل تحريمها لعِلَّةٍ، أو عبادةٌ لغير عِلَّةٍ؟
والثالث: السؤال عن العِلَّة ما هي؟
والرابع: السؤال عن الدليل على صِحَّة تحريم عَيْنِها.
والخامس: السؤال عن الدليل على صِحَّة العِلَّة.
فنقول: إنَّ الخَمْر مُحرَّمةُ العَينِ،
مُحرَّمةُ الذات، والدليل على تحريم عَيْنِها وذَاتِها التي [هي] عَيْنُها: الكتابُ، والسُّنَّة، وإجماع الأُمَّة.
فأمَّا الكتاب: فقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90].
فأَمَرَ عز وجل باجتناب الخَمْر، وأَمْرُه بذلك على الوجوب والفَرْض عند جميع المسلمين، وأخبر أنَّها من عمل الشيطان، وعَمَلُ الشيطان حرامٌ.
وقال عز وجل: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]؛ فتوعَّد عز وجل على ذلك بقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، ولا خلاف فيما توعَّد الله على فِعْلِه أنَّه حرامٌ.
وأمَّا السُّنَّة: فإنَّ الآثار الواردة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بتحريمها قد نُقِلَتْ نَقْلَ التَّواتُر، فلا يُحصَى.
من ذلك: حديث ابن عبَّاس: أنَّ رجلاً أهدَى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا؟) قَالَ: لَا، فَسَارَّهُ إِنْسَانٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(وَبِمَ سَارَرْتَهُ؟) قَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا).
وأمَّا الإجماع: فمعلومٌ من دِينِ الأُمَّة ضرورةً: أنَّ الخَمْر حرامٌ، وإطلاقُ التَّحريم في الكتاب والسُّنَّة والإجماع على الخَمْر نصٌّ في أنَّ عينَها هو المُحرَّم؛ لأنَّ الاسم هو المُسمَّى عند أهل السُّنَّة.
ومن ذهب إلى أنَّ الاسم غير المُسمَّى فقد وافَقَنا على أنَّ التحريم إنَّما وقع على المُسمَّى بالخَمْر، لا على اسم الخَمْر؛ فحصل الإجماع على تحريم عين الخَمْر. ومن المستحيل في العَقْل أن يكون تحريم شُرْب الخَمْر واقعاً على ما عدا عينها، وقد نصَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على تحريم
عينها بقوله: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِهَا، والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ)، أَو (المُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) على اختلاف الرُّواة في ذلك.
فمن قال: إنَّ الخَمْر ليست بمُحرَّمةِ العين، فهو كافرٌ، حلال الدَّم يُستتاب؛ فإنْ تابَ، وإلَّا قُتِلَ.
وكذلك كُلُّ ما أسْكَرَ من جميع الأنبذة، فهو مُحرَّم العين، لا يَحِلُّ شُرْبُ القليل منه، ولا الكثير، عند مالكٍ وكافَّة أهل العِلْمِ من الصَّحابة والتَّابعين وفقهاء المسلمين؛ لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:(مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
ونقول: إنَّها مُحرَّمة لعِلَّةٍ، وإنَّ العِلَّةَ في تحريمها المعنَى الموجود بها من الشِّدَّة المُطْرِبَةِ المُغَيِّرَةِ للعقول، المُوجِبَةِ لها التَّسمية بالخَمْر، وهو الإسْكَار.
والدَّليل على صحَّة هذه العِلَّة، أنَّها مُطَّردةٌ منعكسةٌ، يوجَد التحريم بوجودها، ويُعدَم بعَدَمِها، ألا ترى أنَّها إذا كانت عصيراً قبل أنْ يحدث فيها المعنى الذي يُسْكِر، حلالٌ، فإذا حدث فيها ذلك المعنى حَرُمَت به، فإذا عُدِمَ منها بالتَّخليل حلَّت بعَدَمِه منها. واطِّرادُ العِلَّة وانعكاسُها من أَدَلِّ دليلٍ على صحَّتها، وقد بينَّها الله تعالى بقوله:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} ؛ فدلَّ عز وجل بقوله هذا على أنَّه إنَّما حرَّمها لما فيها من المعنى الموجِب للعداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذِكْر الله وعن الصَّلاة.
ومن الناس من ذهب إلى أنَّها مُحرَّمةٌ لاسْمِها؛ فجعل العِلَّة في تحريمها استحقاقها لاسم الخَمْر في اللِّسان العَرَبيِّ؛ لمَّا وَجَد التَّحريم فيها تابعاً لاسْمِها، متى استحقَّت أنْ تُسمَّى خمراً، حَرُمَتْ، ومتى لم تستحقَّ ذلك حَلَّت. وذلك موافقٌ لما قُلْناه من المعنى؛ لأنَّها إنَّما تُسمَّى خمراً بوجود الشِّدَّة المُطْرِبَةِ المُسْكِرَة فيها، فإذا