الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَحْريرُ مَذْهَب أَبِي حَنيفَة في النَّبِيذِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْكِراً
(297) السؤال: من قال: إنَّ خَمْرَ العِنَب والحشيشة يجوز بعضُه إذا لم يُسْكِر في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ فهل هو صادقٌ في هذه الصُّورة، أم كاذبٌ في نَقْلِه
؟ ومن استحَلَّ ذلك هل يكْفُر أم لا؟ وذَكَر أنَّ قليل المِزْر يجوزُ شُربُه؛ فهل حُكمُه حُكمُ خَمْر العِنَب في مذهب الإمام أبي حنيفة، أم له حُكمٌ آخر كما ادَّعاه هذا الرَّجُل؟
الجواب: الحمد لله. أمَّا الخَمْر التي هي عصير العِنَب الذي إذا غَلَا واشتدَّ وقذف بالزَّبَد؛ فيَحرُمُ قليلُها وكثيرُها باتِّفاق المسلمين، ومن نَقَلَ عن أبي حنيفةَ إباحةَ قليل ذلك فقد كَذَبَ، بل مَنِ استحَلَّ ذلك فإنَّه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ، ولو استحَلَّ شُرْبَ الخَمْرِ بنوع شُبْهةٍ وقعت لبعض السَّلف أنَّه ظَنَّ أنَّها إنَّما تَحرُمُ على العامَّة، لا على الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات؛ فاتَّفَقَ الصَّحابة كعُمر وعليٍّ وغيرهما على أنَّ مُستَحِلَّ ذلك يُستتابُ، فإنْ أقرَّ بالتَّحريم جُلِدَ، وإنْ أَصَرَّ على استحلالها قُتِلَ.
بل وأبو حنيفةَ يُحرِّمُ القليل والكثير مِنْ أشربةٍ أُخَر، وإن لم يُسمِّها خَمْراً؛ كنبيذ التَّمر والزَّبيب النَّيء؛ فإنَّه يَحرُمُ عندَهُ قليلُهُ وكثيرُهُ إذا كان مُسْكِراً، وكذلك المطبوخُ من عصير العِنَب الذي لم يذهب ثُلُثاه، فإنَّه يَحرُمُ عندَهُ قليلُهُ إذا كان كثيرُهُ يُسْكِرُ. فهذه الأنواعُ الأربعةُ تَحرُمُ عندَهُ قليلُها وكثيرُها وإن لم يَسْكَرْ منها.
وإنَّما وقعت الشُّبهةُ في سائر المُسْكِر؛ كالمِزْر الذي يُصنَعُ من القَمْح ونحوه؛ فالذي عليه جماهيرُ أئمَّة المسلمين؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعريِّ (أَنَّ أَهْلَ اليَمَنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ عِنْدَنَا شَرَاباً يُقَالُ لَهُ البِتْعُ؛ مِنَ العَسَلِ، وَشَرَاباً مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ المِزْرُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ؛ فَقَالَ:
كُلُّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:(كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصحيح أيضاً عن ابن عُمَرَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:(كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي السُّنن من غير وجهٍ عنه أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قال:(مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، واستفاضت الأحاديثُ بذلك.
فإنَّ الله لمَّا حَرَّم الخَمْر لم يكن لأهل مدينة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شرابٌ يشربونه إلَّا من التَّمْر، فكانت تلك خَمْرُهُم، وجاء عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ)، والمرادُ به: النَّبيذُ الحُلوُ؛ وهو أنْ يُوضَعَ التَّمْرُ أو الزَّبيبُ في الماء حتَّى يَحْلُو، ثُمَّ يشربُهُ.
(وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَبِذُوا فِي القَرْعِ، وَالخَشَبِ، وَالحَجَرِ، وَالظَّرْفِ المُزَفَّتِ)؛ لأنَّهُم إذا انتبذوا فيها دَبَّ السُّكْرُ وهم لا يعلمون؛ فيشرب الرَّجُل مُسْكِراً.
(وَنَهَاهُمْ عَنِ الخَلِيطَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ جَمِيعاً)؛ لأنَّ أحدَهُما يُقوِّي الآخر.
(وَنَهَاهُمْ عَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ لأنَّه قد يصير فيه السُّكْرُ والإنسانُ لا يدري. كُلُّ ذلك مُبالغةً منه صلى الله عليه وسلم؛ فمن اعتقد من العُلماء أنَّ النَّبيذَ الذي أُرْخِصَ فيه يكونُ مُسْكِراً -يعني من نبيذ العَسَل والقَمْح ونحو ذلك؛ فقال: يُباح أن يُتناولَ منه ما لم يُسْكِر-؛ فقد أخطأ.
وأمَّا جماهير العُلماء فعرفوا أنَّ الذي أباحهُ هو الذي لا يُسْكِر، وهذا القول هو الصحيح في النصِّ والقياس.
أمَّا النصُّ؛ فالأحاديث الكثيرة فيه.
وأمَّا القياس؛ فلأنَّ جميع الأشربة المُسْكِرَة متساويةٌ في كَوْنِها تُسْكِرُ، والمفسدة الموجودة في هذا موجودةٌ في هذا، والله تعالى لا يُفرِّقُ بين المُتماثِلَين، بل التَّسوية بين هذا وهذا من العدل والقياس الجَلِيِّ. فتبيَّن أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ حرامٌ.