الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توطئة
لم يقتصر الاهتمامُ بذكرِ طبقاتِ العلماءِ - ومِن ضمنهم المتمذهبون - على مَنْ تقدّمَ مِنْ أهلِ العلمِ، فقد وُجِدَ لبعضِ العلماءِ المتأخرين والمعاصرين اهتمامٌ بذكرِ الطبقات، وكانتْ بعضُ هذه الجهود ناشئةً مِنْ نقدِ الطبقاتِ التي ذكرها ابنُ كمال باشا.
المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي
قسَّمَ شاه ولي الله الدهلويُّ الفقهاءَ إلى أربعِ طبقات، ولا يُوصف أرباب بعض الأقسام المندرجةِ تحتَ الطبقاتِ بالتمذهبِ، وقد آثرتُ ذكرها موجزةً؛ ليكون الحديثُ مكتملًا.
الطبقة الأولى: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا.
وهذه الطبقة على قسمين:
القسم الأول: المجتهد المستقل.
القسم الثاني: المجتهد المنتسب إلى مجتهد مستقل
(1)
.
القسم الأول: المجتهدُ المستقل.
ويُمَثّل لهذا القسمِ بالأئمةِ الأربعةِ، وللمجتهدِ في هذا القسمِ إضافةً إلى اجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، خصالٌ يمتازُ بها غيرِه من المجتهدين، وهي:
(1)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 34)، وعِقْد الجِيْد (ص/ 5).
الخصلة الأولى: التّصرفُ في الأصولِ والقواعدِ التي بَنَى عليها اجتهادَه وفقهَه.
الخصلة الثانية: جمعُ الآياتِ والأحاديثِ والآثارِ؛ لمعرفةِ الأحكامِ التي دلّتْ عليها، وسُبِق بالجواب فيها، وللتنبيه على مآخذِ الفقهِ منها، ولجمعِ مختلفها، ولترجيحِ بعضِها على بعضٍ.
الخصلة الثالثة: الكلامُ في المسائلِ النازلةِ التي لم يُسْبَقْ بالجواب فيها، أخذًا مِن الأدلةِ.
الخصلة الرابعة: أنْ يَنْزِلَ له القبولُ مِن الله تعالى، فيُقْبِل إلى عِلْمِه جماعاتٌ مِن العلماءِ مِن المفسرين والمحدثين والأصوليين والفقهاءِ، ويمضي على ذلك القبول
(1)
.
ولا يدخلُ أربابُ هذا القسمِ في المتمذهبين؛ لانتفاءِ وصفِ التمذهب عنهم، واستقلالِهم بالاجتهادِ.
القسم الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مجتهدٍ مستقل
(2)
.
المجتهدُ في هذا القسم سلَّمَ لشيخِه الخصلةَ الأُولى، وجرى مجراه في الخصلةِ الثانيةِ
(3)
.
يقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "المنتسب: مَنْ سلَّمَ أصولَ شيخِه، واستعانَ بكلامِه كثيرًا في تتبعِ الأدلةِ، والتنبيهِ للمآخذِ، وهو مع ذلك مستيقن
(4)
الأحكام مِنْ قِبَلِ أدلتِها، قادرٌ على استنباطِ المسائلِ منها، قلَّ ذلك منه أو كَثُرَ"
(5)
.
(1)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 34 - 35)، وعِقْد الجِيْد (ص/ 5)، ولم يذكر في: عِقد الجِيْد إلا ثلاث خصال.
(2)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 35)، وعِقد الجِيْد (ص/ 5، 17).
(3)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 35).
(4)
هكذا في: عِقْد الجِيْد (ص/ 5)، ولعل الصواب:"مستفيد".
(5)
المصدر السابق.
ويقولُ - أيضًا -: "انقرضَ المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ في مذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ بعد المائة الثالثة"
(1)
.
وظاهرُ صنيعِ الدهلوي حينَ مثّلَ للقسمِ الأولِ بالأئمةِ الأربعةِ، أنَّه يرى اندراجَ أصحاب الإمامِ أبي حنيفةَ في القسمِ الثاني - وقد مثّل لهذا القسمِ بكبارِ العلماءِ مِن الشافعيةِ
(2)
- فمن انتقدَ ابنَ كمال باشا حين عدَّ أصحاب الإمام أبي حنيفة، كأبي يوسفَ ومحمد بن الحسن وزفر مِن المجتهدين المقلِّدين له في أصولِه، فإنَّ نقدَه يتوجّه إلى الدهلوي
(3)
.
ويعدُّ المجتهدُ في القسيم الثاني مِن المتمذهبين في الأصولِ دونَ الفروعِ، وتمذهبُه في الفروعِ تمذهبٌ اسمي.
الطبقة الثانية: المجتهدُ في المذهبِ
(4)
.
المجتهدُ في هذه الطبقةِ سلَّمَ لشيخِه الخصلتين: الأُولى والثانية المتقدم ذكرهما قبلَ قليل، وجَرَى مجراه في التفريعِ على منهاجِ تفاريعه
(5)
، فهو مقيّدٌ بالمذهبِ متَّبعٌ لإمامِه في جُلِّ ما يجدُ فيه نصَّه، حافظٌ لأصولِه وفروعِه
(6)
.
وقد سمَّى الدهلويُّ المجتهدَ في هذه الطبقةِ بالمخرِّجِ
(7)
، وقالَ عنه:"هو مقلِّدٌ لإمامِه فيما ظَهَرَ فيه نصُّه، لكنَّه يَعْرِفُ قواعدَ إمامِه، وما بَنَى عليها مذهبه، فإذا وقعتْ حادثةٌ لم يَعْرِفْ لإمامِه نَصًّا فيها، اجتهد على مذهبِه، وخرَّجها مِنْ أقوالِه، وعلى منوالِه"
(8)
.
(1)
الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 36).
(2)
انظر: عِقْد الجِيد (ص/ 17).
(3)
انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 308).
(4)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 35)، وعِقْد الجِيْد (ص/ 5).
(5)
انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ 35).
(6)
انظر: المذهب الحنفي لأحمد نقيب (1/ 187).
(7)
انظر: عِقْد الجِيْد (ص/17).
(8)
المصدر السابق (ص/ 5).
والواجبُ على المجتهدِ في هذه الطبقةِ:
أولًا: أنْ يحصِّلَ مِنْ عِلْمِ السننِ والآثارِ ما يحترزُ به مِنْ مخالفةِ الحديثِ الصحيحِ، واتفاقِ السلفِ
(1)
.
ثانيًا: أنْ يحصِّلَ مِنْ دلائلِ الفقه ما يُعِيْنُه على معرفةِ مآخذِ أصحاب مذهبِه في أقوالِهم
(2)
.
والمجتهدُ في هذه الطبقةِ إلى جانب ممارستِه للتخريج في مذهبِه، فإنّه يختارُ مِنْ أقوالِ الإمام أبي حنيفةَ وأصحَابه المجتهدين ممَّا اختلفوا فيه، ما هو أقوى دليلًا، وأقيسُ تعليلًا، وما كان أرفقَ بالناس
(3)
.
الطبقة الثالثة: مجتهد الفتيا
(4)
.
وهو الذي حَفِظَ المذهبَ وأتقنه، وتبحَّر فيه، وتمكن مِنْ تَرْجِيحِ قولٍ على آخر، ووجهِ مِنْ أوجهِ الأصحابِ على غيرِه
(5)
.
والشروطُ الواجبُ اجتماعها على المجتهدِ في هذه الطبقة:
1 -
أنْ يكونَ صحيحَ الفهمِ.
2 -
أنْ يكونَ عارفًا بالعربيةِ وأساليبِ الكلامِ.
3 -
أن يكونَ عارفًا بمراتبِ الترجيحِ.
4 -
أنْ يكونَ متفطنًا لمعاني كلامِ علماءِ مذهبِه، بحيثُ لا يخفى عليه غالبًا تقييدُ ما يكون مطلقًا في الظاهر، والمرادُ منه المقيّد، وإطلاقُ ما يكون مقيّدًا في الظاهرِ، والمراد منه المطلق، ونحو هذا
(6)
.
(1)
انظر: المصدر السابق (ص/ 18).
(2)
انظر: المصدر السابق.
(3)
انظر: عِقْد الجِيْد (ص/ 20)، وذِكْرُ الدهلوي للإمام أبى حنيفة من قبيل التمثيل.
(4)
انظر: المصدر السابق (ص/ 5).
(5)
انظر: المصدر السابق (ص/ 5، 17).
(6)
انظر: المصدر السابق (ص/ 21).