الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومَنْ قال: إنَّ اختلافَ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ منهم على انحصارِ الصواب في القدرِ المشتركِ بين أقوالِهم، مَنَعَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ إنْ رَفَعَ ما اتفق عليَه القولانِ السابقانِ، وإنْ لم يرفعْ ما اتفقا عليه، جوَّز القولَ به، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثالثِ.
المسألة الثانية: التلفيق في التقليد
تُعدُّ مسألة: (التلفيق في التقليد) أشهر مسائلِ التلفيقِ، وهي التي كَثُرَ كلامُ العلماءِ فيها، وقد اختلفتْ وجهاتُهم وأقوالُهم في المسألةِ اختلافًا بيّنًا، ويحسن قبلَ الشروعِ فيها التنبيه إلى أنَّ التلفيقَ إنْ أدّى إلى تتبعِ الرخصِ، فله حكمُ مسألةٍ:(تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها.
• صورة المسألة:
هلْ للمكلَّفُ أنْ يجمعَ بين قولِ مجتهدٍ وقولِ مجتهدٍ آخر في مسألةٍ واحدةٍ - أو كالواحدة - بحيثُ ينتهي جمعُه إلى أنْ تكونَ الهيئةُ التي نتجتْ عن الجمعِ لم يقلْ أحدٌ مِن المجتهدين بصحتِها؟
• تحرير محل النزاع:
قبلَ ذكرِ تحريرِ محل النزاعِ يحسنُ القولُ بأنَّ مسائل التلفيق تتعلقُ بما اختلفَ فيه العلماءُ مِن الأمورِ الظنيةِ، أمّا ما عُلِمَ مِن الدّينِ بالضرورةِ، وما يكفرُ جاحدُه، فإنَّ التلفيقَ لا يدخلُ فيه
(1)
.
ويمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في المسألةِ بقول الآتي: اتفق العلماءُ على عدمِ جوازِ التلفيقِ بين المذاهبِ إنْ ترتبَ عليه استباحةُ المحرماتِ.
يقولُ الشيخُ محمد الباني: "التلفيقُ الباطلُ لذاتِه، مردودٌ بالاتفاقِ، وينبغي أنْ لا يُعْبَأَ به البتة"
(2)
.
(1)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/128).
(2)
المصدر السابق (ص/ 121). وانظر: تبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ 266).
وقد مثلوا للتلفيقِ المتفق على منعِه بقولِ الشاعرِ ابنِ الرومي
(1)
:
أحلَّ العراقيُّ النبيذَ وشربَه
…
وقال: الحرامانِ المدامةُ والسكرُ
وقال الحجازيُّ: الشرابانِ واحد
…
فحلَّتْ لنا بين اختلافِهما الخمرُ
سآخذ مِنْ قوليهما طرفيهما
…
وأشربها لا فارق الوازرَ الوزرُ
(2)
واختلفوا فيما عدا هذه الحالة.
• الأقوال في المسألة:
اختلفَ العلماءُ في المسألةِ على أقوال، أشهرها:
القول الأول: أنَّ التلفيقَ غيرُ جائزٍ.
بيّنَ محمد الدسوقيُّ المالكي أنَّ القولَ بالمنع مِن التلفيق هو طريقة
(1)
هو: علي بن العباس بن جريج، أبو الحسن، مولى آل المنصور، المعروف بابن الرومي، ولد ببغداد سنة 221 هـ من مشاهير الشعراء، له النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة، فيستخرجها من مكامنها، ويبرزها في أحسن صورة، كان رأسًا في الهجاء والمديح، والغزل والأوصاف، توفي ببغداد سنة 283 هـ وقيل: 284 هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (13/ 472)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (3/ 358)، وسير أعلام النبلاء (13/ 495)، والبداية والنهاية (14/ 666).
(2)
انظر: ديوان ابن الرومي (3/ 983 - 984). وفى محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني (2/ 619 - 620):
فحلَّتْ لنا من بين قوليهما الخمرُ
وقد نسبت هذه الأبيات إلى أبي نواس. انظر: معيد النعم لتاج الدين السبكي (ص/ 103)، والتحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني (ص/ 174).
يقول تاجُ الدين السبكي في: معيد النعم (ص/ 103) موضحًا وجه التلفيق في الأبيات: "ومعنى هذا: أن أبا حنيفة - وهو العراقيُّ - أباح النبيذَ إذا لم يسكرْ، وحرَّم المسكرَ مطلقًا - نبيذًا كان أو خمرًا - والخمرَ مطلقًا - مسكرًا كان، أو غير مسكر - وأن الشافعيَّ - وهو الحجازيُّ - قال: الشرابان واحد: النبيذ والخمر، فيحرم قليلُ كلٍّ منهما وكثيره.
فركّب هو مِنْ بين قوليهما قولًا ثالثًا، لكنَّه رافع للمجمع عليه: وهو وفاق الشافعي على أن الشرابين واحد، لكن لا في الحرمة، بل في الحلِّ، فهو مع أبي حنيفة في تحليل النبيذ غير المسكر، ومع الشافعي في أنَّ المسكرَ والخمرَ مثلُ النبيذ، ومخالف لهما في حرمة المثلَّث؛ فيقول: مثله، لكن في الحل، والشافعي رضي الله عنه يقول: مثله، لكن في الحرمة، فهذا أبو نواس لم يقصد إلا نوعًا من المجون".
المصريين مِن المالكيةِ
(1)
.
وذَكَرَ أحدُ متأخري الشافعيةِ - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ هو المعتمد عند الشافعيةِ والحنفيةِ والحنابلةِ
(2)
.
وذَهَبَ إلى القولِ الأول جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: إمامُ الحرمين الجويني - إذ نصَّ على عدمِ جوازِ الخروجِ عن المذهب
(3)
- ويحيى الزناتي
(4)
، وشهابُ الدين القرافي
(5)
، وابنُ دقيق العيد
(6)
، وتقيُّ الدين السبكي
(7)
، وأبو إسحاقَ الشاطبي
(8)
، وقاسم قطلوبغا
(9)
، وابنُ حجر الهيتمي
(10)
(1)
انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 20).
(2)
انظر: عمدة التحقيق (ص/ 110).
(3)
انظر: مغيث الخلق (ص/13).
(4)
انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ 432). وقد نسب ابن أمير الحاج في: التقرير والتحبير (3/ 352) إلى الروياني القول بمنع التلفيق.
ورجح الشيخ محمد السنهوري في: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 82) أنَّ هذا تحريف من:"الزناتي"؛ إذ لم ينسب أحد علماء الشافعية هذا القول إلى الروياني، وقد ذكر ابن أمير الحاج تعليق القرافي عليه، والقرافي إنما علّق على كلام الزناتي. وما قاله الشيخ محمد السنهوري متجه.
(5)
انظر: نفائس الأصول (9/ 4148)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ 233 - 234).
(6)
انظر: البحر المحيط (6/ 322).
(7)
انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (1/ 147).
(8)
انظر: الموافقات (5/ 103).
(9)
نسب الشيخ محمد السنهوري في: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 84) القول بالمنع إلى قاسم قطلوبغا.
وقاسم قطلوبغا هو: قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله السودوني الجمالي المصري، زين الدين أبو العدل، ولد بالقاهرة سنة 802 هـ كان فقيهًا حنفيًا متقنًا، وأصوليًا متمكنًا، ومحدثًا حافظًا، ومؤرخًا متفننًا، انتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي، تصدر للتدريس والإفتاء، من مؤلفاته: تاج التراجم، وتحرير الأنظار في أجوبة ابن العطار، وتخريج أحاديث بداية الهداية، وشرح منظومة ابن الجزي، ونزهة الرائض في أدلة الفرائض، توفي سنة 879 هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (6/ 184)، وشذرات الذهب لابن العماد (7/ 326)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ 564)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (2/ 972).
(10)
انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية (4/ 76، 326).
وإبراهيمُ اللقاني
(1)
، والحصكفي
(2)
، ومحمدٌ السفاريني
(3)
، وابنُ عابدين
(4)
، وعلويّ السقاف
(5)
، ومحمدُ بنُ عثمان الحكيم
(6)
، والدكتور بدران أبو العينين
(7)
.
وقد نَسَبَ مرعي الحنبلي هذا القولَ إلى كثيرٍ مِن العلماءِ
(8)
. ونَسَبَه محمد الملا فرُّوخ إلى فضلاءِ عصرِه
(9)
. ونَسَبَه الدكتورُ وهبة الزحيلي إلى أكثرِ المتأخرين
(10)
.
القول الثاني: أن التلفيقَ جائزٌ.
جَعَلَ ابنُ نجيمٍ هذا القولَ هو المذهب عند الحنفيةِ
(11)
. ونَسَبَه محمد الملا فرُّوخ إلى أئمةِ الحنفيةِ، وإلى الشافعيةِ
(12)
. وبيّنَ الدسوقيُّ المالكي أنَّ القولَ بجوازِ التلفيقِ هو طريقة المغاربةِ مِن المالكية، وهي المرجَّحةٌ
(13)
.
وذَكَرَ أحدُ متأخري الشافعية - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّ في كلِّ مذهبٍ مِن المذاهبِ قولًا بجوازِ التلفيقِ
(14)
.
(1)
انظر: منار أصول الفتوى (ص/ 214).
(2)
انظر: الدر المختار (1/ 244) مع رد المحتار.
(3)
انظر: التحقيق في بطلان التلفيق (ص/ 171).
(4)
انظر: رد المحتار على الدر المختار (1/ 244).
(5)
انظر: الفوائد المكية (ص/ 85)، ومختصرها (ص/ 42).
(6)
انظر: فتاوى علماء الأحساء (1/ 376).
(7)
انظر: أصول الفقه (ص/ 490).
(8)
انظر: فتيا له (ص/159) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.
(9)
انظر: القول السديد (ص/ 132).
(10)
انظر: الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 66).
(11)
انظر: رسائل ابن نجيم (ص/ 240)، والقول السديد للملا فروخ (ص/ 149)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ 108).
(12)
انظر: القول السديد (ص/ 148).
(13)
انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 20).
(14)
انظر: عمدة التحقيق (ص/ 110).
وذَكَرَ منيبٌ النابلسي - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّه وَجَدَ كثيرًا مِنْ علماءِ الحنفيةِ المتأخرين يُفتون بجوازِ التلفيقِ
(1)
.
وهذا القول هو ظاهرُ اختيارِ ابنِ الهمامِ الحنفي
(2)
، وذَهَبَ إليه: ابنُ أمير الحاج
(3)
، وابنُ نجيم
(4)
، وأمير باد شاه
(5)
، ومحمد الملا فرُّوخ
(6)
، وجمالُ الدين القاسمي
(7)
.
واختاره أيضًا: بعضُ حنفيةِ خوارزم
(8)
، وبعضُ المالكيةِ
(9)
، وبعضُ الشافعيةِ
(10)
.
ويُلحقُ بأربابِ هذا القولِ مَنْ جوَّز التلفيقَ بشرطِ أنْ لا يقصدَ الملفّقُ تتبعَ الرخصِ؛ إذ كثيرٌ مِنْ أربابِ القولِ الثاني يقولون بمنعِ تتبعِ الرخصِ.
وممَّنْ جوّزَ التلفيقَ بشرطِ عدمِ تتبعِ الرخصِ: مرعي الحنبلي
(11)
، والشيخُ حسن الشطي
(12)
(1)
انظر: المصدر السابق (ص/ 107).
(2)
انظر: التحرير (4/ 254) مع شرحه تيسير التحرير.
(3)
انظر: التقرير والتحبير (3/ 351).
(4)
انظر: رسائل ابن نجيم (ص/ 240)، والقول السديد للملا فروخ (ص/ 149).
(5)
انظر: تيسير التحرير (4/ 254).
(6)
انظر: القول السديد (ص/ 132).
(7)
انظر: الفتوى في الإسلام (ص/ 145).
(8)
انظر: القول السديد للملا فروخ (ص/ 132)، والفتاوى البزازية (4/ 44).
(9)
انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 20)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ 109).
(10)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 110).
(11)
انظر: فتيا له (ص/ 160) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.
(12)
هو: حسنٍ بن عمر بن معروف بن عبد الله الشطي، أصله من بغداد، ولد بدمشق سنة 1205 هـ كان علامة فقيهًا فرضيًا محدثًا مسندًا ثقة ثبتًا ورعًا زاهدَّا، انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي في قطره، أخذ عن علماء دمشق، وتصدر للتدريس والإفادة في داره، وفي محراب الحنابلة بالجامع الأموي، وتخرج به الطلاب، له حظ وافر من التصوف، من مؤلفاته: منحة مولى الفتح في تجويد زوائد الغاية والفتح، وأقرب المسالك لبيان المناسك على المذهب الحنبلي، وشرح على الكافي في العروض، ورسالة في فسخ النكاح، ورسالة في البسملة، توفي بدمشق =
- كما نسبه إليه الشيخُ محمد الباني
(1)
- والدكتورُ سيد الأفغانستاني
(2)
.
القول الثالث: التفصيل في المسألة، وهنا عدة اتجاهات:
الاتجاه الأول: يجوز التلفيقُ في التقليدِ بشرطين:
الشرط الأول: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ نقضَ حكمِ الحاكمِ.
الشرط الثاني: أنْ لا يستلزم التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عنْ لازمِه الإجماعي.
وهذا قولُ منيب النابلسي، كما نقله عنه الشيخ محمد الباني
(3)
.
مثال الشرط الثاني:
أ - مثال التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به المكلف تقليدًا:
لو قالَ الرجلُ لامرأتِه: أنتِ طالقٌ البتة، وهو يراها ثلاثًا، فأمضى رأيَه فيما بينه وبينها، وعَزَمَ على أنَّها حَرُمَتْ عليه، ثمَّ رأى بعد ذلك أنَّها تطليقةٌ رجعية، أمضى رأيه الذي عَزَمَ عليه، وليس له أنْ يردَّها إلى أنْ تكون زوجته برأي حَدَثَ بعدُ.
وكذلك لو كان يراها تطليقة واحدة، فعَزَمَ على أنَّها امرأته، ثمَّ رأى بعد ذلك أنَّها ثلاثٌ، لم تحرمْ عليه
(4)
.
ويشكلُ على المثالِ الذي مثَّل به أربابُ هذا الاتجاه أنَّ ما عمله
= سنة 1274 هـ. انظر ترجمته في: حلية البشر للبيطار (1/ 478)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ 97)، والسحب الوابلة لابن حميد (1/ 359)، ومنتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (2/ 647)، والأعلام للزركلي (2/ 209)، والفتح المبين للمراغي (3/ 154)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (3/ 1697)، وذيل النعت الأكمل (ص/ 367).
(1)
انظر: عمدة التحقيق (ص/ 111).
(2)
انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ 556).
(3)
انظر: عمدة التحقيق (ص/108، 109).
(4)
انظر: المصدر السابق (ص/ 111، 121).
المطلِّق مِنْ تغييرِ رأيه ليس مِنْ قبيلِ التقليدِ؛ لأنَّه رأي رآه، ولو عبّروا بالتقليدِ لكانَ مثالُهم سالمًا.
ب - مثال التلفيق الذي يستلزم الرجوع عن التقليد في اللازم الإجماعي:
لو قلَّد رجلٌ الإمامَ أبا حنيفة في النكاحِ بلا وليٍّ، دَخَلَ في تقليدِه: صحةُ إيقاعِ الطلاقِ؛ لأنَّها لازمةٌ لصحةِ النكاحِ إجماعًا، فلو طلّقَ زوجتَه ثلاثًا، ثمَّ ارادَ تقليدَ الإمامِ الشافعي في عدمِ وقوعِ الطلاقِ؛ لكونِ النكاحِ بلا وليٍّ، فليس له ذلك؛ لكونِه رجوعًا عن التقليدِ في اللازمِ الإجماعي
(1)
.
الاتجاه الثاني: يجوزُ التلفيقُ في التقليدِ في أمورِ النكاحِ والأنسابِ بثلاثةِ شروطٍ:
الشرط الأول: أنْ لا يتتبع الملفّقُ الرخصَ عمدًا.
الشرط الثاني: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ نقضَ حكمِ الحاكمِ.
الشرط الثالث: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عما عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي
(2)
.
ويجوزُ التلفيقُ إذا كانت المسألةُ مِنْ قبيلِ العباداتِ والتكاليفِ بشرطِ: عدمِ تتبعِ الرُّخصِ.
وهذا ما ذهب إليه الشيخُ محمدٌ الباني
(3)
.
وقد نصَّ على أنَّ الحاكمَ الذي ينفذُ حكمُه هو القاضي الذي تجتمع فيه شروطُ القاضي، أمَّا إذا لم تجتمع فيه جميعُ شروطِ القاضي أو بعضها، فلا ينفذُ حكمُه، وعليه لا مانعَ مِن التلفيقِ الذي يستلزمُ نقضَ حكمٍ غيرِ نافذٍ شرعًا
(4)
.
(1)
انظر: المصدر السابق (ص/ 111، 121 - 122).
(2)
انظر: المصدر السابق (ص/ 121).
(3)
انظر: المصدر السابق (ص/ 121، 124 - 125).
(4)
انظر: المصدر السابق.
وقد أوضحَ الشيخ محمدٌ الباني المرادَ مِن اللازم الإجماعي، فقالَ:"المرادُ مِن اللازمِ الإجماعي في هذه الصورةِ فيما ظهر لي: أنَّ الإمامَ الشافعي لا يحكمُ ببطلانِ هذا النكاح بعدَ وقوعِه، وإنْ كان يشترطُ الوليَّ في الابتداءِ، بلْ يقرّه؛ لئلا تكونَ أنكحة الأحنافِ باطلةً عنده، وليس كذلك، وإذا كانَ يقرّه بعدَ الوقوعِ يكون الطلاقُ ثلاثًا صحيحًا بإجماعِ الإمامين، فالتلفيقُ في هذه الصورةِ رجوعٌ عن التقليدِ في اللازمِ الإجماعي"
(1)
.
ثم أنَّ البانيَّ خَتَمَ حديثَه عن التلفيق بعد صفحات ليست بالقليلة، فقالَ: "وقد تبيَّنَ ممَّا بسطتُه في فصولِ هذا الكتاب
…
أنَّ ضابطَ جوازِ التلفيقِ وعدم جوازه هو: أنَّ كلَّ ما أفضى إلى تقويضِ دعائمِ الشريعةِ والقضاءِ على سياستها وحكمتها: فهو محظورٌ.
أمَّا إذا كانَ التلفيقُ يؤيّد دعائمَ الشريعة، وما ترمي إليه حكمتُها وسياستُها الكفيلتان بسعادةِ العبادِ في الدارين تيسيرًا عليهم في العباداتِ وصيانةً لمصالِحهم في المعاملاتِ: فهو المطلوبُ"
(2)
.
وقد تبع الشيخَ محمدًا الباني الدكتورُ وهبة الزحيلي
(3)
، وخليل الميس
(4)
، والدكتور محمد الحفناوي
(5)
.
وقد نَقَلَ الدكتورُ وهبة الزحيلي
(6)
، وخليل الميس
(7)
الضابطَ الذي قرره محمد الباني.
(1)
المصدر السابق (ص/ 112).
(2)
المصدر السابق (ص/ 139).
(3)
انظر: الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 69 - 71، 73)، وأصول الفقه (2/ 1148 - 1153).
(4)
انظر: التلفيق، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 168، 182).
(5)
انظر: تبصير النجباء (ص/ 267 - 268).
(6)
انظر: الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 69 - 71، 73)، وأصول الفقه (2/ 1148 - 1153).
(7)
انظر: التلفيق، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 168، 182).
الاتجاه الثالث: يجوزُ التلفيقُ بشرطين:
الشرط الأول: أنْ لا يكونَ الباعثُ عليه الهوى وتتبعُ الرخصِ.
الشرط الثاني: أنْ يكونَ غيرَ مقصودٍ.
وهذا ما ذَهَبَ إليه الشيخُ عبدُ الرحمن المعلمي
(1)
.
الاتجاه الرابع: أن التلفيقَ ممنوعٌ في الأحوال الآتية:
الأولى: إذا أدَّى إلى الأخذِ بالرخصِ؛ لمجردِ الهوى.
الثانية: إذا أدَّى إلى نقضِ حكمِ القضاءِ.
الثالثة: إذا أدَّى إلى نقضِ ما عمل به تقليدًا في واقعةٍ واحدةٍ.
الرابعة: إذا أدَّى إلى مخالفةِ الإجماعِ أو ما يستلزمه.
الخامسة: إذا أدَّى إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحدٌ مِن المجتهدين.
وهذا ما صَدَرَ به قرارُ مجمعِ الفقه الإسلامي
(2)
.
ومؤدّى قولِهم - مِنْ وجهةِ نظري - إلى القولِ بمنعِ التلفيقِ مطلقًا؛ لأنَّ التلفيقَ يؤدي إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحدٌ من المجتهدين، إلا إنْ أرادوا بهذه الحالةِ ما تقدم في تحريرِ محلِّ النزاعِ من ترتب استباحة المحرمات على القولِ بالتلفيقِ.
(1)
انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (2/ 384). والشيخ عبد الرحمن المعلمي هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العتمي اليماني، أبو عبد الله، ولد بالمحاقرة قرية من قرى اليمن سنة 1313 هـ كان أحد كبار العلماء المحققين، علامةً فقيهًا محققًا محدثًا عارفًا برجال الحديث، وبألفاظ الجرح والتعديل، سلفي المعتقد، تنقل بين عدة مدن، كجيزان ومكة وحيدر أباد، اشتغل بتحقيق الكتب وإخراجها، وفي عام 1373 هـ أصبح أمين مكتبة الحرم المكي الشريف، وبقي أمينًا إلى أن مات، وقد لقب بشيخ الإسلام، من مؤلفاته: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، وعلم الرجال وأهميته، والأنوار الكاشفة بما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل. والمجازفة، توفي بمكة المكرمة سنة 1386 هـ. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (3/ 342)، ومقدمة تحقيق التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/ 9)، والشيخ عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة للسماري (ص/ 8)، ومقدمة النكت الجياد لإبراهيم الصبيحي (ص/ 18).
(2)
انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 640).
• أدلة الأقوال:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بمنع التلفيق مطلقًا):
استدلَّ أصحابُ القول الأول بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ في التقليدِ؛ إذ لم يقلْ بصحةِ فعلِ الملفق أحد من المجتهدين
(1)
، فالحكمُ الملفّقُ باطل بالإجماعِ
(2)
.
يقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي: "إنَّ كثيرين يقلدون الأئمةَ في بعضِ المسائل، ولا يراعون ذلك - أي: سائر ما يقول به المجتهد الذي قلده - فيقعون في ورطةِ التلفيقِ، فتبطلُ أفعالُهم بالإجماعِ"
(3)
.
ويقول الحصكفي: "الحكمُ الملفّقُ باطلٌ بالإجماعِ"
(4)
.
مناقشة الدليل الأول: لا نُسَلّم صحةَ الإجماعِ المذكورِ في الدليلِ، ولا يمكنُ لأحدٍ أنْ يدعيه مع وجودِ المخالفِ في المسألةِ، فقد نَقَلَ الخلافَ فيها جمعٌ مِن العلماءِ
(5)
؛ ولذا قالَ ابنُ عابدين معلِّقًا على دعوى الحصكفي الإجماع: "على أنَّ في دعوى الاتفاقِ نظرًا"
(6)
.
ويقولُ الشيخُ محمد السنهوري معلِّقًا على دعوى الإجماعِ: "وهي
(1)
انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (1/ 147)، ورفع النقاب للشوشاوي (6/ 52).
(2)
انظر: الدر المختار للحصكفي (1/ 244) مع رد المحتار، وعمدة التحقيق للباني (ص/ 106، 110)، وفتاوى علماء الأحساء (1/ 377)، والتلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 84)، وموقف الأصوليين من التلفيق للدكتور محمد الدويش (ص/ 228)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 68).
(3)
الفتاوى الكبرى الفقهية (4/ 76)، وانظر منه:(4/ 326).
(4)
الدر المختار (1/ 244).
(5)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 108، 106).
(6)
رد المحتار على الدر المختار (1/ 246).
دعوى جريئةٌ؛ فجميعُ مَنْ تكلموا في هذا مِنْ أهلِ العلمِ المقلِّدين، وليس مِنْ بينهم أحد مِنْ أهلِ الإجماعِ، على أنَّ مَنْ تكلموا فيها قد اختلفوا اختلافًا بيّنًا"
(1)
.
ويمكن أنْ يضاف وجه آخر في المناقشة: لا يرادُ مِن إطلاقِ الإجماعِ الموجودِ في عباراتِ بعضِ العلماءِ من أصحابِ القولِ الأولِ إجماعُ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ، بل الظاهرُ إرادتهمَ إجماعَ الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفّقِ - وبناءً عليه لا فرق بين هذا الدليل والدليل الثاني الآتي بعد قليل - يُؤكّدُ هذا الأمر:
أولًا: لم تردْ عبارةٌ صريحةٌ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - في ادِّعاء إجماعِ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ.
ثانيًا: وَرَدَ استعمالُ الإجماعِ مرادًا به إجماع الإمامين فحسب، كما قالَ الشيخُ محمد الباني: "
…
وإذا كان يقرّه بعدَ الوقوعِ يكون الطلاقُ ثلاثًا صحيحًا بإجماعِ الإمامين
…
"
(2)
.
ثالثًا: يبعدُ كل البُعْد أنْ يحكي مَنْ عَرَفَ المسألةَ الإجماعَ فيها على قولٍ معيَّنٍ، فالخلافُ فيها مشهور عند المذاهبِ.
الدليل الثاني: إذا جَمَعَ المكلَّفُ بين قولي مجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ، كالطهارةِ مثلًا - وقد تقدم التمثيل بها - فإنَّ كلا المجتهدينِ اللذينِ قلَّدهما المكلَّفُ لو سُئِلَ أحدُهما عن صلاةِ الملفِّقِ التي أدَّها؟ فسيقولُ ببطلانِها
(3)
.
(1)
التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 83)، وانظر منه:(1/ 86).
(2)
المصدر السابق (ص/ 112).
(3)
انظر: نفائس الأصول (9/ 4148)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ 234 - 233)، وفتيا لمرعي الحنبلي (ص / 159) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق، والقول السديد لمحمد فروخ (ص/ 132)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 68).
مناقشة الدليل الثاني: نوقش الدليل الثاني من وجهين:
الوجه الأول: إنَّما يقولُ المجتهدُ ببطلانِ صلاةِ الملفِّقِ، إذا أخَذَ الملفِّقُ بالأمرِ الذي حَكَمَ المجتهدُ ببطلانِه، أمَّا إنْ قلَّد الملفِّقُ غيرَ هذا المجتهدِ، فلا يحكمُ ببطلانِ صلاتِه حينئذٍ؛ لأنَّه أَخَذَ بقولِ مجتهدٍ آخر.
وكذلك المجتهد الآخر يقولُ كقولِ المجتهدِ الأولِ، وبناءً عليه تبطلُ دعواكم إن كلا المجتهدين يقولُ ببطلانِ صلاةِ الملفّقِ
(1)
.
الجواب عن الوجه الأول: لا نُسلّم لكم أن المجتهدَ يقيّدُ القولَ ببطلانِ الصلاةِ بارتكابِ الملفِّق ما يفسدها، بلْ يطلقُ القولَ ببطلانِها
(2)
.
الرد على الجواب: إنَّ قولَ المجتهدِ ببطلانِ الصلاةِ لا يتوجه إلى المجتهدِ الذي خالفه فيما ذَهَبَ إليه، وكذلك لا يتوجه قولُه إلى مَنْ قلَّدَ هذا المجتهد؛ إذ الملفِّق قد صَنَعَ مثل ما صَنَعَ المجتهد الآخر
(3)
.
الوجه الثاني: القولُ ببطلانِ الصورةِ الملفَّقة عند المجتهدين اللذين قلَّدهما المكلَّفُ، غيرُ مسلَّم؛ فإنَّ الإمامَ مالكًا مثلًا لم يقلْ: إن مَنْ قلَّدَ الشافعيَّ في عدمِ الصداقِ، فنكاحُه باطلٌ؛ وإلا لَزِمَ منه أنْ تكونَ أنكحةُ الشافعيةِ عنده باطلةً، ولم يقل الإمامُ الشافعي: إن مَنْ قلَّد مالكًا في عدمِ الإشهادِ في النكاحِ، فنكاحُه باطلٌ؛ وإلا لَزِمَ منه أنْ تكونَ أنكحةُ المالكيةِ عنده باطلةً
(4)
.
الجواب عن الوجه الثاني: إنَّ القولَ بأنَّ الإمامَ مالكًا والإمام الشافعي لا يبطلانِ نكاحَ مَنْ قلَّدَ أحدَهما واردٌ في حقِّ مَنْ قلَّدَ أحدهما وراعى مذهبَه في جميعِ ما تتوقفُ عليه صحةُ العملِ، أمَّا في التلفيقِ في
(1)
انظر: القول السديد لمحمد فروخ (ص/ 139).
(2)
انظر: المصدر السابق (ص/ 140).
(3)
انظر: المصدر السابق.
(4)
انظر: التقرير والتحبير (3/ 352)، وتيسير التحرير (4/ 254 - 255)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ 555).
التقليدِ، فإنَّ المقلِّدَ قد قلّدهما في شيءٍ، وخالف كلًّا منهما في شيءٍ آخر
(1)
.
الرد على الجواب: في صورةِ التلفيق لا يجدُ المجتهدُ جميعَ ما شُرِطَ في صحةِ فعلِ المكلَّفِ، بلْ يجدُ بعضَها دونَ بعضٍ، وهذا الفارق بين الحالتين لا يُوجبُ القولَ بأنَّ المجتهدَ يقولُ ببطلانِ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ؛ إذ المخالفةُ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها، فيلزم الحكم بالصحةِ في الأهونِ؛ بطريقِ الأَوْلى
(2)
.
الاعتراض على الرد: لا نُسَلّمُ أنْ المخالفةَ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها
(3)
.
الجواب عن الاعتراض: إنه يتمُّ لكم الاعتراض إنْ كانَ معكم أيّها المانعون مِن التلفيقِ دليلٌ - مَنْ نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ قوي - ناهضٌ يدلُّ على أنَّ العملَ إذا كانَ له شروطٌ فيجبُ على المقلّدِ اتباع مجتهدٍ واحدٍ في جميعِ ما تتوقف عليه صحةُ العملِ
(4)
.
الدليل الثالث: لو قلنا بجوازِ التلفيقِ في التقليدِ لأدَّى ذلك إلى إفسادِ الشريعةِ، والتلاعبِ فيها
(5)
، واستباحة جُلِّ المحرماتِ! وأيّ بابٍ أفسد مِنْ باب يبيح الزنا؟ ! وَيبيح الخمر؟ ! ووجه التلفيق المؤدي إليه: يمكنُ للرجلِ أنْ يراودَ امرأةً عن نفسِها، فتجيبَه إلى ذلك، فيقلّد الإمامَ أبا حنيفةَ في صحةِ عقدِها على نفسِها، ويقلِّدُ الإمامَ مالكًا في عدمِ اشتراطِ الشهودِ، وفي هذه الحالة أمكن للرجلِ أنْ يزني بامرأةٍ ولا جُرْمَ عليه، وهذا لا يقولُ بجوازِه عاقلٌ، وكلُّ ما أدَّى إلى محظورٍ، فهو محظورٌ
(6)
.
(1)
انظر: التقرير والتحبير (3/ 352)، وتيسير التحرير (4/ 255).
(2)
انظر: تيسير التحرير (4/ 255).
(3)
انظر: المصدر السابق.
(4)
انظر: المصدر السابق.
(5)
انظر: مقدمة ابن خَلدون (3/ 1051).
(6)
انظر: التحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني (ص/ 171 - 172).
مناقشة الدليل الثالث: ما ذكرتموه خارجٌ عن محلِّ النزاعِ، وهو محرَّمٌ بالاتفاقِ، كما تقدم بيانُه في تحريرِ محل النزاعِ
(1)
.
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بجواز التلفيق مطلقًا):
استدلَّ أصحابُ القول الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أن الأصلَ الجوازُ، ولم يقمْ دليلٌ على منعِ التلفيقِ
(2)
، يقولُ محمد الملا فروخ:"لم أجدْ على امتناعِ ذلك - أي: التلفيق - بُرْهَانًا"
(3)
.
الدليل الثاني: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدِ مِنْ علماءِ الصحابةِ رضي الله عنهم، ولا عن التابعين - مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم - أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته؛ لئلا تَقَعَ في التلفيقِ، بلْ كانَ حالُهم أنَّ الواحدَ منهم يُفْتِي بما يراه صوابًا، ولا يفضل للمستفتي بوجوبِ مراعاةِ قولِه، ولو كان التلفيقُ في التقليدِ غيرَ جائزٍ، لما أهملوا توضيحَه
(4)
، ولم يُؤْثَرْ هذا أيضًا عن الأئمةِ الأربعةِ
(5)
، فكان إجماعًا على جوازِ التلفيقِ
(6)
.
الدليل الثالث: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ لم يعرفْه السلفُ، ولا أئمةُ الخلفِ
(7)
، فالذاهبُ إليه مخالفٌ لعملِ السلفِ.
(1)
انظر: معيد النعم لابن السبكي (ص/ 103)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ 104).
(2)
انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/168) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.
(3)
القول السديد (ص/ 132).
(4)
انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/ 160) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق، وعمدة التحقيق للباني (ص/ 92)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 66).
(5)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 92).
(6)
انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ 556).
(7)
انظر: الفتوى في الإسلام للقاسمي (ص/ 145).
الدليل الرابع: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُناقضُ مبدأين مشهورين في الشريعةِ، وهما:
المبدأ الأول: اختلافُ الأئمةِ رحمةٌ.
المبدأ الثاني: يسرُ الشريعةِ وسماحتها، وحرصُ الشرعِ على رفعِ الحرجِ، ودفعِ المشقةِ
(1)
.
الدليل الخامس: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُؤدي إلى ضررٍ عظيمٍ، وهو القولُ ببطلانِ عباداتِ العوام، ووصفهم بالفسقِ؛ لتلبّسهم بعباداتٍ باطلةٍ، فمثلًا: مَنْ لفَّقَ في وضوئِه بين قولِ الإمامِ أبي حنيفة والإمامِ الشافعي، فإن طهارته لا تصحُّ عند المانعين مِن التلفيقِ، ومؤدّى هذا القولِ إبطالُ صلاةِ كثيرٍ مِن الناسِ، وفي هذا مِن المفاسدِ ما لا يخفى على أحدٍ
(2)
.
وقد استدلَّ القائلُ بجوازِ التلفيقِ بشرطِ: أن لا يتتبعَ الرخصَ: أنَّ الناسَ لا يَسَعُهم إلا القولُ بجوازِ التلفيق في هذه الحال؛ ومنعهم منه يوقعهم في حرجٍ شديدٍ
(3)
.
أدلةُ أصحاب القول الثالث (المفصِّلين في حكم التلفيق):
ذَكَرَ بعضُ أصحابِ الاتجاهات أدلةً على ما ذهبوا إليه، وأغفَلَ آخرون ذكرَ أدلتِهم، ولعَل مَنْ أغفلَ ذكر أدلته نَظَرَ إلى أنَّه تجتمعُ أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ، وأدلةُ أصحاب القول الثاني في القولِ الذي ذَهَبَ إليه.
(1)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 95)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 67)، وتعليق محققي القول السديد لملا فروخ (ص/ 80)، ط: دار الدعوة.
(2)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 98)، وتعليق محققي القول السديد لملا فروخ (ص/ 80)، ط: دار الدعوة.
(3)
انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/167) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.
دليل أصحاب الاتجاه الأول:
يستدلون للشرطِ الأولِ: (أنْ لا يستلزم التلفيقُ نقضَ حكم الحاكم): بمصلحةِ استقرارِ الأحكامِ، ودرءًا للفوضى، ولأنَّ حكمَ الحاكمِ يرفعُ الخلافَ
(1)
.
ويستدلون للشرطِ الثاني: (أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي): بأنَّنا نمنع التلفيقَ إنْ استلزمَ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمه الإجماعي؛ لأنَّه لا يجوزُ للمقلِّدِ الرجوع عمَّا عملَ به، بخلافِ ما لم يعملْ
(2)
.
أدلة أصحاب الاتجاه الثاني:
يستدلُّ أصحابُ الاتجاه الثاني فيما فصّلوا فيه بأدلةِ أصحابِ الاتجاه الأول، ويستدلون للشرطِ الأولِ (وهو منع تتبع الرخص): بما تقدم في أدلةِ المانعين مِنْ تتبعِ الرخصِ.
وأضافَ الشيخُ محمد الباني دليلًا على منعِ التلفيقِ إنْ استلزمَ الرجوع عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي في أبواب النكاح: بأنَّه يُحتاطُ في مسائلِ الفروجِ أكثر ممَّا يُحتاطُ في غيرِها؛ لأنَّ قضايا الفروجِ والأنسابِ لا يسوغُ أنْ تكونَ ألعوبةً بيدِ بعضِ المتفقهةِ الذين يتعاطون ردّ المطلقات بالتلفيقِ مهنةً لهم
(3)
.
فكأنّ القائلَ بهذا الاتجاه يستدل بقاعدةِ سدِّ الذرائعِ.
أمَّا إذا لم تكن المسالةُ مِنْ أبواب النكاحِ والأنسابِ، فإنَّه يجوزُ التلفيق؛ لأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني، ولرفعِ الحرجِ عن الناسِ.
(1)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 121).
(2)
انظر: المصدر السابق (ص/ 108).
(3)
انظر: المصدر السابق (ص/ 122).
ويستدل لمنعِ تتبعِ الرخصِ بما تقدم في أدلةِ المانعين منه.
دليل أصحاب الاتجاه الثالث: يستدلُّ القائلُ به بالدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني - وهو: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدٍ مِنْ علماءِ الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن التابعين مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم، أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته - ويحمله على أنَّ ما وَقَعَ فيه الناس من التلفيق بين آراء العلماء حين استفتائهم كان غيرَ مقصودٍ، وهذا إجماعٌ مِن السلفِ على جوازِه
(1)
.
• الموازنة والترجيح:
بالنظرِ إلى المسألةِ بأقوالها، وأدلتها، يظهرُ لي أن القولَ الراجح هو التفصيل الآتي:
أولًا: بالنسبةِ إلى العامي الصِرْفِ، لا يمكن القولُ بمنعِه من التلفيقِ، وذلك لأن الغالبَ أنَّ وقوعَ العامي في التلفيق عن غيرِ قصدٍ؛ ومثلُ هذا لا يمكن منعُه؛ لإفضائِه إلى المشقةِ والحرجِ البالغين.
إضافةً إلى أنّه لم يُنقلْ عن السلفِ الصالحِ رحمهم الله أنَّهم كانوا يرشدون العامّةَ إلى مراعاةِ أقوالِهم، لئلا يقعوا في التلفيقِ بين أقوالِ المفتين.
وإنْ فُرِضَ وقوع العامي في التلفيقِ عن قصدٍ:
فإنْ قارنه تتبع الرخصِ، فله حكم مسألة:(تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها.
وإنْ خلا عن قصدِ تتبع الرخص، فليس له ذلك؛ لأنَّ الواجبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ.
ثانيًا: بالنسبةِ للمتمذهبِ الذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ:
(1)
انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (2/ 384).
فإنْ ترجّح له ما ذَهَبَ إليه، فالقولُ في هذه الحالةِ كالقولِ في التلفيقِ في الاجتهادِ
(1)
.
وإنْ قارنَ تلفيقَه تتبعٌ للرخصِ، فله حكمُ مسألةِ:(تتبع الرخص)، وقد تقدَّمَ الحديثُ عنها
(2)
.
أمَّا إنْ خلا عمَّا سبق، فإنْ وَقَعَ في التلفيقِ عن غيرِ قصدٍ، فلا حَرَجَ عليه، وإنْ قَصَدَه فالأحوطُ تركُه؛ خروجًا مِن الخلافِ.
وقد رجحتُ ما سَبَقَ، للآتي:
أولًا: القولُ بمنعِ التلفيقِ مطلقًا قولٌ لا يخلو مِنْ ضعفٍ، ولا سيما أنَّ أقوى ما يمكنُ أنْ يستدل به أصحابُ هذا القول هو دعوى الإجماعِ، ولم تسْلَمْ لهم هذه الدعوى.
ثانيًا: أن القولَ بمنعِ التلفيق مطلقًا - إضافةً إلى ضعفِه - أَوْقَعَ الناسَ في محظورٍ آخر، وهو تتبعُ الحيل، والبحث عنها؛ للتخلّصِ ممَّا وقعوا فيه، متورعين عن الوقوعِ في التلفيقِ
(3)
، ولو أنَّ المفتين لم يتحرجوا مِن القولِ بالتلفيقِ إنْ ظَهَرَ لهم رجحانُ القولِ الآخر - الذي لم يقو الدليل على منعه - لما وَقَعَ الناسُ في الحيلِ.
ثالثًا: أنَّ في عدمِ نقلِ منعِ التلفيقِ عن المتقدمين دلالةً على ضعفِ القولِ بمنعِه مطلقًا.
رابعًا: يظهر لي أنَّ القولَ بمنع التلفيقِ الذي يستلزمُ نقضَ حكمِ الحاكمِ، أو الرجوع عمَّا عمل به المكلّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي: خارجٌ عن صورةِ مسألةِ التلفيقِ أصلًا - وإنْ سلمتُ لهم الحكمَ الذي قالوه - إذ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ في هذه الحالةِ هو رجوع عمَّا عمل، وليس تلفيقًا.
(1)
انظر: فتاوى الإمام محمد رشيد رضا (6/ 2573).
(2)
انظر: المصدر السابق.
(3)
انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ 140).
ولعلَّ الباعثَ لهم على إخراجِ هذه الصورة مِن الجوازِ؛ خشيةَ أنْ يظنَّ أحدٌ جوازَها؛ لأنَّها تلفيقٌ، وأنَّ أصحاب هذا القول لم ينصوا على منعِها، فمَنَعُوها خشيةً مِنْ ذلك.
خامسًا: مَنْ جوَّزَ التلفيق بشرطين:
الشرط الأول: أنْ لا يكون الباعثُ عليه الهوى وتتبع الرخص.
الشرط الثاني: أنْ يكون غير مقصود.
فإنَّ الشرط الثاني - فيما يظهر - يغني عن الشرط الأولِ؛ لأنَّ الأولَ لا يَقَعُ إلا عن قصدٍ.
• نوع الخلاف:
الخلافُ بين الأقوالِ خلافٌ معنوي، وقد ذَكَرَ جمالُ الدّينِ الإسنوي
(1)
أثرَه في مسألة: إذا تزوج شخصٌ بلا وليّ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ، وبلا شهودٍ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ مالكٍ، ووطئ، فهلْ يُقام عليه الحدُّ؟
مَنْ مَنَعَ التلفيقَ قال بإقامةِ الحدِّ عليه؛ لأنَّ الإمامين اتفقا على بطلانِ النكاحِ، ومَنْ جوّزَ التلفيقَ لم يُقِم الحدَّ عليه.
• سبب الخلاف:
يظهرُ لي مِنْ خلالِ تتبع المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها أنَّ للخلافِ عدَّةَ أسباب، وأهمها صحة ادِّعاء اتفاقِ الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفّقِ.
فإنْ قلنا: إنَّ الإمامين اتفقا على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّقِ، منعنا التلفيقَ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ.
(1)
انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ 528).