الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسترخي العين
(1)
. ويقولُ إسماعيل الجوهريُّ: "المُطْرِق: المسترخي العين خِلْقَةً"
(2)
.
المعنى الرابع: خَصْفُ شيءٍ على شيءٍ
(3)
. ومِنْ هذا المعنى قولُهم: نَعْلٌ مُطَارَقةٌ، أي: مخصوفةٌ
(4)
، والطِرْق، وهو الشحم والقوة
(5)
، سُمّيَ بذلك؛ لأنَّه كأنَّه خُصِفَ به، يُقالُ: ما به طِرْقٌ، أيْ: قوةٌ
(6)
، ومنه: الطريقُ، وهو السبيلُ.
يقولُ ابنُ فارسٍ: "وليسَ ببعيدٍ أنْ يكونَ مِنْ هذا القياسِ الطريقُ؛ وذلك أنَّه شيءٌ يعلو على الأرضِ، فكأنَّها قد طُورِقتْ به وخُصِفتْ به"
(7)
.
ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للطرق:
جاءَ في مدوَّناتِ بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ استعمالُ مصطلحِ: (الطرق) في نقلِ المذهبِ، فلقد استعمله علماءُ المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ، ولم أقفْ على استعماله في مذهب الحنفيةِ، فيما رجعتُ إليه مِن مصادرهم.
أولًا: الطرق عند المالكية:
استعملَ المالكيةُ مصطلحَ: (الطرق) في نقلِ مذهبِهم، وعرفوها بأنَّها: اختلافُ الشيوخِ أو الأصحابِ في حكايةِ المذهبِ
(8)
.
(1)
انظر: مقاييس اللغة، مادة:(طرق)، (3/ 451).
(2)
الصحاح، مادة:(طرق)، (4/ 1516).
(3)
انظر: المصدر السابق، ومقاييس اللغة، مادة:(طرق)، (3/ 449)، ولسان العرب، مادة:(طرق)، (10/ 219)، والمصباح المنير للفيومي، مادة:(طرق)، (ص/ 303).
(4)
انظر: الصحاح، مادة:(طرق)، (4/ 1516)، ومقاييس اللغة، مادة:(طرق)، (3/ 452)، والمصباح المنير للفيومي، مادة:(طرق)، (ص/ 303).
(5)
انظر: تهذيب اللغة، مادة:(طرق)، (16/ 235)، والصحاح، مادة:(طرق)، (4/ 1514)، ولسان العرب، مادة:(طرق)، (10/ 215)، والقاموس المحيط، مادة:(طرف)، (ص/ 1166).
(6)
انظر: مقاييس اللغة، مادة:(طرق)، (3/ 452).
(7)
المصدر السابق.
(8)
انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (ص/ 93)، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون =
يقولُ خليلٌ المالكي: "اعلمْ أن الطريقَ عبارةٌ عنْ شيخٍ، أو شيوخٍ يرونَ أنَّ المذهبَ كلَّه على ما نقلوه، فالطرقُ عبارةٌ عن: اختلافِ الشيوخِ في كيفيةِ نقلِ المذهبِ"
(1)
.
فحين يختلفُ علماءُ المذهب في مسألةٍ ما، أهي على قولٍ واحدٍ، أم على قولين، أم على أكثر؟ يُوصفُ الاختلافُ بالطرقِ
(2)
.
وعند المالكيةِ أنَّ الأَوْلى الجمعُ بين الطرقِ ما أمكنَ، والطريقةُ التي فيها زيادةٌ راجحةٌ على غيرِها؛ لأنَّ الجميعَ ثقاتٌ، وحاصلُ دعوى النافي شهادةٌ على نفي
(3)
.
وهنا سوال، وهو: هل يجوزُ أنْ يُقال في طريقٍ مِن الطرقِ: هذا مذهبُ الإمامِ مالكٍ؟
بيَّنَ ابنُ عرفةَ المالكي جوابَ السؤالِ بما حاصلُه، أنَّ مَنْ له معرفةٌ بقواعدِ المذهبِ، ومشهورِ قولِه والترجيحِ والقياسِ: يجوز له ذلك، بشرطِ: أنْ يبذلَ وسعَه في تذكرِ محفوظِه مِنْ قواعدِ المذهبِ؛ ومَنْ لم يكن كذلك، لا يجوزُ له ذلك إلا أنْ يَعْزُوَه إلى مَنْ قاله قبلَه
(4)
.
أمثلة الطرق عند المالكية:
المثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: "في إزالةِ النجاسةِ ثلاثُ طرقٍ:
الأولى: لابنِ القصارِ، والتلقينِ، والرسالةِ: واجبةٌ مطلقًا
…
الثانية: للجلابِ، وشرح الرسالةِ: سنةٌ
…
= (ص/ 147)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ 286)، ومواهب الجليل للحطاب (1/ 38)، ومقدمة مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص/13).
(1)
التوضيح على جامع الأمهات (ص/93).
(2)
انظر: المصدر السابق، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ 147).
(3)
انظر: المصدرين السابقين.
(4)
انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (1/ 107)، ومواهب الجليل للحطاب (1/ 38 - 39). =
الثالثة: للخمي وغيره: ثلاثة أقوال في: (المدونة): واجبةٌ مع الذكرِ والقدرةِ
…
الثاني: واجبةٌ مطلقًا، لابن وهب
(1)
الثالث: سنةٌ
…
"
(2)
.
المثال الثاني: يقولُ خليل: "أمَّا الدمُ
…
غير المسفوحِ، كالجاري في العروقِ: نَقْلُ المصنفُ - أي: ابن الحاجب -: فيه طريقتانِ:
الأولى: أنَّه طاهرٌ، بلا خلافٍ فيه.
الثانية: أنَّ فيه قولان
(3)
، أيْ: قول بالطهارةِ، وقول بالنجاسةِ، وهذه طريقة ابنِ شاس"
(4)
.
ثانيًا: الطرق عند الشافعية:
لا يختلفُ اصطلاحُ علماءِ الشافعيةِ عن اصطلاحِ علماءِ المالكيةِ في معنى مصطلح: (الطرق).
يقولُ محيي الدين النوويُّ: "أمَّا الطرقُ، فهي: اختلافُ الأصحابِ في حكايةِ المذهب، فيقول بعضُهم مثلًا: في المسألةِ قولانِ، أو وجهانِ، ويقولُ الآخرُ: لا يجوزُ قولًا واحدًا، أو وجهًا واحدًا؛ أو يقول أحدُهما:
(1)
هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي الفهري بالولاء، أبو محمد المصري، ولد بمصر سنة 125 هـ كان أول أمره مشتغلًا بالعبادة، ثم طلب العلم، فكان يصل الليل بالنهار في طلبه، مع الزهد والورع، كان من أوعية العلم، إمامًا فقيهًا حافظًا عالمًا عاملًا، وقد لقي بعض صغار التابعين، وروى عن أربعمائة عالم، وهو من أصحاب الإمام مالك الآخذين عنه، قال عنه الإمام مالك:"ابن وهب إمام عالم"، وقال عنه الإمام أحمد:"ما أصح حديثه، وأعرفه بالأسامي"، وقال أيضًا:"ابن وهب عالم صالحٌ، كثير العلم"، من ملؤلفاته: الجامع في الحديث، والمغازي، وتفسير غريب الموطأ، توفي بمصر سنة 197 هـ وقيل: سنة 196 هـ.
انظر ترجمته في: المعرفة والتاريخ للفسوي (2/ 183)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (5/ 189)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (1/ 420)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (3/ 36)، وتهذيب الكمال للمزي (16/ 277)، وسير أعلام النبلاء (9/ 223)، وميزان الاعتدال للذهبي (2/ 521)، والديباج المذهب لابن فرحون (1/ 413).
(2)
جامع الأمهات (ص/ 36).
(3)
هكذا في: التوضيح على جامع الأمهات، والجادة:"قولين".
(4)
المصدر السابق.
في المسألةِ تفصيلٌ، ويقول الآخر: فيها خلافٌ مطلقٌ"
(1)
.
ويُطلقُ الشافعيةُ الطُّرقَ على اختلافِ علماءِ مذهبِهم في مرادِ الإمامِ الشافعي بكلامِه، يقولُ صدرُ الدين السلمي:"إنْ كانَ الاختلافُ - أي: بين الأصحاب - في المسألةِ؛ لاختلافِ الأصحابِ في مرادِ الشافعي بلفظِه، فالتعبيرُ عن هذا النوعِ بالطريقين هو الأظهرُ، وقد يُعبَّرُ عنه بالوجهين، لكن الأولَ هو الأكثرُ"
(2)
.
وقد وجدتُ عددًا مِنْ الشافعيةِ عرَّفَ الطرقَ بما قاله محيي الدين النووي
(3)
.
وقد تُطلقُ: (الطرق)، ويُرادُ بها: الوجوه، وكذلك العكس، ولا سيما عند متقدمي الشافعيةِ، كأبي إسحاقَ الشيرازي
(4)
.
ولعلَّ مردَّ التساهلِ في الإطلاقِ هو اشتراكُ الطُّرقِ والوجوهِ في كونهما مِنْ كلامِ أتباعِ المذهبِ
(5)
.
أمثلة الطرق عند الشافعية:
المثال الأول: يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: "فإنْ كانت النجاسةُ - أي: التي في الماء - ممَّا لا يدركُها الطَرْفُ: ففيه ثلاث طرق:
مِن أصحابِنا مَنْ قال: لا حكمَ لها
…
ومنهم مَنْ قال: حكمُها حكمُ سائرِ النجاساتِ
…
ومنهم مَنْ قال: فيه قولان: أحدهما: لا حكمَ لها،
(1)
المجموع شرح المهذب (1/ 66).
(2)
فرائد الفوائد (ص/ 105).
(3)
انظر: تحفة المحتاج للهيتمي (1/ 45)، والابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج للعلوي (1/ 90) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري، والبحث الفقهي للدكتور إسماعيل عبد العال (ص/ 224)، ومقدمة تحقيق الوسيط في المذهب للغزالي (1/ 239)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى للبيضاوي (1/ 117)، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/508 - 509).
(4)
انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (1/ 66)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى للبيضاوي (1/ 117).
(5)
انظر: المصدرين السابقين.
والثاني: لها حكمٌ"
(1)
.
المثال الثاني: يقولُ محيي الدين النوويُّ: "الرابعة - أي: من سنن الوضوء -: المضمضةُ والاستنشاقُ
…
وفي الأفضلِ طريقانِ: الصحيح: أنَّ فيه قولين: أظهرهما: الفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاقِ أفضلُ، والثاني: الجمعُ بينهما أفضلُ. والطريق الثاني: الفَصْلُ أفضلُ قطعًا"
(2)
.
ثالثًا: الطرق عند الحنابلة:
وَرَدَ مصطلحُ: (الطرق) في عددٍ مِن المواطنِ في مدوَّناتِ المذهبِ الحنبلي، ولم أقفْ على تحديدِ معناها عندهم - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ويظهرُ لي أنَّ معناه عندهم في ضوءِ استعمالهم له لا يخرجُ عن اصطلاحِ علماءِ المالكيةِ والشافعيةِ المتقدمِ تقريرِه آنفًا، وهو اختلافُ علماءِ المذهبِ في حكايةِ المذهبِ.
أمثلة الطرق عند الحنابلة:
المثال الأول: يقولُ المرداويُّ: "قوله - أي: ابن قدامه -: "وهل يستفتحُ ويستعيذُ فيما يجهرُ فيه الإمامُ؟ على روايتين"
…
اعلم أنَّ للأصحابِ في محلِّ الخلافِ طُرقًا: أحدها: أنَّ محلَّ الخلافِ: في حالِ سكوتِ الإمامِ، فأمَّا في حالِ قراءتِه، فلا يستفتحُ ولا يستعيذُ، روايةً واحدةً، وهي طريقةُ المصنّفِ في:(المغني)، والشارحِ
…
الطريق الثاني: أنَّ محلَّ الروايتين: يختصُّ حالَ جهرِ الإمامِ وسماعِ المأمومِ له، دونَ حالة سكتاته، وهي طريقةُ القاضي في:(المجرد)، و (الخلاف)
…
الطريق الثالث: أنَّ الخلافَ جارٍ في حالِ جهرِ الإمامِ وسكوتِه، وهو ظاهر كلام المصنف هنا - أيْ: في: (المقنع) - وأبي الخطاب
…
"
(3)
.
(1)
المهذب (1/ 45).
(2)
روضة الطالبين (1/ 58).
(3)
الإنصاف (2/ 232 - 233).