الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توطئة
قد يصلُ المتمذهبُ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلامية، وكما هو معلوم، فإنَّ الاجتهادَ المطلقَ في الشريعةِ الإسلامية على قسمين.
القسم الأول: الاجتهاد المستقل.
القسم الثاني: الاجتهاد المنتسب.
وفي ضوءِ تقسيمِ الاجتهادِ سرتُ في هذا المطلبِ.
المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل
.
تقدّم لنا في كلامِ ابنِ الصلاحِ في المبحثِ الأولِ تعريفُ المجتهدِ المستقلِّ، وأنَّه الذي يستقل بإدراكِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ مِنْ غيرِ تقليدٍ وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ
(1)
.
ومِن المعلوم، فإنَّ للمجتهدِ المستقلِّ التصرفَ في أصولِه وقواعدِه الاستنباطيةِ، دونَ تقيّد بمذهبِ أحدٍ مِن العلماءِ، في ضوءِ ما يترجحُ عنده.
يقولُ جلالُ الدِّينِ السيوطي: "المستقلُّ: هو الذي استقلَّ بقواعد لنفسِه، بَنَى عليها الفقهَ، خارجًا عن قواعد المذاهبِ المقررةِ"
(2)
.
(1)
انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 87).
(2)
الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ 93).
وكلامي في هذه المسألةِ عن وصولِ المتمذهبِ إلى درجةِ الاجتهادِ المستقلِّ؛ بحيثُ ينتقلُ عن التمذهبِ إلى درجةِ أئمةِ المذاهبِ المستقلين باجتهاداتهم، وسأبيِّنُ الحكمَ في هذه المسألة في النقاطِ الآتيةِ:
الأولى: المتمذهبُ الذي لم تجتمع فيه شروطُ الاجتهادِ في الشريعةِ، ليس له ادّعاءُ بلوغِه؛ لفقدِه شروطه، وهذا أمرٌ معلومٌ لا يحتاجُ إلى إقامةِ الدلائل عليه.
الثانية: لا خلافَ في جوازِ الوصولِ إلى درجةِ الاجتهادِ المستقل في عصورِ الاجتهادِ التي كانتْ قبلَ استقرارِ أصولِ المذاهبِ.
هذا ما يُفهمُ مِنْ كلام أبي حامد الغزالي
(1)
، وأبي القاسم الرافعي
(2)
، وابنِ الصلاحِ
(3)
، وابنِ حمدان
(4)
، حيثُ نصّوا على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقل، والقولُ بإغلاقِه يدلُّ على أنَّه كان مفتوحًا لمَنْ تحققتْ فيه الشروطُ.
ويؤكّدُ ما سَبَقَ: أن الأئمةَ الذين اتفق الناسُ على اتصافهم بالاجتهادِ المستقل، كانوا قبلَ بلوغِهم درجته غير مجتهدين.
الثالثة: نصَّ غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقلِّ، منهم: أبو حامد الغزالي
(5)
، وأبو القاسم الرافعي
(6)
، وابن الصلاح
(7)
، وابن حمدان
(8)
، وجلال الدين السيوطي
(9)
، فليس لأحدٍ أنْ يحدث مذهبًا جديدًا بأصول وقواعد جديدة.
(1)
انظر: الوسيط في المذهب (7/ 291).
(2)
انظر: العزيز شرح الوجيز (12/ 418).
(3)
انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 91).
(4)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 17).
(5)
انظر: الوسيط في المذهب (7/ 291).
(6)
انظر: العزيز شرح الوجيز (12/ 418).
(7)
انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 91).
(8)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 17).
(9)
انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ 93).
الرابعة: لم أقفْ - في ضوءِ ما اطلعت عليه مِنْ مصادر - على دليلٍ يدلُّ على إغلاقِ باب الاجتهادِ المستقل، إلا أن مِن القائلين بإغلاقه مَنْ رأى في القولِ به حمايةً لأصولِ الشريعةِ الإسلاميةِ مِنْ أنْ يأتي من يُغَيّر فيها؛ مدعيًّا أنه مجتهد
(1)
.
الخامسة: لو أرادَ المتمذهبُ الانتقالَ عن التمذهب إلى درجةِ الاجتهادِ المستقلّ؛ لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، فالذي يَظهرُ لي أنَّ لانتقالِه صورتين:
الصورة الأولى: أنْ يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد يسيرُ عليها، مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهبِ.
الصورة الثانية: أنْ لا يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد مخالفةً لما استقرت عليه أصول المذاهب، بلْ يسير على الأصولِ المدوّنة، لكنَّه يأخذ بما ترجَّحَ عنده مِنْها، دونَ التزامِ أصولِ مذهبٍ معيّنٍ.
الصورة الأولى: أنْ يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد يسيرُ عليها مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهبِ.
الذي يظهرُ لي في هذه الصورة هو المنعُ وعدمُ الجوازِ؛ لأنَّ الأصولَ والقواعد مدوَّنةٌ، ولا يمكن أنْ يكون هناك أصولٌ صحيحةٌ خَلَتْ عنها المذاهبُ الفقيهةُ طوال قرون متطاولة.
يقول ابنُ بَرهان: "أصولُ المذاهب وقواعدُ الأدلةِ منقولةٌ عن السلفِ، فلا يجوزُ أنْ يُحدثَ في الأعصارِ خلافُهَا"
(2)
.
ويقولُ ابنُ المنيِّرِ المالكي: "أتباعُ الأئمةِ الآن حازوا شروطَ الاجتهادِ، مجتهدون ملتزمون أنْ لا يحدثوا مذهبًا، أمَّا كونهم مجتهدون؛ فلأنَّ الأوصافَ قائمةٌ بهم، وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبًا؛ فلأنَّ
(1)
انظر: سد باب الاجتهاد لعبد الكريم الخطيب (ص/137).
(2)
نقل السيوطيُّ كلامَ ابن برهان في: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ 93).