المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل - التمذهب – دراسة نظرية نقدية - جـ ٢

[خالد الرويتع]

فهرس الكتاب

- ‌الفرع الرابع عشر: الضعيف

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للضعيف:

- ‌الفرع الخامس عشر: المنكر

- ‌الفرع السادس عشر: الشاذ

- ‌الفرع السابع عشر: الطرق

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للطرق:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للطرق:

- ‌الفرع الثامن عشر: الإجراء

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للإجراء:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للإجراء:

- ‌الفرع التاسع عشر: التوجيه

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للتوجيه:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتوجيه:

- ‌المسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب

- ‌المبحث الرابع: أقسام التمذهب

- ‌الفصل الثاني: نشأة التمذهب، وتاريخه

- ‌المبحث الأول: نشأة التمذهب

- ‌المطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب

- ‌المطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية

- ‌المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية

- ‌المطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة

- ‌المبحث الثاني: تاريخ التمذهب

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري

- ‌المطلب الثاني: التمذهب من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري

- ‌المطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري

- ‌المطلب الرابع: التمذهب من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر

- ‌الفصل الثالث: حكم التمذهب

- ‌تمهيد: في تقليد الميت

- ‌المبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي(1)، والتابعي

- ‌المبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة

- ‌المبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة

- ‌الفصل الرابع الأحكام المترتبة على التمذهب

- ‌المبحث الأول: طبقات المتمذهبين

- ‌المطلب الأول أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين

- ‌تمهيد

- ‌توطئة

- ‌المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح

- ‌المسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان

- ‌المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم

- ‌المسألة الرابعة: تقسيم ابنه كمال باشا

- ‌المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبين

- ‌توطئة

- ‌المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي

- ‌المسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة

- ‌المسألة الثالثة: تقديم الدكتور محمد الفرفور

- ‌القسم الأول: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا في الشرع

- ‌القسم الثاني: المجتهدون المقيَّدون بالمذهبِ

- ‌المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات

- ‌المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب

- ‌تمهيد:

- ‌المطلب الأول: الانتقال عن المذهب إلى الاجتهاد

- ‌توطئة

- ‌المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل

- ‌المسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المنتسب

- ‌المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر

- ‌المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل

- ‌المبحث الثالث: تتبع الرخص

- ‌توطئة

- ‌المطلب الأول: تعريف التتبع

- ‌المطلب الثاني: تعريف الرخصة في: اللغة، والاصطلاح

- ‌أولًا: تعريف الرخصة في اللغة:

- ‌ثانيًا: تعريف الرخصة في الاصطلاح:

- ‌المطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص

- ‌المطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم، وزلة العالم

- ‌المطلب الخامس: حكم تتبع الرخص

- ‌المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب

- ‌المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح

- ‌توطئة

- ‌المسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة

- ‌المسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح

- ‌المطلب الثاني: صور التلفيق

- ‌توطئة

- ‌المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها

- ‌المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها

- ‌المطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم

- ‌تمهيد

- ‌المسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد

- ‌المسألة الثانية: التلفيق في التقليد

- ‌المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين

- ‌المطلب الرابع: الفرق بين التلفيق وتتبع الرخص

- ‌الفصل الخامس: أحكام المتمذهب

- ‌المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل

الفصل: ‌المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل

‌المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل

إنَّ أيَّ مذهبٍ فقهي مهما بَلَغَ إمامُه في العلمِ من درجاتٍ كبيرةٍ لا يخلو مِنْ أقوال مرجوحةٍ فيه، ومِنْ مسائل خالفَ فيها إمامُ المذهبِ دليلًا مِن الأدلةِ؛ إذ الأئمةُ بشرٌ يصيبون ويخطئون

(1)

.

يقولُ الإمامُ الشافعي: "ما مِنْ أحدٍ إلا وتذهبُ عليه سنةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتعزبُ عنه"

(2)

.

وغنيٌّ عن القولِ الإشارةُ إلى أنَّ أئمةَ المذاهبِ لم يتعمدوا مخالفةَ الدليلِ الشرعي، فهم مُبَرّؤون مِنْ ذلك

(3)

، وإذا وقعَ واحدٌ منهم في مخالفةِ الدليلِ؛ فلسببٍ من الأسبابِ التي يُعْذَرُ فيها بتركِ العملِ بالدليلِ.

يقولُ الإمام الشافعي: "أمَّا أنْ نخالفَ حديثًا عن رسولِ الله ثابتًا عنه، فأرجو أنْ لا يُؤْخَذَ ذلك علينا إنْ شاء الله.

وليس ذلك لأحدٍ، ولكنْ قد يجهلُ الرجلُ السنةَ، فيكون له قولٌ يخالفها، لا أنَّه عَمَدَ خلافَها"

(4)

.

(1)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 107).

(2)

أخرج قولَ الإمام الشافعي: البيهقي في: مناقب الإمام الشافعي (1/ 575)؛ وابن عساكر في: تاريخ دمشق (51/ 389).

وانظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ 129)، وإعلام الموقعين (4/ 46)، ومعنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ 76 - 77)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ 252) ط/ دار الفتح.

(3)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 107).

(4)

الرسالة (ص/ 219).

ص: 1095

ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "وليُعْلَم أنّه ليس أحدٌ مِنْ الأئمةِ المقبولين قبولًا عامًّا يتعمدُ مخالفةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ مِنْ سنته: دقيقٍ ولا جليلٍ؛ فإنَّهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوبِ اتِّباع الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كلَّ أحدٍ مِن الناسِ يُؤْخَذُ مِنْ قولِه ويُتركُ، إلا رسول لله صلى الله عليه وسلم"

(1)

.

ويقولُ ابنُ أبي العز الحنفي: "مَنْ ظنَّ أن أبا حنيفةَ أو غيرَه مِنْ أئمةِ المسلمين يتعمدُ مخالفةَ الحديثِ الصحيحِ أو غيرِه، أو أنّه إذا قالَ بالقياسِ، ثمَّ ظَهَرَ له النصُّ، لا يرجع إليه: فقد أَخطأَ عليهم"

(2)

.

ويقولُ في موضع آخر: "لا يجوزُ أنْ يُقْالَ عن أبي حنيفةَ - ولا عمَّنْ دونه مِنْ أهلِ العلمِ - فيما يُوْجَدُ مِن أقوالِه مخالفًا للنصِّ: إنَّه خالفَ الرسولَ قصدًا، بلْ إمَّا أنْ يُقالَ: إنَّ النصَّ لم يبلغْه، أو لم يظهرْ له دليلٌ على ذلك الحكمِ، أو عارضه عنده دليلٌ آخر، أو غير ذلك مِن الأعذارِ"

(3)

.

وقد ألَّفَ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ رسالتَه المشهورة: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وذَكَرَ فيها جملةً مِنْ أسباب مخالفةِ الأئمةِ لحديثِ النبي صلى الله عليه وسلم.

ومِنْ وجهة نظري: فإن مسألةَ: (عمل المتمذهب إذا خالفَ مذهبُه الدليلَ) مِنْ أهمِّ مسائلِ التمذهب؛ إذ يترتب عليها عملُ المتمذهبين في كثيرٍ مِن المسائلِ العمليةِ التي خالفَ فيها قولُ إمامِهم حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم.

وقبلَ الولوجِ في هذه المسألةِ، تحسنُ الإشارةُ إلى الآتي:

أولًا: غالبُ حديثي في هذا المبحثِ، إنْ لم يكنْ كله في مخالفةِ قولِ إمامِ المذهبِ لحديث مِنْ أحاديثِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ والسبب في هذا: أن أحاديثَ النبي صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ، ولم يطَّلع الواحدُ مِن الأئمةِ على جميعِ ما جاءَ عنه صلى الله عليه وسلم،

(1)

رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص/ 4).

(2)

الاتباع (ص/ 40).

(3)

المصدر السابق (ص/ 30).

ص: 1096

الأمر الذي يؤدّي إلى مخالفته لحديثٍ ما، لم يَسْمَعْ به، ثمَّ قد لا يَقِفُ الإمامُ على الحديثِ مِنْ طريقٍ صحيحٍ، وهذانِ الأمرانِ منتفيانِ عن القرآنِ الكريمِ.

ثانيًا: قد تكونُ دلالةُ الحديثِ النبوي على الحكمِ دلالةً صريحةً، وقد تكونُ دلالةً غير صريحةٍ، وجُل الكلام في هذه المسألةِ - فيما ظهر لي - في الحديثِ النبوي ذي الدلالةِ الصريحةِ على الحكمِ.

ثالثًا: سيكونُ الحديثُ هنا عن مسألة: عملِ المتمذهبِ إذا خالفَ مذهبُه الحديثَ النبويَّ، أيأخذُ بالحديثِ، أم بمذهبِه؟ ولهذه المسألةِ صلةٌ بمسألةِ:(نسبة القولِ إلى إمامِ لثبوتِ الحديثِ النبوي)، وقد سَبَقَ الحديثُ عنها.

رابعًا: لا يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ؛ لأنَّه لا أثرَ لانتسابِه فيما يتوصلُ إليه من الأحكام؛ إذ هو قادر على الاجتهادِ الكاملِ

(1)

.

خامسًا: لا يدخل في حديثي هنا المجتهدُ الجزئي الذي خالف إمامَه في مسألةٍ تحقق له فيها وصفُ الاجتهاد الجزئي؛ لأنَّه في هذه الحالةِ ملحقٌ بالمجتهدِ المطلقِ

(2)

.

سادسًا: مَعَ كونِ ظاهرِ هذه المسألة اختصاصها بغيرِ القائلين بمنعِ التمذهبِ، إلا أنِّي ذكرتُ أقوالَ بعض المانعين؛ لحديثِهم عن المسألةِ بخصوصِها.

سابعًا: يدخل في المسألةِ تركُ الإمامِ الحديثَ النبوي؛ لعدم علمِه به، وتركُه مع العلمِ به - سواءٌ أذكرَ مستنده في التركِ، أم لا - كما ترَكَ الإمامُ

(1)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 213).

(2)

انظر: البحر المحيط (6/ 295).

ص: 1097

مالكٍ مثلًا العملَ بحديثِ خيارِ المجلسِ

(1)

، مع روايتِه له

(2)

؛ لمعارضٍ أرجح عنده، وهو عملُ أهلِ المدينةِ

(3)

.

ثامنًا: لا يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ المسائلُ التي تتجاذبها الأدلةُ، فلا يقول أحدٌ عنها: إن مذهبَ الإمامِ قد خالفَ الكتابَ أو السنةَ

(4)

، وكذلك الحديث الذي طُعِنَ في ثبوتِه

(5)

.

تاسعًا: لا يدخل في حديثي هنا العاميُّ الصِرْفُ؛ لأن كلامي عن المتمذهبِ.

ومن جهة أخرى: فإنَّ العاميَّ فاقدٌ لآلةِ النظرِ أصلًا، وفرضُه سؤال أهلِ العلمِ

(6)

.

يقول تقيُّ الدين السبكي: "إذا كانَ المقلِّدُ مِنْ أهلِ الفهمِ، وأمَّا العامي، فلا كلامَ معه"

(7)

.

عاشرًا: لهذه المسألةٌ جانبٌ نظري - وهذا ما سأبحثه - وجانبٌ تطبيقي، شأنُها شأن مسائل أصول الفقه، والذي أريدُ الوصولَ إليه: أنَّه قد يُوجدُ اختلافٌ بين ما يقرره عالمٌ في الجانبِ النظري، وما يصنعه في الجانبِ التطبيقي؛ فقد يُقررُ لزومَ اتباعِ الحديثِ النبوي مثلًا، لكنَّه حين يجدُ حديثًا يخالف مذهبَه، فإنَّه يكثرُ مِن التأويلاتِ والاعتراضات التي تُبطل العملَ بالحديثِ؛ لمخالفتِه ما استقرَّ في نفسِه وما اعتادَ عليه

(8)

.

(1)

تقدم تخريج الحديث في: (ص/ 326).

(2)

يقول الإمام مالك في: الموطأ (2/ 201) بعد حديث خيار المجلس: "وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمولٌ به فيه".

(3)

انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / 450).

(4)

انظر: إعلام الموقعين (6/ 166).

(5)

انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/118).

(6)

انظر: دراسات اللبيب لمحمد السندي (ص/ 31).

(7)

انظر: معنى قول الإمام المطلبي (ص/ 121).

(8)

انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: 86 (ص/ 128).

ص: 1098

حادي عشر: يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ ما إذا استقرَّ المذهبُ على خلافِ الدليلِ، سواءٌ استقر على قولِ الإمامِ، أم لا.

ثاني عشر: ذكرتُ في صدرِ المبحثِ أنَّ أيَّ مذهبٍ لا يخلو عن مخالفةٍ للدليل، ولذا أحببتُ ذكرَ مثالٍ مِنْ كلِّ مذهبٍ خالفَ فيه الدليلَ:

المثال الأول: ذَهَبَ الإمامُ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى عدمِ الحكمِ بشاهدٍ ويمينٍ

(1)

.

وقد ثَبَتَ الحديثُ بالحكمِ بهما في حديثِ عبدِ الله بنِ عباسٍ صلى الله عليه وسلم: أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قضى بيمينٍ وشاهدٍ

(2)

.

المثال الثاني: ذَهَبَ الإمامُ مالكٌ إلى عدمِ مشروعيةِ صيامِ ستةِ أيامٍ مِنْ شوال

(3)

.

وقد ثَبَتَ الحديثُ باستحبابِ صومِها في قولِ النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ صامَ رمضان، ثمَّ أتبعه ستًا مِنْ شوال كان كصيامِ الدهرِ)

(4)

.

المثال الثالث: ذهبت الشافعيةُ

(5)

، والحنفيةُ

(6)

إلى نجاسةِ أبوالِ الإبلِ وما يُؤكلُ لحمُه.

(1)

انظر: مختصر اختلاف العلماء للجصاص (3/ 342)، وروؤس المسائل للزمخشري (ص/ 535)، وبدائع الصنائع للكاساني (6/ 225).

(2)

أخرج الحديث: مسلم في: صحيحه، كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد (2/ 818)، برقم (1712).

وللاستزادة من الأحاديث الواردة في القضاء بشاهد ويمين، انظر: الطرق الحكمية لابن القيم (1/ 168 وما بعدها).

(3)

انظر: موطأ الإمام مالك (1/ 417).

(4)

أخرج الحديث: مسلم في: صحيحه، كتاب: الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان (1/ 521)، برقم (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.

(5)

انظر: حية العلماء للقفال الشاشي (1/ 306)، والمجموع شرح المهذب للنووي (2/ 548).

(6)

انظر: تبيين الحقائق للزيلعي (1/ 27).

ص: 1099

وقد ثَبَتَ الحديثُ بالأمرِ بالشربِ مِنْ أبوالِ الإبلِ في حديثِ العرنيين؛ إذ قالَ لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنْ شئتم أنْ تخرجوا إلى إبلِ الصدقةِ، فتشربوا مِنْ ألبانِها وأبوالِها)

(1)

.

المثال الرابع: ذَهَبَ متأخرو الحنابلةِ إلى عدمِ استحبابِ رفعِ اليدينِ في الصلاةِ حالَ القيامِ مِن التشهدِ الأولِ

(2)

.

وقد ثبتتْ أحاديث دالةٌ على مشروعيةِ رفعِهما في هذا الموطنِ، كحديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّه إذا قامَ من الركعتين رَفَعَ يديه، ورَفَعَ ابنُ عمر ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(3)

.

المثال الخامس: ذهبت الحنفيةُ

(4)

، والمالكيةُ

(5)

، والإمامُ أحمد في روايةِ أبي داود عنه

(6)

إلى عدمِ مشروعيةِ زيادةِ المأمومِ في الصلاةِ على قوله: ربنا ولك والحمد.

وقد ثبتَ أنَّ رجلًا صلَّى خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعد الرفعِ من الركوعِ: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلمَّا انصرفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ صلاتِه قال: (مَن المتكلم؟ ) قال: أنا. قال صلى الله عليه وسلم: (رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيّهم يكتبها أولُ)

(7)

.

(1)

أخرج الحديث من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه: البخاري في: صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والغنم والدواب ومرابضها (ص/ 67)، برقم (233)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص، باب: حكم المحاربين والمرتدين (2/ 794)، برقم (1671)، واللفظ له.

(2)

انظر: كشاف القناع للبهوتي (2/ 380)، وشرح منتهى الإرادات له (1/ 407).

(3)

أخرج الحديثَ: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب: رفع اليدين إذا قام من الركعتين (ص/ 735)، برقم (739).

(4)

انظر: بدائع الصنائع للكاساني (1/ 209 - 210).

(5)

انظر: الكافي لابن عبد البر (1/ 207)، والذخيرة للقرافي (2/ 218).

(6)

انظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص/ 51)، والمغني لابن قدامة (2/ 189).

(7)

أخرج الحديث: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب:(دون ترجمة)(ص/ 164)، برقم (799) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه.

ص: 1100

ثالث عشر: لا يدخلُ في حديثي هنا ما إذا وَجَدَ المتمذهبُ الحديثَ الذي استند إليه إمامُه ضعيفًا، ولم يقفْ على حديثٍ صحيحٍ في المسألةِ.

• سورة المسألة:

إذا وَجَدَ المتمذهبُ حديثًا صحيحًا يخالفُ ما قاله إمامُه، فماذا يصنع؟ أيأخذ بالحديثِ، ويترك قولَ إمامِه؛ أم يأخذ بقولِ إمامِه، ويترك العملَ بالحديثِ؟

• تحرير محل النزاع:

يمكنُ تحريرُ محل النزاعِ في ضوء الآتي:

أولًا: اتفقَ العلماءُ على تحريمِ استحلالِ مخالفةِ النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأنَّه أمرٌ مخرجٌ عن الملةِ.

يقولُ ابنُ حزمٍ: "مَنْ يستحل خلافَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فهو كافرٌ مشركٌ؛ لقولِ الله تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}

(1)

"

(2)

.

ثانيًا: يظهرُ لي أنَّ العلماءَ متفقون على أنَّ مِنْ شرطِ الاستدلالِ بالدليلِ النصّي كتابًا أو سنةً: معرفةَ أصولِ الفقهِ؛ لأنَّ الجاهلَ بعلمِ أصولِ الفقهِ لا يمكنُه الاستنباطُ مِن الدليلِ النصي على الوجهِ الصحيحِ؛ إذ علمُ أصولِ الفقه هو أهم آلةٍ لفهمِ النصوصِ، واستنباط الأحكامِ منها.

وبناءً عليه، ليس للمتمذهبِ الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ الاستنباطُ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ

(3)

.

يقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: "مَنْ لم يكنْ عالمًا بأصولِ الفقهِ حَرُمَ عليه القياسُ والتخريجُ على المنصوصاتِ مِنْ قِبَل صاحبِ الشرعِ، بلْ حَرُمَ عليه

(1)

الآية (65) من سورة النساء.

(2)

الإحكام في أصول الأحكام (6/ 155). وانظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية (ص/4).

(3)

انظر: الاعتصام للشاطبي (3/ 318).

ص: 1101

الاستنباطُ مِنْ نصوصِ الشارعِ؛ لأنَّ الاستنباطَ فرعُ معرفةِ أصولِ الفقهِ"

(1)

.

ولذا نصَّ بعضُ الأصوليين على أنَّه ليس لغيرِ المجتهدِ - ويدخل فيه المتمذهبُ - العملُ بمعنى القرآنِ والسنةِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ له ناسخٌ أو مخصصٌ أو مقيَّدٌ أو معارض أقوى، وقد يحمله على غيرِ المرادِ منه

(2)

.

ولعل مقصدهم هو عدم جواز أَخْذِ غيرِ المجتهدِ المطلقِ مِن الدليل مباشرةً، دون نظرٍ ورجوعٍ إلى كلامِ العلماءِ؛ إذ هذا الأمر من وظائفِ المجتهدِ المطلقِ

(3)

.

يقولُ ابنُ حمدان: "ليس لكلِّ فقيهٍ أنْ يعملَ بما رآه حجةً مِن الحديثِ حتى ينظر، هلْ له معارضٌ أو ناسخٌ أم لا؟ أو يسأل مَنْ يعرف ذلك ويُعْرَفُ به"

(4)

.

ولا يعني ما تقدّم حَصْرُ فهمِ القرآن وتدبّره على مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، بلْ لمَنْ لم يعرفْ أصولَ الفقهِ تدبّر القرآن وطلب فهمِه، لكنْ ليس لغيرِ المجتهدِ استنباطُ الحكمِ مباشرةً دونَ الرجوع إلى عالمٍ مِن العلماءِ؛ لتوقفِ ذلك على معرفةِ الأدلةِ الأخرى ممَّا لها صلةٌ بمحلِّ الاستنباطِ.

يقولُ الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي بعدَ أنْ بيّنَ أنَّ متأخري الأصوليين على منعِ تدبّر القرآنِ وتفهمه: "الحق الذي لا شك فيه، أن كل مَنْ له قدرةٌ مِن المسلمين على التَّعلمِ والتَّفهمِ وإدراكِ معاني الكتاب والسنة: يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علمَ منهما.

(1)

الفروق (2/ 204).

(2)

انظر: رفع النقاب للشوشاوي (5/ 217)، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 384)، ورسالة في: الاجتهاد والتقليد لحمد المعمر (ص/ 88)، ونشر البنود (2/ 265)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 402)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 577).

(3)

انظر: الاجتهاد والتقليد لحمد المعمر (ص/ 84).

(4)

صفة الفتوى (ص/ 38).

ص: 1102

أمَّا العمل بهما مع الجهلِ بما يعملُ به منهما، فممنوعٌ اتفاقًا.

وأمَّا ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلمٍ صحيحٍ، فله أنْ يعملَ به، ولو آيةً واحدةً أو حديثًا واحدًا"

(1)

.

ولن يتحققَ العلمُ الصحيحُ إذا كان المقصودُ هو الاستنباط مِن الكتابِ والسنةِ إلا بمعرفةِ أصولِ الفقهِ.

• الأقوال في المسألة:

اختلفَ العلماءُ في عملِ المتمذهبِ فيما إذا خالف مذهبُه الدليلَ على أقوال، أشهرها:

القول الأول: يلزمُ المتمذهب الأخذ بالحديثِ النبوي.

وهذا ما صنعه البويطي

(2)

، والمزني

(3)

- صاحبا الإمامِ الشافعي - وأبو القاسم الداركي الشافعي

(4)

.

(1)

أضواء البيان (7/ 459).

(2)

انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 118)، وخطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ 112)، والمجموع شرح المهذب للنووي (1/ 64)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ 106).

(3)

انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص / 111 - 112).

(4)

انظر: فرائد الفوائد للسلمي (ص/ 106). وقد نقل عن أبي القاسم الداركي ما يفيد تركه للمذهب إذا خالف الحديث النبوي، وأخذه به: ابنُ خلكان في: وفيات الأعيان (3/ 189)، والذهبي في: سير أعلام النبلاء (16/ 405)، و (18/ 191).

وأبو القاسم الداركي هو: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز الداركي، أبو القاسم، ولد بعد سنة 300 هـ أحد أئمة المذهب الشافعي، درّس بنيسابور سنوات، ثم تحول إلى بغداد، وانتهى إليه التدريس بها، وانتفع به خلق كثير، كان ثقةً صدوقًا فقيهًا محصلًا، تفقه على أبي إسحاق المروزي، قال عنه أبو حامد الإسفراييني:"ما رأيتُ أفقه منه"، عُرف عنه الأخذ بالحديث إذا خالف مذهبه، توفي سنة 375 هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (12/ 236)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص / 112)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (2/ 361)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (2/ 263)، وسير أعلام النبلاء (16/ 404)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/ 330)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/31).

ص: 1103

وذَهَبَ إليه جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: أبو الحسين القدوري

(1)

، وابنُ حزمٍ

(2)

، وإلكيا الهراسي

(3)

، وابنُ بَرْهان

(4)

، وهو ظاهرُ صنعِ ابنِ رشدٍ

(5)

، واختاره: أبو شامةَ المقدسي

(6)

، وهو ظاهرُ قولِ العز بن عبد السلام

(7)

، وهو قولُ ابنِ دقيق العيد

(8)

، وتقيّ الدين بن تيمية

(9)

، وابنِ القيّمِ الجوزية

(10)

، وتقي الدّينِ السبكي

(11)

، وأبي عبد الله المقَّري

(12)

، وأبي سعيد العلائي

(13)

،

(1)

نسب القول بالأخذ بالحديث إلى القدوري: ابنُ أمير الحاج في: التقرير والتحبير (3/ 351)، وأمير باد شاه في: تيسير التحرير (4/ 255). وانظر: البحر المحيط (6/ 321).

(2)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام (6/ 104 وما بعدها).

(3)

انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 118)، والمجموع شرح المهذب للنووي (1/ 64)، والبحر المحيط (6/ 293)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص / 107).

(4)

انظر: الوصول إلى الأصول (2/ 358)، والبحر المحيط (6/ 293).

(5)

انظر: البيان والتحصيل (1/ 110).

(6)

انظر: خطبة الكتاب المؤمل (ص/ 112).

(7)

انظر: قواعد الأحكام (2/ 275).

(8)

انظر: السيف الصقيل لتقي الدين السبكي (ص/388).

(9)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20/ 213، 250)، والأخبار العلمية للبعلي (ص/ 483).

(10)

انظر: إعلام الموقعين (4/ 408)، ومدارج السالكين (2/ 384).

(11)

انظر: معنى قول الإمام المطلبي (ص/ 107)، والسيف المسلول (ص/ 388).

(12)

انظر: القواعد (2/ 396).

(13)

نسب القول بالأخذ بالحديث إلى أبي سعيد العلائي: ابنُ أمير الحاج في: التقرير والتحبير (3/ 351)، وأميرُ باد شاه في: تيسير التحرير (4/ 255). وانظر: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين للشنقيطي (ص/ 177).

وأبو سعيد العلائي هو: خليل بن الأمير كيكلدي بن عبد الله العلائي، صلاح الدين أبو سعيد، ولد بدمشق سنة 694 هـ كان حافظًا ثبتًا ثقة، عارفًا بأسماء الرجال والعلل والفنون، فقيهًا أصوليًا متكلمًا، نحويًا أديبًا شاعرًا، شافعي المذهب، أشعري المعتقد، تولى التدريس بدمشق وبالقدس، من مؤلفاته: إحكام العنوان لأحكام القرآن، والأحكام الكبرى، وتصحيح حديث القلتين، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة، وتحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، وتلقيح الفهوم في صيغ العموم، والمجموع المذهب في قواعد المذهب، توفي بالقدس سنة 761 هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 1507)، وطبقات الشافعية =

ص: 1104

وأبي إسحاقَ الشاطبي في كتابِه: (الاعتصام)

(1)

، وابنِ أبي العز الحنفي

(2)

، وصدرِ الدين السلمي

(3)

، ومحمد المعين السندي

(4)

، ومحمد حياة السندي

(5)

، والأمير الصنعاني

(6)

، والشيخ محمد بن عبد الوهاب

(7)

، والشيخ صالح الفلاني

(8)

، والشيخ حمد بن معمر

(9)

، والشيخ محمد الشوكاني

(10)

، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب

(11)

، والشيخ محمد صديق القنوجي

(12)

، وأبي محمد باب الشنقيطي

(13)

- إلا أنَّه عبَّر بأنَّ الأَوْلى هو الأخذ بالدليلِ

(14)

- والشيخ محمد الأمين الشنقيطي

(15)

، والشيخ محمد

= الكبرى لابن السبكي (10/ 35)، وطبقات الشافعية للإسنوي (2/ 239)، والدرر الكامنة لابن حجر (2/ 90)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ 256).

(1)

انظر: (3/ 316 - 317).

(2)

انظر: الاتباع (ص/ 30)، وإيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ 158) ط/ دار الفتح.

(3)

انظر: فرائد الفوائد (ص/ 112 - 113).

(4)

انظر: دراسات اللبيب (ص/ 28، 525).

(5)

انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ 118) ط/ دار الفتح.

(6)

انظر: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص/ 144 - 145).

(7)

انظر: الدرر السنية لابن قاسم (1/ 44).

(8)

انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ 163) ط/ دار الفتح.

(9)

انظر: رسالة في: الاجتهاد والتقليد (ص/ 58).

(10)

انظر: القول المفيد في حكم التقليد (ص/135).

(11)

انظر: الدرر السنية لابن قاسم (1/ 227).

(12)

انظر: الدين الخالص (4/ 112).

(13)

هو: باب بن محمد الخليفة بن المختار، أبو محمد الشنقيطي، ولد بشنقيط سنة 1277 هـ نشأ في بيئة علمية متدينة، واشتغل بالعلم على علماء بلده، وقد أجازوه في مدة يسيرة في جميع ما تعلم عليهم، كان إمامًا عالمًا جليلًا علامةً فقيهًا أصوليًا، ومحدثًا كبيرًا، سلفي العقيدة ومالكي المذهب، اشتهر بالعلم والتقوى والفضل والكرم، وكان كثير النصح لمخالفيه في العقيدة من الأشاعرة والصوفية، من مؤلفاته: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين، والذكر المشروع وغير المشروع، وتعليق على ألفية ابن مالك، ورسالة في سنية رفع اليدين والقبض في الصلاة، توفي سنة 1342 هـ. انظر ترجمته في: مقدمة تحقيق إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين (ص/ 68).

(14)

انظر: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين (ص/ 93 - 95).

(15)

انظر: أضواء البيان (7/ 517، 607).

ص: 1105

ناصر الدين الألباني

(1)

، ومحمد تقي العثماني

(2)

، والدكتور محمد البوطي

(3)

، ومحمد عوامة

(4)

.

وهذا القولُ قولُ جماعةٍ مِنْ علماءِ الشافعيةِ

(5)

، وقد نَسَبَ ابنُ الصلاحِ العملَ بالحديثِ النبوي وترك المذهب - سواءٌ أجعل مدلول الحديث مذهب إمامه، أم لا - إلى كثيرٍ مِنْ أئمةِ الشافعيةِ

(6)

.

ونَسَبَه محيي الدين النوويُّ إلى متقدمي الشافعيةِ

(7)

. ونَسَبَه أبو شامةَ المقدسي إلى "جماعةٍ مِنْ أهلِ العلمِ والتحقيقِ، والمصنفين على مذهبِ الشافعي رحمهم الله"

(8)

، وإلى العلماءِ المتمذهبين المتضلعين مِن الحديثِ النبوي: كأبي سليمانَ الخطابي، وأبي بكرٍ البيهقي، وابنِ عبد البر

(9)

.

وهو قولُ جماعةٍ مِنْ متأخري الحنابلةِ

(10)

.

ويُلحقُ بأرباب هذا القول المانعون مِن التمذهب ممَّنْ لم ينصَّ على حكمِ هذه المسألةِ بعَينِها.

يقولُ محمد المعين السندي: "إنَّ أَتْبَاع الأئمةِ الأربعةِ مِن المصنفين

(1)

انظر: مقالات الألباني (ص/ 40 - 42)، تحت مقالة بعنوان: دعوة إلى السنة.

(2)

انظر: أصول الإفتاء (ص/ 470) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.

(3)

انظر: اللامذهبية (ص/ 86).

(4)

انظر: أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة (ص/ 113). وقد نصَّ محمد عوامة في: كتابه السابق (ص/ 115) على أن الناظر في المسألة إن كان غير أهل ولا متحلٍ بالإنصاف - كما هو حال هؤلاء المتطاولين المتعالمين المنتهكين لحرمات السلف بزعم الانتساب إليهم، وإنما هو الشرود والمروق والجدال والمراء -: فإنه ينكر عليه الأخذ بالراجح، أو بالحديث.

وكان بإمكانه بيان الحكم دون التنابز بالألقاب، ومهاجمة مخالفيه.

(5)

انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ 84 - 99).

(6)

انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 118).

(7)

انظر: المجموع شرح المهذب (1/ 64).

(8)

خطبة الكتاب المؤمل (ص/ 112).

(9)

انظر: المصدر السابق، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ 107).

(10)

انظر: الدرر السنية لابن قاسم (4/ 14، 38).

ص: 1106

المتأخرين اتفقتْ كلمتُهم على أنَّ روايةَ المذاهبِ مِنْ إمامِهم إذا خالفتْ حديثًا صحيحًا يقولون قاطبةً: إن هذا الحديثَ حجةٌ عليه، وهذا لا يخفى في مواضع كثيرةٍ مِنْ كتبِ المذاهبِ الأربعةِ على مَنْ طالعها"

(1)

.

ولعله يقصدُ العلماءَ المحققين مِن أربابِ المذاهبِ الأربعةِ.

ويظهرُ لي أنَّ أغلبَ مَنْ ذَهَبَ إلى هذا القولِ - ولا سيما ممَّنْ يرى جوازَ التمذهبِ - يرون اتّباعَ الحديثِ إنْ قالَ بمدلولِه إمامٌ مجتهدٌ، وقد أشارَ بعضهم إلى هذا الأمرِ في أدلتِهم، كما ستأتي بعد قليلٍ.

القول الثاني: يأخذُ المتمذهبُ بقولِ إمامِه، ويترك الحديثَ النبوي.

أشارَ ابنُ حزمٍ إلى هذا القولِ، دونَ نسبتِه إلى أحدٍ بعينه - واقتصرَ على وصفِهم بـ:"بعضِ مَنْ قوي جهلُه، وضعف عقلُه، ورقَّ دينُه"

(2)

.

وظاهرُ قولِ أبي الحسنِ الكرخي: "الأصلُ: أنَّ كلَّ آيةٍ تخالفُ قولَ أصحابِنا، فإنَّها تحملُ على: النسخِ، أو على الترجيحِ، والأَوْلَى أنْ تُحمل على التأويلِ

الأصل: أن كلَّ خبرٍ يجيء بخلافِ قولِ أصحابِنا، فإنَّه يُحملُ على: النسخِ، أو على أنَّه معارضٌ بمثلِه، ثم صار

(3)

إلى دليل آخر، أو ترجيحٍ فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح

"

(4)

: موافقتُه لأصحابِ هذا القولِ.

وصنيعُ بعضِ المالكيةِ موافقٌ لهذا القولِ

(5)

.

(1)

دراسات اللبيب (ص/ 103).

(2)

الإحكام في أصول الأحكام (6/ 104).

(3)

لعل الصواب: "يصار"؛ إذ هو المناسب للسياق.

(4)

أصول الكرخي (ص/ 84) مطبوعة مع تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي. وانظر في تفسير كلام الكرخي: تعليل الأحكام للدكتور ضد شلبي (ص/ 340)، ونظرية التقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي (ص/ 218 - 220).

(5)

انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (1/ 310 وما بعدها).

ص: 1107

واختارَ أشرف علي التهانوي

(1)

القولَ الثاني إنْ كانَ سيترتب على العملِ بالراجحِ فتنة، أو وقوعُ العامةِ في التشويشِ، أو تفريق الكلمةِ بين المسلمين

(2)

.

وذَهَبَ إلى القولِ الثاني بعضُ المتأخرين

(3)

.

وقد نَسَبَ شاه ولي الله الدهلويُّ (ت: 1167 هـ) - كما نقله عنه محمد المعين السندي

(4)

- إلى بعضِ فقهاءِ عصرِه القولَ بالأخذِ بالمذهبِ، ومنع العملِ بالحديثِ، وقد بيَّنَ أنَّه لم يسمعْ بهذا القولِ ممَّنْ هم في طبقةِ مشايخِه.

وظاهرُ قولِ ابنِ رجب في رسالتِه: (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة)

(5)

اختيارُ القول الثاني إذا كان إمامُ المذهبِ محيطًا بالسنةِ.

لكن الذي يترجّحُ عندي أنَّ ابنَ رجب قَصَدَ بكلامِه المبتدئَ في طلبِ

(1)

هو: أشرف علي بن عبد الحق التهانوي، ولد بتهانه سنة 1280 هـ قرأ مختصرات الفقه على علماء بلده الحنفيين، ودَرَس المنطق والحكمة وأصول الفقه وبعض الحديث، ثم سافر إلى الحج، أخذ عن بعض الأحناف الطريقه الصوفية، ورجع إلى الهند، ودرّس مدة طويلة في مدرسة جامع العلوم، تنقل بين عدة مدن، وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين، من مؤلفاته: أنوار الوجود في أطوار الشهود، والتجلي العظيم في أحسن تقويم، وبيان القرآن، وجامع الآثار، توفي سنة 1363 هـ. انظر ترجمته في: نزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (8/ 1187)، ومقدمة إعلاء السنن لظفر التهانوي (1/ 9)، وأشرف علي التهانوي لمحمد الندوي (ص/21).

(2)

نقل محمد العثماني قولَ التهانوي في: أصول الإفتاء (ص/ 472) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.

(3)

انظر: مجلة المنار (1/ 832) فقد جاء فيها عن بعض شيوخ الأزهر قوله: "مَنْ تركَ كلامَ فقهاء مذهبه؛ للأخذ بحديث مخالف فهو زنديق"! !

وجاء في: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) لأبي المعالي الألوسي (1/ 98): "وقد سمعت من بعض قضاة الأتراك أنَّه قال: إذا رأيتُ نصًّا في: (منية المصلي)، ورأيتُ حديثًا في صحيح الإمام البخاري يخالف ذلك النصَّ، آخذ بما في: (المنية)، وأترك الحديث الصحيح، ولا أعمل به".

(4)

انظر: دراسات اللبيب (ص/ 7).

(5)

انظر: (ص/ 44 - 45).

ص: 1108

العلمِ، أو الذي لم يبلغْ في العلمِ شأوًا كبيرًا، بدليلِ: صنيعه في كتبِه؛ فهو صنيعُ مَنْ يتَّبع الدليلَ.

وإذا صحَّ ما رجّحتُه آنفًا عن ابنِ رجبٍ، فإنَّه يشترطُ للعملِ بالحديثِ أنْ لا يتفقَ السلفُ على تركِ العملِ به

(1)

، ويتفق بذلك قول ابن رجبٍ مع قولِ شمسِ الدّينِ الذهبي الآتي في أربابِ القولِ الثالثِ.

ولبدرِ الدين للزركشي تفصيلٌ طويلٌ في المسألةِ، يؤولُ فما ظَهَرَ لي إلى حالتين:

الحالة الأولى: إنْ نظرَ المتمذهبُ المتمكنُ مِن النظرِ في المسألةِ، وجمعَ الأقوالَ وأدلتها.

فهذا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه، والأَوْلى له تقليدُ العالمِ الذي أَخَذَ بالحديثِ، إذا لم يعلم اطلاعَ إمامِه على الحديثِ وتركه له؛ لعلَّةٍ، أو وجودِ ما هو أقوى منه

(2)

.

الحالة الثانية: أنْ لا يجمعَ المتمذهبُ الأقوالَ وأدلتها، لكنَّه يقفُ على حديثٍ صحيحٍ مخالفٍ لقولِ إمامِه، مع جوازِ أنْ يكونَ لإمامِه حجةٌ تسوغُ معها المخالفةَ.

فالأَوْلى له تتبع المآخذ

(3)

، فإذا لم يتبينْ له ما يخالفُ الحديث مِنْ أدلةِ القرآنِ والسنةِ، فالأخذُ بالحديثِ أَوْلى؛ تقليدًا لمَنْ عملَ به، ويجوزُ بقاءُ المتمذهبِ على مذهبِ إمامِه

(4)

.

وقد يُلحقُ بأرباب القولِ الثاني القائلون باتباعِ الحديث إنْ خالفَ قولَ الإمامِ، لكنهم يشترطون شروطًا يكون مؤداها إلى صعوبةِ الأخذِ بالحديثِ؛

(1)

انظر: فضل علم السلف (ص/57).

(2)

انظر: البحر المحيط (6/ 295).

(3)

لعل الزركشي يقصد بتتبع المآخذ: تتبع أدلة المسألة.

(4)

انظر: البحر المحيط (6/ 295 - 296).

ص: 1109

للاحتمالاتِ الكثيرةِ المتعلقةِ بسندِ الحديثِ ومتنِه

(1)

، إلا أنْ يكونَ قصدُهم بيانَ صعوبةِ هذا المرتقى؛ فليس كلّ أحدٍ أهلًا له.

القول الثالث: التفصيلُ في المسألةِ: فإنْ كملتْ للمتمذهب آلةُ الاجتهادِ في مذهبِ إمامِه، أو في ذلك الفرعِ، أو في تلك المسألةِ. فله العملُ بالحديثِ.

وإنْ لم تكمل له آلةُ النظرِ، ووَجَدَ في قلبِه حزازةً مِنْ مخالفةِ الحديثِ بعد البحثِ، ولم يجدْ عن الحديثِ جوابًا شافيًا، نَظَرَ: فإنْ عملَ بالحديثِ مجتهدٌ، فله الأخذُ بالحديثِ، وتركُ قولِ إمامِه.

وإنْ لم يعملْ بالحديثِ أحدٌ من المجتهدين، فليسَ له العملُ به.

ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ: ابنُ الصلاحِ

(2)

، ومحيي الدّين النوويُّ - إذ نَقَلَ تفصيلَ ابن الصلاحِ، ثمَّ قال بعده:"هذا الذي قاله حسنٌ متعيّنٌ"

(3)

- وابنُ حمدان

(4)

، وابنُ بدران

(5)

.

وقد نَقَلَ كلامَ ابن الصلاح تقيُّ الدين بنُ تيمية في: (المسودة)

(6)

، وشاه ولي الله الدهلويُّ

(7)

، ولم يتعقباه.

(1)

انظر على سبيل المثال: لزوم اتباع مذاهب الأئمة لمحمد الحامد (ص/ 34 - 40)، والاجتهاد والمجتهدون (كلمة بقلم: عبد الله خير الله)، (ص/ 83).

(2)

انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 121). ولم ينصَّ ابنُ الصلاح على حكم الحالة الأخيرة - وإن لم يعمل بالحديث أحد - بل سكتْ عنها، لكن المفهوم من السياق هو ما أثبته؛ وإلا لم يكن بين هذه الحالة والتي قبلها فرق.

انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/107).

(3)

المجموع شرح المهذب (1/ 64).

(4)

انظر: صفة الفتوى (ص/38). ولم ينصَّ ابنُ حمدان على حكم الحالة الأخيرة - وإن لم يعمل بالحديث أحد - لكنَّ المفهوم من السياق هو ما أثبته؛ وإلا لم يكن بين هذه الحالة والتي قبلها فرق.

(5)

انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ 140)، فقد نقل كلام ابن حمدان.

(6)

انظر: (2/ 951 - 952).

(7)

انظر: حجة الله البالغة (1/ 485).

ص: 1110

وقريبٌ مِنْ هذا القول ما اختاره شمسُ الدّينِ الذهبي، إذ قررَ اتباعَ الحديثِ إذا خالفَ المذهبَ بالشروطِ الآتية:

الشرط الأول: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ مجتهدٌ مِنْ نظراءِ الأئمةِ الأربعةِ، كسفيان والأوزاعي.

الشرط الثاني: أن يكونَ الحديثُ ثابتًا سالمًا مِن العلةِ.

الشرط الثالث: أنْ لا تكونَ حجةُ إمامِ المذهب حديثًا صحيحًا معارضًا للآخرِ

(1)

.

وبناءً عليه، لا يجوزُ أخذُ حديثٍ صحيحٍ تنكّبه سائرُ أئمةِ الاجتهادِ، وقد مثَّلَ شمسُ الدّينِ الذهبيُّ بحديثِ:(فإنْ شرب في الرابعةِ، فاقتلوه)

(2)

،

(1)

انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 405).

(2)

جاء الحديث عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، وممن ورد عنهم:

أولًا: حديث معاوية رضي الله عنه، ولفظه:(من شرب الخمرَ فاجلدوه، فإنْ عاد في الرابعة فاقتلوه)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الحدود، باب: إذا تتابع في شرب الخمر (ص/ 670)، برقم (4482)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه (ص/ 342)، برقم (1444)، وقال:"وفي الباب عن أبي هريرة، والشَّريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو"، ثم بيّن أنَّ العملَ على عدم قتل الشارب في المرة الرابعة عند عامة أهل العلم، لا يعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث. والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: الحد في الخمر، باب: الحكم فيمن يتتابع في شرب الخمر (5/ 141)، برقم (5278 - 5279)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الحدود، باب: من شرب الخمر مرارًا (ص/ 438)، برقم (2573)؛ وعبد الرزاق في: المصنف، باب: حد الخمر (7/ 380)، برقم (13550)، وفي: كتاب: الأشربة، باب: من حُدَّ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (9/ 247)، برقم (17087)؛ وأحمد في: المسند (28/ 60)، برقم (16847)؛ وأبو يعلى في: المسند (13/ 349)، برقم (7363)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الحدود، باب: من سكر أربع مرات ما حده؟ (3/ 159)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: حد الشرب (10/ 295)، برقم (4446)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (19/ 360)، برقم (843 - 846)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الحدود (4/ 457)، برقم (8117)، وسكت عنه الحاكم، وصححه الذهبي؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الأشربة والحد فيها، باب: من أقيم عليه الحد أربع مرات، ثم عاد له (8/ 313). =

ص: 1111

وحديثِ: (لعن الله السارقَ، يسرقُ البيضةَ، فتُقْطَع يدُه)

(1)

.

• أدلة الأقوال:

أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:

الدليل الأول: الآياتُ المحذِّرةُ مِنْ اتِّباعِ الآباءِ والكبراءِ عند ظهورِ

= ونقل الترمذي في: جامعه (ص/ 342) تصحيح البخاري لحديث معاوية رضي الله عنه.

وصحح الحديثَ - أيضًا - أحمدُ شاكر في: تعليقه على مسند أحمد (9/ 40) - وانتصر للقول بقتل الشارب في المرة الرابعة - والألبانيُّ في تعليقه على السنن في المواضع السابقة.

ثانيًا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه:(إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الحدود، باب: إذا تتابع في شرب الخمر (ص/ 670)، برقم (4484)، واللفظ له؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: الحد في الخمر، باب: الحكم فيمن يتتابع في شرب الخمر (5/ 141)، برقم (5277)؛ وفي: المجتبى، كتاب: الأشربة، باب: ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر (ص/ 849)، برقم (5662)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الحدود، باب: من شرب الخمر مرارًا (ص/ 438)، برقم (2572)؛ والطيالسي في: المسند (4/ 98)، برقم (2458)؛ وعبد الرزاق في: المصنف، باب: حد الخمر (7/ 380)، برقم (13549)؛ وأحمد في: المسند (13/ 183)، برقم (7762)؛ والدارمي في: السنن، كتاب: الأشربة، باب: العقوبة في شرب الخمر (2/ 1336)، برقم (2151)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الحدود، باب: من سكر أربع مرات ما حده؟ (3/ 159)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: حد الشرب (10/ 297)، برقم (4447)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الحدود (4/ 457)، برقم (8115)، وقال:"هذا الإسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الأشربة والحد فيها، باب: من أقيم عليه الحد أربع مرات، ثم عاد له (8/ 313).

وصحح الحديثَ الألبانيُّ في: تعليقه على السنن في المواضع السابقة.

وللحديث شواهد منها: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وحديث جابر رضي الله عنه، وغيرهم، انظر تخريجها في: فتح الباري لابن حجر (12/ 78 - 80)، ونصب الراية للزيلعي (3/ 346 - 349)، وتحقيق مسند أحمد لأحمد شاكر (9/ 40 - 90).

(1)

أخرج الحديث: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: لعن السارق إذا لم يسم (ص / 1294)، برقم (6783)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها (2/ 805)، برقم (1687)، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 1112

مخالفتِهم لشرعِ الله تعالى، ومِن الآياتِ الواردةِ في هذا: قولُ الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}

(1)

، وقولُ الله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}

(2)

، وقول الله تعالى:{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}

(3)

.

ووجه الدلالة: أنَّ هذه الآياتِ نصٌّ في التحذيرِ ممَّنْ يُقدِّمُ رأيَ أحدٍ على حكمِ الله تعالى، يقولُ ابنُ حزمٍ:"هذا نصُّ ما فَعَلَ خصومُنا بلا تأويلٍ ولا تدبّرٍ، بلْ تُعْرَضُ عليهم الآيةُ والحديثُ الصحيحُ - الذي يقرون بصحتِه - وكلاهما مخالفٌ لمذاهب لهم فاسدةٌ، فيأبون مِنْ قبولِها لا نفارقُ ما وجدنا عليه آباءنا وكبراءنا، فقد أجابهم الله تعالى جوابًا كافيًا"

(4)

.

ويقولُ تقيُّ الدّين بنُ تيميةَ: "أكثرُ الناسِ إنَّما التزموا المذاهبَ - بل الأديان - بحُكْمِ ما تبيّنَ لهم، فإنَّ الإنسانَ على دينِ أبيه

كما يتبع الطفلُ في الدّينِ أبويه

ثمَّ إذا بَلَغَ الرجلُ فعليه أنْ يقصدَ طاعةَ الله ورسولِه حيثُ كانتْ، ولا يكون ممَّنْ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}

(5)

، فكلّ مَنْ عَدَلَ عن اتِّباعِ الكتابِ والسنةِ، وطاعة الله والرسولِ إلى عادتِه وعادةِ أبيه وقومِه، فهو مِنْ أهلِ الجاهليةِ

وكذلك مَنْ تبيَّنَ له في مسألةٍ من المسائل الحقُّ الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه، ثم عَدَلَ عنه إلى عادتِه، فهو مِنْ أهلِ الذمِّ"

(6)

.

فالعملُ بالآيةِ والحديثِ أسلمُ مِنْ تركِهما والأخذ بقولِ مَنْ ليس معصومًا

(7)

.

(1)

الآية (170) من سورة البقرة.

(2)

الآية (104) من سورة المائدة.

(3)

من الآية (28) من سورة الأعراف.

(4)

الإحكام في أصول الأحكام (6/ 125).

(5)

من الآية (170) من سورة البقرة.

(6)

مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20/ 224 - 225).

(7)

انظر: فرائد الفوائد للسلمي (ص/ 112).

ص: 1113

الدليل الثاني: إجماعُ أهلِ العلمِ على أنَّ مَنْ ثبتتْ عنده سنةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوزُ له تركُها، حكاه الإمامُ الشافعي، فقالَ:"أجمعَ المسلمون على أنَّ مَنْ استبانتْ له سنةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لم يحلَّ له أنْ يدعها لقولِ أحدٍ"

(1)

.

الدليل الثالث: أنَّ عددًا مِن الأئمةِ أمروا غيرَهم عند مخالفةِ أقوالهم لحديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالأخذِ بالحديثِ، وتركِ أقوالهم، وقد تقدّمَ ذكرُ بعضِ أقوالهم في مسألةِ:(نسبة القول إلى إمام المذهب بناءً على ثبوتِ الحديثِ)، ومِنْ ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: "إذا وجدتم عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم سنةً خلاف قولي، فخذوا السنةَ، ودعوا قولي، فإنِّي أقولُ بها"

(2)

.

ويقولُ الإمامُ الشافعي للربيعِ: "قد أعطيتُك جملةً تغنيك إنْ شاءَ لله: لا تدع لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم حديثًا أبدًا، إلا أنْ يأتي عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم خلافه، فتفعل فيه ما قلتُ لك في الأحاديثِ إذا اختلفتْ"

(3)

.

فإذا كنتم تتبعون إمامَكم فيما يقولُ، فاتبعوه حين أَمَرَ بتركِ قولِه، والأخذِ بالحديثِ النبوي

(4)

.

يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "أمَّا الذين يُظْهِرُون التعصبَ لأقوالِ الشافعي كيفما كانتْ، وإنْ جاءَتْ سنةٌ بخلافِها، فليسوا متعصبين له في الحقيقةِ؛ لأنَّهم لم يمتثلوا ما أَمَرَ به إمامُهم، بلْ دَأَبُهم وديدنهم إذا أُوْرِدَ عليهم حديثٌ صحيحٌ - وهو مذهبُ إمامِهم لو وَقَفَ عليه لقالَ به - أنْ يحتالوا في دفعِه بما لا ينفعهم

"

(5)

.

(1)

نقل كلامَ الإمام الشافعي مستدلًا به: ابنُ القيم في: مدارج السالكين (2/ 384 - 385)، وابنُ أبي العز الحنفي في: الاتباع (ص/ 24). وانظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ 130).

(2)

تقدم تخريجه في الفرع الثامن: (ثبوت الحديث).

(3)

الأم (8/ 535).

(4)

انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ 112)، وإعلام الموقعين (5/ 247)، ودراسات اللبيب لمحمد معين (ص/ 109).

(5)

خطبة الكتاب المؤمل (ص/ 130 - 131).

ص: 1114

ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "إنَّ كلَّ عالمٍ يُصرِّحُ - أو يعرِّض - بأنَّ اتِّباعه إنَّما يكون على شرطِ أنَّه حاكمٌ بالشريعةِ، لا بغيرِها، فإذا ظَهَرَ أنَّه حاكمٌ بغيرِ الشريعة خَرَجَ عن شرطِ متبوعِه، فلم يكن تابعًا له! فتأمَّلوا كيفَ يخرجُ عن تقليدِ متبوعِه بالتصميمِ على تقليدِه؟ ! "

(1)

.

ويقولُ الإمامُ الشوكاني: "تقرّرَ إجماعُ أئمةِ المذاهبِ الأربعةِ على تقديمِ النصِّ على آرائِهم"

(2)

.

مناقشة الدليل الثالث: إنَّ كلامَ الأئمةِ موجَّه إلى مَنْ بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ لتمكّنِهم مِن استباطِ الحكمِ مِن دليلِه

(3)

.

الجواب عن المناقشة: ليسَ ممَّا يقتضيه عملُ السلفِ الصالحِ اشتراطُ رتبةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، والتوقف عن العملِ بالحديثِ حتى يصل الناطرُ إلى أقصى غايةٍ في الاجتهادِ، بلْ كلُّ مَنْ كان مِنْ أهلِ العلمِ، فهو مطالبٌ بحسبِ ما تصلُ إليه قدرتُه مِن العلمِ

(4)

.

الدليل الرابع: لا شكَّ في أنَّ الواجبَ العملُ بالدليلِ الشرعي، واتّباعُ سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يعملْ إمامُ المذهب بالحديثِ؛ لعذرٍ مِن الأعذارِ، فإنَّ وجوبَ العملِ به لا يرتفعُ عن أصحابِهَ إذا ظفروا به، فهم غيرُ معذورين في تركِه

(5)

، ولا سيما أنَّ تطرّقَ الخطأِ إلى آراء العلماءِ أكثر مِنْ تطرّقِه إلى الأدلةِ الشرعيةِ

(6)

.

(1)

الاعتصام (3/ 317).

(2)

القول المفيد في حكم التقليد (ص/ 135).

(3)

انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ 150)، ومعنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ 136).

(4)

انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ 120 - 121).

(5)

انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص / 124 - 125)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 214، 223)، وإعلام الموقعين (4/ 408)، و (5/ 247)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ 112)، والتقرير والتحبير (3/ 351)، وتيسير التحرير (4/ 255)، ودراسات اللبيب لمحمد معين (ص/ 90).

(6)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 250).

ص: 1115

يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيمية: "مَنْ تَرَكَ الحديثَ؛ لاعتقادِه أنَّه لم يصحَّ، أو أنَّ راويه مجهولٌ - ونحو ذلك - ويكون غيرُه قد عَلِمَ صحتَه وثقةَ راويه: فقد زَالَ عذرُ ذلك في حقِّ هذا"

(1)

.

الدليل الخامس: إذا جوّزَ المانعون مِن العملِ بالحديثِ النبوي المخالفِ لقولِ إمامِهم مخالفةَ نصِّ إمامِهم في مسألةٍ؛ لنصٍّ له آخر نُقِلَ عنه في المسألةِ نفسِها عَسُرَ عليهم التفريقُ بينهما: فمِنْ بابٍ أولى أنْ يخالفوا نصَّه؛ لمخالفتِه حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم

(2)

.

الدليل السادس: إذا جوّزتم لإمامِ مذهبِكم أنْ يخالفَ غيرَه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، فيلزمكم أنْ تجوّزوا مخالفةَ قولِ إمامِكم إذا ظَهَرَ لكم رجحانُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ؛ لموافقتِهم الدليل

(3)

.

مناقشة الدليل السادس: لا يلزمُ مِنْ تجويزِ مخالفةِ إمامِ المذهب لغيرِه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، أنْ نخالفَه إذا اطّلعنا على دليلٍ على خلافِ قولِه؛ لأنَّه مجتهدٌ كاملُ الآلةِ، ونحن نَظَرُنَا قاصرٌ، فحَصَلَ الفرقُ بين الحالتين

(4)

.

الجواب عن المناقشة: إذا عملتم بالقولِ الذي دلَّ عليه الدليلُ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، وقد عَمِلَ به إمامٌ مِنْ أئمةِ المذاهب المتبوعةِ، فقد وافقتم اجتهادَ عالمٍ كاملِ الآلة، فيتحقق لكم اتّباعُ الدليلِ، وموافقةُ عالمٍ

(5)

.

الدليل السابع: إذا وَجَدَ المتمذهبُ دليلًا نقليًا مِنْ كتابٍ أو سنةٍ يدلُّ على خلافِ قولِ إمامِه، فيتعيَّن عليه الأخذُ بالدليلِ؛ لأنَّ موافقةَ المتمذهبِ لإمامٍ تقاوم إمامَ مذهبِه، وتبقى النصوصُ الشرعيةُ سالمةً في حقِّه عن

(1)

المصدر السابق (20/ 214).

(2)

انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ 132).

(3)

انظر: المصدر السابق (ص/ 144).

(4)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 213).

(5)

انظر: المصدر السابق.

ص: 1116

المعارضِ إذا عملَ بها

(1)

.

الدليل الثامن: يلزمُ مِنْ الأخذِ بقولِ إمامِ المذهبِ، وتركِ الدليلِ النقلي الإعراضُ عن الكتابِ والسنةِ، وتركُ أَمْرِ الله تعالى وأَمْرِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، ويكون إمامُ المذهب كالنبي لأتباعِه، وفي هذا مشابهةٌ لما عابَ الله تعالى به النصارى في قولَه تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}

(2)

.

الدليل التاسع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهب دليلًا مِن الكتابِ أو السنةِ، فالمقدَّمُ هو الدليل؛ لأنَّ الأدلةَ هي الحجةُ التي يجبُ الأخذُ بها، بخلافِ رأي إمامِ المذهبِ، فليسَ بحجّةٍ شرعيةٍ

(3)

.

الدليل العاشر: إذا قررتُم أيَّها المانعون مِن العملِ بالحديثِ العذرَ للمتمذهبِ حينَ يتركُ الحديثَ النبويَّ؛ لقولِ إمام مذهبِه، فأولى بالعذرِ مَنْ تَرَكَ قولَ إمامِ مذهبِه؛ لمخالفتِه للحديثِ النبوي

(4)

.

الدليل الحادي عشر: إذا ساغَ للمتمذهبِ الأخذُ بقولِ إمامِه الذي رَجَعَ عنه - كما هو موجودٌ لدى كثيرٍ مِن المتمذهبين

(5)

فما المانعُ مِنْ أخذِ المتمذهبِ بقولِ غيرِ إمامِه، إنْ ظَهَرَتْ له موافقتُه للدليلِ؟ !

(6)

.

مناقشة الدليل الحادي عشر: هناك فرقٌ بين الحالتين - الحالة الأولى: أخذُ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه، والحالة الثانية: أخذُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ - من جهةْ أنَّ المتمذهبَ في الحالةِ الأُوْلى قد أَخَذ بقولٍ كان مذهبًا

(1)

انظر: المصدر السابق (20/ 212 - 213).

(2)

من الآية (31) من سورة (التوبة). وانظر الدليل في: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 216).

(3)

انظر: المصدر السابق (20/ 250).

(4)

انظر: مدارج السالكين (2/ 385).

(5)

انظر: إعلام الموقعين (6/ 168)، فقد ذكر طرفًا من المسائل التي أخذ المتمذهبون فيها بقول إمامهم الذي رجع عنه.

(6)

انظر: المصدر السابق.

ص: 1117

لإمامِه مرةً، بخلافِ الحالةِ الثانيةِ، فإمامُ المذهبِ لم يقلْ بالقولِ أصلًا

(1)

.

الجواب عن المناقشة: أجابَ ابنُ القيّمِ عن المناقشةِ، فقالَ:"هذا فرقٌ عديمُ التأثيرِ؛ إذ ما قالَ به، وصرَّحَ بالرجوعِ عنه بمنزلةِ ما لم يقلْه"

(2)

.

الدليل الثاني عشر: أنَّنا نُوْجِبُ العملَ بالحديثِ النبوي إذا ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم دونَ تفصيلٍ؛ إذ لا نعلم أحدًا مِنْ أئمةِ المسلمين البتة قال: لا نعملُ بحديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حتى نعرفَ مَنْ عملَ به، فإنْ جَهِلَ مَنْ بلغه الحديثُ مَنْ عملَ به، لم يحلَّ له أنْ يعملَ به

(3)

.

ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما ذُكِرَ في الدليلِ مِن عدمِ الالتفاتِ إلى أحدٍ إذا ثبتتْ سنةُ النبي صلى الله عليه وسلم هو مِنْ شأنِ المجتهدِ المطلقِ، أمَّا من عداه، فليس له ذلك؛ إذ قد يعملُ بحديثٍ ظاهره الصحة، لكنْ له علةٌ خفيتْ عليه - ولم تخف على مَنْ قبله؛ إذ لم يعملوا بالحديثِ - فيقع في مخالفةِ السلفِ.

الدليل الثالث عشر: إذا فَرَضَ المسلمُ نفسَه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سمعَ حديثَه، فهلْ يسعه التأخر عن العملِ بما سَمِعَ؟ !

(4)

، فكذا الحال إذا نُقِلَ إليه حديثُه صلى الله عليه وسلم.

ويمكن أنْ يناقش الدليل الثالث عشر من وجهين:

الوجه الأول: أنَّ قولَ تقيِّ الدين السبكي - وهو المستدلُّ بالدليلِ -: "ليفرض المسلم نفسه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سمع حديثه

"

(5)

، مدفوعٌ بأنَّ تركَ العلماءِ للعملِ بالحديثِ قادحٌ في صحتِه، أو دالٌّ على نسخِه.

الوجه الثاني: لا تستوي حالة مَنْ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً، وحالة

(1)

انظر: المصدر السابق (6/ 169).

(2)

المصدر السابق.

(3)

انظر: المصدر السابق (6/ 180).

(4)

انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ 107).

(5)

انظر: المصدر السابق.

ص: 1118

مَنْ نُقلَ إليه الحديثُ؛ وذلك لتطرّقِ احتمالِ غلطِ الراوي وخطئِه إلى الحالةِ الثانيةِ، دونَ الأُولى.

الدليل الرابع عشر: إذا خالفَ إمامُ المذهبِ الحديثَ النبوي، فإنَّنا نأخذُ بالحديثِ النبوي؛ لأنَّ ما دلَّ عليه الحديثُ هو مذهبُ إمامنا في هذه الحالةِ، فلم نخرجْ عن التزامِ مذهبِه

(1)

.

أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:

الدليل الأول: إذا اختلفَ العلماءُ في مسألةٍ ما على قولين، وكان قولُ إمامِنا مخالفًا للدليلِ الذي مع القولِ الآخر - سواءٌ أكان آيةً أم حديثًا - فإنَّنا نأخذُ بقولِ إمامِنا مع مخالفتِه للدليلِ؛ لأنَّنا مأمورون بتوقيرِ العلماءِ، ونعلم أنَّ العالمَ لو تعمَّدَ مخالفةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، لكانَ مرتكبًا لكبيرةٍ مِن الكبائرِ، وفي براءتِه مِن ارتكابِ الكبيرةِ ما يُوجبُ أنَّه كان عنده علمٌ يُوجبُ له ترك الحديثِ، ورفع حكمِ الآيةِ، لم يكنْ عند العالمِ الذي قالَ بموافقةِ الدليلِ، وبهذا نكون قد قمنا بتوقيرِ كلا العالمين

(2)

.

مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من أربعة أوجه:

الوجه الأول: يلزمُ مِنْ دليلِكم لازمٌ باطلٌ لا يقولُ به أحدٌ؛ إذ يلزمُ منه أنْ يأخذَ المتمذهبُ بالأقوالِ التي خالفَ أصحابُها الدليلَ؛ ليوقرَ كلا العالمين، فيقول بمنعِ الجنبِ مِن التيممِ في السفرِ؛ تقليدًا لعمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه

(3)

، وبسقوطِ الكفارةِ عن الواطئِ زوجته في نهارِ رمضان؛

(1)

انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (2/ 358)، والبحر المحيط (6/ 293)، وظاهر ما ذكره الزركشيُّ أنَّ إلكيا الهراسي وابن برهان قد استدلا بهذا الدليل.

(2)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 104).

(3)

جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يدل على منع الجنب من التيمم في السفر؛ إذ جاءه رجلٌ، فقال: إني أجنبت، فلم أجد الماء؟ =

ص: 1119

تقليدًا لإبراهيمَ النخعي

(1)

، بلْ عليه أنْ يتعمدَ الأخذَ بكلِّ قولٍ خالفَ صاحبُه حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يفعلُه مسلمٌ

(2)

.

الوجه الثاني: يقتضي دليلُكم أنْ يتركَ المتمذهبُ مذهبَه فيما إذا وافقَ إمامُه الدليلَ فيه، وخالفه غيرُه مِن العلماءِ، وأنتم لا تصنعون ذلك

(3)

.

الوجه الثالث: يلزم مِنْ دليلِكم استحقاقُ إمامِ مذهبِكم لسخطِ الله تعالى؛ لأنَّ إمامَكم في ضوءِ ما قلتُم كاتمٌ لعلمٍ عنده عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ويقول تبارك وتعالى متوعِّدًا مَنْ كَتَمَ علمًا:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا}

(4)

.

الوجه الرابع: القولُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد اطَّلعَ على الدليلِ، وخالفَه؛ لأمرٍ يقتضي المخالفةِ، قولٌ غيرُ دقيقٍ؛ فقد يكون واقعُ الأمرِ أن إمامَ المذهب لم يطَّلعْ على الحديثِ أصلًا، أو بَلَغَه فنسيه، أولم ينسه، لكنَّه لم يخَطرْ على بالِه، أو تأوّله بتأويلٍ - من تخصيصٍ أو نسخٍ - لا يصحّ وجهُه

(5)

، ونحو ذلك مِن الأعذارِ التي تُخرج العالم عن

= فقال عمر: (لا تصل)

الأثرَ، وفي رواية:(أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما (ص/ 87)، برقم (338)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحيض، باب: التيمم (1/ 173)، برقم (368) بسياق أطول.

وأخرج: ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الطهارة، باب: من قال: لا يتيمم حتى يجد الماء (2/ 183)، برقم (1679)، وابن حزم في: المحلى (2/ 195 - 196) عن عمر رضي الله عنه أنه قال في الجنب: (لا يتيمم الجنب وإن لم يجد الماء شهرًا).

(1)

أخرج قول إبراهيم النخعي: ابنُ حزم في: المحلى (6/ 276) بإسنادٍ وصفه بأنه أصح إسناد.

وانظر قول إبراهيم في: حلية العلماء للقفال (3/ 200)، والمغني لابن قدامة (4/ 372).

(2)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 104).

(3)

انظر: المصدر السابق.

(4)

الآية (159)، ومن الآية (160) من سورة البقرة.

(5)

للأمثلة على هذه الأعذار، انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 104 - 105)، ورفع الملام لابن تيمية (ص/ 7 وما بعدها).

ص: 1120

ارتكابِ الكبيرةِ

(1)

.

الدليل الثاني: يقولُ إبراهيمُ النخعي عن الصحابةِ رضي الله عنهم: (لو رأيتهم يتوضؤون إلى الكوعين ما تجاورتهما، وأنا أقرأُ:{إِلَى الْمَرَافِقِ}

(2)

)

(3)

.

وجه الدلالة: بيَّنَ إبراهيمُ النخعي أنَّه سيعملُ بقولِ مَنْ أدرك مِن الصحابةِ رضي الله عنهم، وإنْ خالفوا نصَّ القرآنِ الكريمِ، وإذا جازَ هذا لإبراهيمَ، فمَنْ عداه كذلك.

مناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أنَّ الأثرَ المذكور في دليلِكم غير ثابتٍ عن إبراهيمَ النخعي، يقولُ ابنُ حزمٍ:"هذا كذبٌ على إبراهيمَ"

(4)

.

الوجه الثاني: لو صحَّ هذا الأثرُ عن إبراهيمَ النخعي، لكان خطأً عظيمًا منه، وليس إبراهيمُ معصومًا عن الخطأِ

(5)

.

الوجه الثالث: عارضَ الأثرَ الذي ذكرتموه عن إبراهيمَ النخعي آثارٌ صحيحةٌ جاءتْ عن إبراهيمَ نفسِه، فتكون هي المقدَّمة؛ لصحتها

(6)

، مِنْ ذلك:

• قولُ إبراهيم: (لا طاعةَ مفترضة إلا لنبي)

(7)

.

(1)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 104 - 105).

(2)

من الآية (6) من سورة النساء.

(3)

انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 107). ولم أقف على أثر إبراهيم النخعي مسندًا - فيما رجعتُ إليه من مصادر - وقد ذكر ابنُ حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (6/ 107) أنَّ في سنده أبا حمزة ميمون الأعور القصاب، وقال عنه:"ساقط جدًّا غير ثقةٍ".

وقد ذكر أثر إبراهيم بنحو اللفظ السابق دون إسناد: ابنُ أبي زيد القيرواني في: الجامع في السنن والآداب (ص/ 150)، وابنُ القيم في: إعلام الموقعين (6/ 27).

(4)

الإحكام في أصول الأحكام (6/ 107).

(5)

انظر: المصدر السابق.

(6)

انظر: المصدر السابق (6/ 107 - 108).

(7)

أخرج قول إبراهيم: ابنُ حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (6/ 107 - 108)، وصححه. وذكر السيوطي في: الدر المنثور (1/ 617) أنَّ عبد بن حميد أخرجه.

ص: 1121

• وقالَ سعيدُ بنُ جبير

(1)

: كان ابنُ عمرَ يدَّهنُ بالزيتِ، فذكرتُه لإبراهيمَ النخعي، فقالَ: (ما تصنع بقوله حدثني الأسود عن عائشة قالت (كأنَّي أنظر إلى وبيصِ

(2)

الطيبِ في مَفْرِق

(3)

رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهو مُحْرِمٌ)

(4)

.

يقولُ ابنُ حزمٍ معلِّقًا على قولِ إبراهيمَ: "فهذا الذي يليقُ بإبراهيمَ رحمه الله وهو أنْ لا يلتفت إلى قولِ ابنِ عمرَ إذا وَجَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافَه"

(5)

.

ويمكن أن يضاف وجه رابع في المناقشة: أنَّ قولَ إبراهيمَ النخعي محمولٌ على إجماعِ الصحابةِ رضي الله عنهم، فإذا أجمعوا على قولٍ مخالفٍ للقرآنِ الكريم، فالمقدَّمُ هو الإجماع، ويكون ما خالفه منسوخًا.

الدليل الثالث: إذا وجَدْنا الدليلَ على خلافِ قولِ إمامِ مذهبِنا، فلإمامِنا حجةٌ راجحةٌ على الدليلِ لم نطلعْ عليها، أوْ له جوابٌ عنه لم

(1)

هو: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم الكوفي، أبو محمد أو أبو عبد الله، كان أحد أئمة التابعين وأعلامهم، ثقةً إمامًا حافظًا مقرئًا، ومفسرًا للقرآن، روى عن عبد الله بن عباس وأكثر الرواية عنه، وأجادها، قال إسحاق بن شعيب:"كان يُقال: سعيد بن جبير جهبذ العلماء"، توفي سنة 95 هـ مقتولًا بسيف الحجاج بن يوسف. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 256)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (4/ 272)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (2/ 371)، وتهذيب الكمال للمزي (10/ 358)، وسير أعلام النبلاء (4/ 321)، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 181).

(2)

الوبيص: البريق واللُمعة. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة:(وبص)، (ص/ 956)، والقاموس المحيط، مادة:(وبص)، (ص/ 818).

(3)

المَفْرِق، ويقال: المِفْرَق: وسط الرأس، وهو الذي يفرق فيه الشعر. انظر: القاموس المحيط، مادة:(فرق)، (ص/ 1184).

(4)

أخرج حديثَ عائشة رضي الله عنها: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الغُسل، باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (ص/ 267)، برقم (271)؛ ومسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام (1/ 534)، برقم (1190).

وأخرج قول سعيد لإبراهيم النخعي: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: من الطيب عند الإحرام (ص/298)، برقم (1537).

(5)

الإحكام في أصول الأحكام (6/ 108).

ص: 1122

نعلمْه، فنبقى على قولِه

(1)

؛ لأنَّ إمامَنا قد اطّلعَ على جميعِ معاني كتابِ الله تعالى، ولم يفتْه منها شيءٌ، وعلى جميعِ سنةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفتْه منها شيءٌ، فكلُّ ما خالفَ قول إمامِنا، فإنَّه قد اطّلعَ عليه، وخالفه؛ لمعارضٍ أقوى منه

(2)

.

يقولُ أبو عيسى الوزاني

(3)

: "أمَّا كون المقلِّد لم يجدْ لضعفِ إمامِه مدفعًا

فلا يُوْجِبُ انتفاءه؛ إذ قد يكون له مدفعٌ، ولا يعلمُه هذا الفقيه المقلِّد"

(4)

.

مناقشة الدليل الثالث: الواجبُ على المتمذهبِ تقوى الله تعالى؛ قالَ الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(5)

، والعملُ بما أَمَرَ به الشارعُ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:(إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم)

(6)

، والذي يستطيعه المتمذهبُ مِن الفقهِ والعلمِ في المسألةِ التي

(1)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 213)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ 44).

(2)

انظر: أضواء البيان (7/ 567).

(3)

هو: محمد المهدي بن محمد بن محمد بن الخضر بن قاسم بن موسى العمراني الوزاني الفاسي، أبو عيسى، ولد بوزان سنة 1266 هـ تلقى مبادئ العلم في بلده، ثم انتقل إلى فاس، ودَرَس على أيدي علمائها، كان من علماء المذهب المالكي، وأحفظ أهل عصره به، عارفًا بالنوازل، دؤوبًا على نشر العلم بدروس عامرة، قال عنه محمد الحجوي:"هو أكثر من أدركنا بالمغرب تأليفًا وتصنيفًا"، من مؤلفاته: النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، والمنح السامية في النوازل الفقهية، ورسالة في كراهية القبض في الصلاة، توفي بفاس سنة 1342 هـ. انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية لمخلوف (1/ 435)، والفكر السامي للحجوي (4/ 318)، والأعلام للزركلي (7/ 335)، ومعجم المؤلفين لكحالة (3/ 740)، ومقدمة محقق النوازل الكبرى (1/ 9).

(4)

النوازل الجديدة الكبرى (1/ 317)

(5)

من الآية (16) من سورة التغابن.

(6)

أخرج الحديثَ: البخاريُّ في: صحيحه، كِتَابُ: الاعْتِصَام، بَابُ: الاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم (ص/ 1389)، برقم (7288)؛ ومسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر (1/ 608)، برقم (1337)، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 1123

وَجَدَ فيها الدليلَ على خلافِ قولِ إمامِه قد دلَّه على أنَّ ما خالف قولَ إمامه هو الراجح، فعليه اتباعه؛ لأنَّ هذا هو ما يستطيعه في تقوى الله.

فإنْ تبيّنَ له فيما بَعْدُ أنَّ لهذا النصِّ معارضًا راجحًا عادَ إلى قولِ إمامِه، وكان حكمُه حكمَ المجتهدِ إذا تغيَّرَ اجتهادُه، وكان انتقالُه محمودًا؛ لأنَّه انتقالٌ لموافقةِ الحقِّ، بخلافِ إصرارِه على قولِ إمامِه إذا تَبَيّنَتْ مخالفتُه للدليلِ، فإنَّه مذمومٌ

(1)

.

ثمَّ يبطل ادِّعاؤُكم بأنَّ إمامَ المذهبِ قد أحاطَ بنصوصِ الكتابِ والسنةِ: ما جاءَ عن الأئمةِ أنفسِهم مِنْ نفيهم الإحاطة بجميعِ أحاديثِ النبي صلى الله عليه وسلم، فها هو الإمامُ الشافعي يقولُ:"لا نعلمُ رجلًا جمَعَ السننَ فلم يذهبْ منها عليه شيءٌ"

(2)

، ويقولُ أيضًا:"قد يجهلُ الرجلُ السنةَ، فيكون له قولٌ يخالفُها"

(3)

.

وسعةُ علمِ الإمامِ وكثرتُه لا تستلزمُ اطلاعه على جميعِ النصوصِ

(4)

.

الدليل الرابع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهبِ في مسألةٍ من المسائلِ الدليلَ النقلي مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، فالمقدَّمُ عندنا قولُ إمامِنا؛ لأنَّه أعلمُ منا بالشرعِ وأدلتِه

(5)

.

مناقشة الدليل الرابع: معارضتُكم الأخذ بالدليلِ النقلي كتابًا أو سنة: بأنَّ إمامَكم أعلمُ منكم، معارضةٌ فاسدةٌ؛ لأنَّ المخالفَ لإمامِكم نظيرٌ له في معرفةِ الشرع وأدلتِه، وفي معرفةِ المسألة التي وَرَدَ فيها الدليلُ بخصوصِها،

(1)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 213 - 214).

(2)

الرسالة (ص/ 42).

(3)

المصدر السابق (ص/ 219).

(4)

انظر: أضواء البيان (7/ 567 - 568). وسبقت الإشارة في المبحث الثاني من الفصل الثالث إلى أنَّ أجلة الصحابة رضي الله عنهم خفيت عليهم بعض السنن.

(5)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 215)، ودراسات اللبيب لمحمد معين (ص/ 33)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ 79)، والدرر السنية لابن قاسم (1/ 44).

ص: 1124

وأنتم لستُم أعلم منهما

(1)

.

يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: "نسبةُ هؤلاءِ إلى

(2)

الأئمةِ كنسب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ ومعاذ ونحوهم من

(3)

الأئمةِ وغيرِهم.

فكما أنَّ هؤلاءِ الصحابة بعضهم لبعضٍ أكفاء في مواردِ النزاعِ، وإذا تنازعوا في شيءٍ ردّوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسولِ - وإنْ كان بعضُهم قد يكون أعلم في مواضع أخر - فكذلك موارد النزاعِ بين الأئمةِ.

وقد تَرَكَ الناسُ قولَ عمرَ وابنِ مسعود في مسألةِ: (تيمم الجنب)

(4)

، وأخذوا بقولِ مَنْ هو دونهما، كأبي موسى الأشعري

(5)

وغيرِه؛ لما احتجَّ بالكتابِ والسنةِ

"

(6)

.

(1)

انظر: المصادر السابقة.

(2)

لعل الصواب: "أي"؛ إذ بها يستقيم الكلام ويصح.

(3)

في المطبوع من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 215): "إلى"، ويظهر لي أنها تحريف، وقد أثبت:"من" من الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 460)؛ إذ وردت رسالة تقي الدين بن تيمية في الكتابين.

(4)

تقدم تخريج أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في: (ص/1119). ولفظ أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أنَّ رجلًا أجنب، فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ قال عبد الله:(لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا). قال أبو موسى: (فكيف بهذه الآية في: سورة المائدة: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [من الآية 6 من سورة المائدة] فقال عبد الله: (لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد). فقال أبو موسى لعبد الله: (ألم تسمع قول عمار بعثني رسول الله في حاجة، فأجنبت

الحديث، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: التيمم، باب: التيمم ضربة (ص/ 89)، برقم (347)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحيض، باب: التيمم (1/ 173)، برقم (368)، واللفظ له.

وجاء عن ابن مسعود أنه رجع عن قوله، كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة في: المصنف، الموضع السابق، برقم (1681).

وانظر: فتح الباري لابن حجر (1/ 457).

(5)

تقدم تخريج أثر أبي موسى رضي الله عنه في الحاشية السابق، وفيها استدلاله بالكتاب والسنة.

(6)

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 215).

ص: 1125

الدليل الخامس: إذا وجدنا حديثًا مخالفًا لقولِ إمامِنا فإنَّنا في زمننا لا نتمكن مِنْ معرفةِ صحةِ الحديثِ مِنْ عدمِها؛ لقلَّةِ باعِنا فيه، وقد سَبَقَنا إمامُنا في معرفةِ الأحاديثِ، فنبقى على قولِه

(1)

.

مناقشة الدليل الخامس: لا يستقيمُ إطلاق دليلِكم في كلِّ زمنٍ وفي كلِّ قُطْرٍ، بلْ لو فُرِضَ أنَّ أهلَ العلمِ في قُطْرٍ ما وفي زمنٍ ما لم يتمكنوا مِنْ معرفةِ صحةِ الحديثِ، فإنَّ هذا لا يكون في كلِّ الأقطار في زمنهم، فدليلكم إنَّما يستقيمُ لو لم تدوَّنْ علوا الحديثِ وأسانيد السنةِ، ولم يَحْكُمْ عليها أئمةُ المحدثين، وهي بحمد الله مدوَّنةٌ، ومشروحةٌ، ومعتنى بها

(2)

.

الدليل السادس: أنَّ في تركِ المتمذهبِ قولَ إمامه واتباعِه للحديثِ تشويشًا على العامةِ، إذا كانوا لا يعرفون غيرَ قولِ إمامِهم، وفتحًا لبابِ القيل والقال، وإذا كانت المسألةُ اجتهاديةً، فيخفف فيها بجوازِ البقاءِ على قولِ الإمامِ

(3)

، وقد تَرَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بناءَ الكعبةِ على قواعد إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ القومَ كانوا حدثاء عهدٍ بالكفرِ؛ خشيةَ وقوع فتنة بين بعضِ المسلمين

(4)

.

ويمكن أنْ يناقشَ الدليل السادس: بأنَّ للمتمذهبِ الأخذَ بالدليلِ دونَ دعوةِ الناسِ إلى قولِه؛ لئلا يترتبَ عليه فتنةٌ حالَ الخشية مِن وقوعِها، وبإمكانِه أنْ يخرِّجَ مدلولَ الحديثِ على أصولِ مذهبِه أو فروعِه

(5)

، ثمَّ ما

(1)

انظر: دراسات اللبيب لمحمد معين (ص/38).

(2)

انظر: المصدر السابق.

(3)

انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (1/ 313 - 314)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ 470) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.

(4)

لفظ الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام، فإنَّ قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت له خلفًا)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها (ص/ 307)، برقم (1585)، واللفظ له؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها (1/ 604)، برقم (1333).

(5)

يقول ابن القيم في: إعلام الموقعين (6/ 167): "إذا ترجَّح عنده - أي: عند المجتهد في مذهب إمامه - قول إمامه؛ بدليل راجح، فلا بُدّ أنْ يخرَّج على أصول إمامه وقواعده؛ =

ص: 1126

ذكرتموه حالةٌ جزئيةٌ خاصةٌ، لا يستقيم أنْ نُعمّمَ الحكمَ بسببِها.

الدليل السابع: أنَّ في مخالفةِ المتمذهبِ قول إمامِه، وانتصارِه لرأي مقابلِه إساءةَ أدبٍ معه

(1)

.

ويمكن مناقشة الدليل السابع: بأنَّه دليلٌ ظاهرُ الضعفِ، فليس في تركِ قولِ إمامِ المذهب إساءةُ أدبٍ أصلًا، ثمَّ كيفَ يُقالُ: إنَّ في مخالفتِه إساءةَ أدبٍ، والمخالفُ إنَّما خالفَ قولَ إمامِه؛ لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم؟ ! أفلا قالَ: إنَّ في تركِ الحديثِ النبوي إساءةَ أدبٍ مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم، مع العلمِ أنَّ الأئمةَ أمروا بتركِ أقوالِهم إن خالفتْ حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثامن: إذا عذرتم إمامَ المذهبِ في تركِ العملِ بالحديثِ، وخطئه في قولِه، بلْ قلتُم: له أجرٌ واحدٌ؛ لاجتهادِه، فيلزمكم أنْ تعذرونا في الخطأِ، وتقولوا: إنَّ لنا أجرًا واحدًا إذا أخذنا بقولِ إمامِنا؛ لأنَّنا اتّبعنا مَنْ حكمتم عليه بهذا الحكمِ

(2)

.

مناقشة الدليل الثامن: أجابَ عن الدليلِ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي، فقالَ: "إنَّ إمامَ المذهبِ الذي قلَّدوه بَذَلَ جهدَه في تعلُّمِ كتابِ الله وسنةِ رسوله وأقوالِ الصحابةِ وفتاويهم

ومَنْ كان هذا شأنه، فهو جديرٌ بالعُذرِ في خطئِه، والأجرِ في اجتهادِه.

أمَّا مقلِّدوه، فقد تَرَكُوا النظرَ في كتاب الله وسنةِ رسولِه، وأعرضوا عن تعلمهما إعراضًا كليًا مع يسرِه وسهولتِه، ونزَّلوا أقوالَ الرجالِ الذين يخطئون ويصيبون منزلةَ الوحي المنزَّل مِن لله، فأينَ هؤلاءِ مِنْ الأئمةِ الذين قلَّدوهم؟ !

= فإنَّ الأئمةَ متفقةٌ على أصولِ الأحكام، ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا فأصوله تردُّه وتقتضي القول الراجح، فكلّ قولٍ صحيح يخرَّج على أقوال الأئمة بلا ريب".

(1)

انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (1/ 313).

(2)

انظر: أضواء البيان (7/ 571 - 572).

ص: 1127

وهذا الفرقُ العظيمُ بينهم، وبينهم يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّهم ليسوا مأجورين في الخطأِ في تقليدٍ أعمى

وليسوا معذورين؛ لأنَّهم تركوا ما يلزمهم تعلمه مِنْ أمرِ الله ونهيه على ضوءِ وحيه المنزّلِ"

(1)

.

أدلةُ أصحابِ القولِ الثالث:

يمكنُ لأصحابِ القولِ الثالثِ أنْ يستدلوا لتقديمِ الحديثِ النبوي على قولِ إمامِ المذهبِ في الحالةِ التي حددوها بأدلةِ أصحابِ القولِ الأولِ.

أمَّا قولهم: يقدّم قول الإمامِ عند عدمِ عملِ أحدٍ من المجتهدين بالحديثِ:

فلم أقفْ لهم على دليلٍ لهذه الحالة، لكنَّ تقيَّ الدين السبكي وجَّه قولَهم، فقال:"لأنَّ ذلك - أيْ: أن لا يجدَ المتمذهب أحدًا عمل بالحديثِ - إنَّما يكون حيثُ يكون إجماعٌ"

(2)

.

ولابنِ رجبٍ كلامُ يصحُّ لي أنْ أجعلَه دليلًا لهم: أنَّ في اتفاق السلفِ على تركِ العملِ بالحديثِ دليلًا على علمِهم بما يُوجبُ تركَه

(3)

.

وقد أجاب تقيُّ الدين السبكي نفسُه على ما قد يكون مستندًا لهم، فقالَ:"لكن قد يفرضُ في مسألةٍ لا نقلَ فيها عن غيرِ الشافعي"

(4)

.

وفي موضعٍ آخر أفادَ تقيُّ الدين بأنَّه "ليس في الأحاديثِ الصحيحةِ ما أجمعَ العلماءُ على تركِه"

(5)

.

(1)

المصدر السابق (7/ 572). وأنبه إلى أنَّ بدر الدين الزركشي في: البحر المحيط (6/ 296) ذكر دليلًا لأصحاب القول الثاني، مفاده: أننا استقرأنا أحوال الصحابة رضي الله عنهم، ومقلِّديهم، فوجدنا أنَّهم لم ينكروا على من استفتاهم في مسألة، وسأل غيرهم عن أخرى، ولو كان هذا غير جائز لأمر الصحابيُّ المستفتي بالعود إلى من استفتاه قبل ذلك.

ولم يظهر لي وجه العلاقة بين الدليل، ومسألتنا؛ إذ هذا دليل لمن قال بعدم لزوم التمذهب.

(2)

معنى قول الإمام المطلبي (ص/107).

(3)

انظر: بيان فضل علم السلف (ص/57).

(4)

معنى قول الإمام المطلبي (ص/ 107).

(5)

المصدر السابق.

ص: 1128

• الموازنة والترجيح:

بعد النظرِ في المسألةِ وما فيها من أقوال وأدلة، يظهرُ لي الآتي:

أولًا: القولُ بتقديمِ قولِ إمامِ المذهبِ مطلقًا - كما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني - قولٌ ضعيفٌ، وذلكَ لضعفِ أدلتِهم، ولقوةِ أدلةِ مخالفيهم.

ثانيًا: إنْ كان قولُ الإمامِ - أو ما استقرَّ عليه المذهبُ - مخالفًا للحديثِ مخالفةً صريحةً، فهنا ثلاثُ حالات:

الحالة الأولى: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ مذهبٌ مِن المذاهبِ المتبوعةِ.

فهنا يتّبعُ المتمذهبُ الحديثَ؛ لأنَّه خَرَجَ عن الأخذِ بقولِ إمامِه إلى الأخذِ بقولِ إمامِ آخر.

الحالة الثانية: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ بعضُ السلفِ، دونَ بقيةِ المذاهبِ المتبوعةِ، فهنا:

* إنْ ثَبَتَ القولُ عن قائلِه: فللمتمذهبِ الأخذُ بالحديثِ، وله الأخذُ بمذهبِ إمامِه؛ لأنَّ الغالب أنْ لا تتفقَ المذاهبُ على تركِ القولِ الراجح - إلا في القليلِ النادرِ - ولذا فينبغي أنْ لا يُقْدِم المتمذهبُ على الأَخذِ بالحديثِ إلا بعد مزيدِ نظرٍ وتأمّلٍ، وجمعٍ لأطرافِ المسألةِ، وليس في هذا تقليلٌ مِنْ شأنِ الحديثِ النبوي، بلْ حرصٌ على أنْ لا يقعَ المتمذهبُ في العمل بحديثٍ تَرَكَه أجلةُ الأئمةِ؛ لعلّةٍ خفيت على المتمذهبِ.

* وإنْ لم ثبت القولُ عن قائلِه - أو شكّ في ثبوتِه - فليس له الأخذُ بالحديثِ؛ لأنَّ تركَ الأئمةِ وعلماء السلفِ له قادحٌ في ثبوتِه، أو دالٌّ على نسخِه.

الحالة الثالثة: أنْ لا يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ أحدٌ مِنْ أهلِ العلمِ المعتد بهم.

ص: 1129

فليس للمتمذهب الأخذُ بالحديثِ؛ لأنَّ تركَ الأئمة وعلماء السلف له قادحٌ في ثبوتِه، أو دالٌّ على نسخِه.

ثالثًا: يحسنُ التنبيه على الأمور الآتية:

الأمر الأول: لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ الحديثِ وصحتِه، والاهتمام بهذا؛ إذ تُعَدّ صحةُ الحديثِ اللبنة الأُولى للعملِ به، وبناءً عليه، لا بُدَّ من التريثِ والانتباهِ لتصحيحاتِ مَنْ عُرِفَ بالتساهلِ في تصحيحِ الأحاديثِ.

الأمر الثاني: يتعيّنُ الانتباه إلى أنَّ هناك بعضَ الأحاديثِ التي ظاهرُ إسنادِها الصحة، ولكنْ أعلَّها متقدمو المحدثين، ثمَّ صححها بعضُ مَنْ جاءَ بعدهم؛ لظاهرِ السندِ، ففي هذه الحالة تُقدّمُ أحكام متقدمي المحدثين على متأخريهم؛ إذ لا تمكن التسوية بين حكمِ البخاري أو مسلمٍ أو الإمام أحمد على حديثٍ، وحكم مَنْ جاءَ بعدهم بقرون ولا سيما ممَّنْ عُرِفَ بالتساهلِ في التصحيحِ.

الأمر الثالث: ضرورةُ الانتباه إلى درجةِ الزيادةِ التي تجيءُ في بعضِ الأحاديثِ، ولا سيما الزيادة التي يترتب عليها ترجيحٌ بين قولين؛ فليستْ كلُّ الزياداتِ مقبولةً، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: هناك من المحدثين من يتساهلُ في قبولِ زيادةِ الثقةِ، وهذا يدعو إلى ضرورةِ التثبت في قبولِ تصحيحه لها.

الأمر الرابع: التثبت في الأحاديثِ الخارجةِ عن دواوينِ السنةِ المعروفةِ؛ لكثرةِ الأحاديثِ الغريبةِ والمعلَّةِ فيها، يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "متى رأيتَ حديثًا خارجًا عن دواوين الإسلامِ - كالموطأ ومسندِ أحمدَ والصحيحين وسننِ أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها

- فانظرْ فيه: فإنْ كانَ له نظيرٌ في الصحاحِ أو الحسانِ، قَرُبَ أمرُه.

وإنْ رأيتَه يُباين الأصولَ وارتبتَ فيه، فتأمّلْ رجالَ إسنادِه، واعتبرْ

ص: 1130

أحوالَهم مِن الكتبِ المصنفةِ في ذلك، وأصعب الأحوال أنْ يكونَ رجالُ الإسنادِ كلُّهم ثقاتٌ، ويكون متنُ الحديثِ موضوعًا عليهم أو مقلوبًا، أو جرى فيه تدليسٌ، ولا يَعْرِفُ هذا إلا النّقادُ مِنْ علماءِ الحديثِ، فإنْ كنتَ مِنْ أهله، وإلا سلْ عنه أهله"

(1)

.

الأمر الخامس: إنْ كانَ إمامُ المذهب مِنْ أئمةِ الحديثِ، وعَلِمَ بالحديثِ، ثمَّ تَرَكَه، فيظهرُ لي أنَّ للمتمذهبِ تركَ العمل بالحديثِ، إن اطمأنتْ نفسُه؛ إذ الظاهرُ أنَّ إمامَه لم يتركْه إلا لعلةٍ مِنْ ضعفٍ أو مخالفةِ ما هو أقوى منه أو نسخٍ، ولا يدلُّ أخذُ المتمذهبِ بقولِ إمامِه على الإعراضِ عن السنةِ الصحيحةِ؛ لأنَّه لم يترك الحديثَ إلا لرجحانِ ضعفِه، تمامًا كما يتركُ المتمذهبُ الحديثَ الذي نصَّ أحدُ أئمةِ الحديثِ على ضعفِه.

رابعًا: يُلحقُ بهذه المسألةِ ما إذا نَظَرَ المتمذهبُ في مسألةٍ، وجَمَعَ أدلتها، وما قيلَ فيها، وترجّحَ عنده خلافُ قولِ إمامِه

(2)

.

* * *

(1)

خطبة الكتاب المؤمل (ص/ 126).

(2)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20/ 205)، والأخبار العلمية للبعلي (ص/ 483).

ص: 1131