الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر
مِنْ المعلومِ أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ متعددةٌ، وقد يَرَى المتمذهبُ تركَ مذهبِه برُمَّتِه، والانتقالَ عنه إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر، فمثلًا قد يكون شخصٌ متمذهبًا بالمذهب الحنفي، ويرى بعد ذلَك تركَ التمذهب به، والانتقالَ إلى التمذهبِ بالمذَهبِ الشافعي، فحديثي هنا عن تركِ المذهبِ بالكليةِ، والانتقال إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر
(1)
.
ويمكنُ بيانُ حكمِ الانتقال مِنْ مذهبٍ إلى آخر فيما يأتي:
أولًا: الأصلُ في الانتقالِ مِن التمذهب بمذهبٍ معيّنٍ إلى التمذهب بمذهبٍ آخر هو الجوازُ
(2)
؛ وذلك للأمورِ الآتية:
الأمر الأول: انتفاءُ الدليلِ الموجِبِ اتِّباع مذهبِ إمامٍ بعينِه
(3)
.
الأمر الثاني: أنَّ الانتقالَ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ، كالانتقالِ مِنْ قولِ إلى قولٍ، وهو سائغٌ
(4)
.
(1)
انظر: المعيار المعرب للونشريسي (12/ 46).
(2)
انظر: نشر البنود (2/ 350)، والتعليقات السنية على الفوائد البهية للكنوي (ص/ 42)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 460)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 684)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ 339)، وتغيّر الاجتهاد للدكتور وهبة الزحيلي (ص/ 18).
(3)
انظر: إرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 229)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ 339).
(4)
انظر: النظائر لبكر أبو زيد (ص/ 77).
الأمر الثالث: إذا ساغَ التمذهبُ بمذهب معيَّنٍ ابتداءً، فإنَّه يسوغُ الانتقالُ إليه مِنْ مذهب آخر؛ لعدمِ الفرقِ بين الحالين.
ثانيًا: وُجِدَ عند بعضِ المتمذهبين أقوالٌ في التشديدِ في الانتقالِ عن مذهبِهم إلى غيرِه مِن المذاهب فمثلًا، يقولُ بعضُهم: يجوزُ لغيرِ الحنفي أنْ يتحولَ حنفيًّا، ولا يجوزُ للحنفي أنْ يتحولَ شافعيًّا أو مالكيًّا
(1)
، أو يقولُ بعضهم: يجبُ التمذهبُ بمذهبِ إمامِنا على الناسِ كافة، ويحرمُ تركُ مذهبِه.
وهذه الأقوالُ ونحوها أقوالٌ مردودةٌ، ينبغي أنْ لا يُلْتَفَتُ إليها، ومنشأها تعصبٌ مذهبي محضٌ
(2)
، ولم يزلْ كثيرٌ مِن المحققين مِنْ مختلفِ المذاهبِ ينتقلون مِنْ مذهبِهم إلى مذهبٍ آخر
(3)
.
يقول عبدُ الحي اللكنوي: "أما
…
ما في بعضِ الفتاوي أنَّه يجوزُ للشافعي أنْ يكون حنفيًّا، ولا يجوز العكس، فتعصّبٌ لائحٌ، وتشددٌ واضحٌ، لا يُلْتَفَتُ إليه"
(4)
.
ولو فُرِضَ وجودُ كلام لبعضِ العلماءِ في التشديدِ في الانتقالِ عن المذهبِ، فإنَّه محمولٌ على مَنْ كان غرضُه مِن الانتقالِ دنيويًّا، ولعل مِنْ أسبابِ تشديدِهم في الانتقالِ هو ما وجدوه مِن بعضِ المتمذهبين الذين تركوا مذاهبَهم، وانتقلوا إلى غيرِها؛ لغرضٍ دنيوي
(5)
.
(1)
انظر: فواتح الرحموت (2/ 406)، وجزيل المواهب للسيوطي (ص/ 44).
(2)
انطر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ 44)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 229).
(3)
للاطلاع على بعض العلماء الذين انتقلوا من مذهبهم إلى مذهب آخر، انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ 53 وما بعدها)، ونشر البنود (2/ 355)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 230)، والنظائر لبكر أبو زيد (ص/ 95 وما بعدها).
(4)
التعليقات السنية على الفوائد البهية (ص/ 42).
(5)
انظر: إرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 229)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/52 - 53).
ثالثًا: إنْ كان الغرضُ مِن الانتقالِ مِن مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر هو النفعَ الدنيوي، منْ مالٍ أو جاهٍ، أو قربٍ عند الواليَ أو عند أهلِ الدنيا، أو اتباع الهوى، كالتعصّبِ للمذهب المنتقل إليه، أو لشهواتِ النفس: فإنَّ الانتقالَ مذمومٌ، ولا يحمدُ المنَتقل على انتقالِه؛ وذلك لسوءِ غرضِه ونيتِه
(1)
.
وقد صرَّح عبد الله العلوي بالمنع هنا
(2)
.
وإنْ كانَ المذهبُ الذي انتقل إليه خيرًا مِنْ مذهبِه الأول، فإنَّ الذمَّ يلحقُ المنتقل أيضًا؛ وذلك لسوءِ قصدِه، ويكون حالُه كحالِ مَنْ لا يسلِّم على غيرِه إلا لغرضٍ دنيوي
(3)
.
يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي عمَّنْ ينتقل لهذا الغرضِ، وهو فقيه في مذهبِه الأول:"هذا أمرُه أشدّ، وعندي أنَّه يصلُ إلى حدِّ التحريمِ؛ لأنَّه تلاعبٌ بالأحكامِ الشرعيةِ؛ لمجرَّدِ غرضِ الدنيا"
(4)
.
وذَهَبَ الشيخُ علوي السقاف إلى جوازِ الانتقالِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر، ولو بمجرَّدِ التشهي
(5)
.
ولعله أرادَ صحةَ الانتقالِ، وجواز الالتزامِ بالمذهبِ المنتقل إليه، ولم يُرِدْ الحكمَ على نيةِ المتمذهبِ.
رابعًا: إنْ كانَ الغرضُ مِن الانتقالِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ دينيًا، كظهورِ رجحانِ أصولِ المذهبِ المنتقَل إليه، وقوةِ مداركِه
(6)
، أو ظهور
(1)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20/ 222)، والعَلَم الشامخ للمقبلي (ص/ 368)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 461)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 230)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 685).
(2)
انظر: نشر البنود (2/ 351).
(3)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20/ 222).
(4)
جزيل المواهب (ص/ 42).
(5)
انظر: مختصر الفوائد المكية (ص/ 39).
(6)
انظر: نشر البنود (2/ 351).
رجحانِ أكثرِ فروعِه: فإن الانتقالَ سائغٌ
(1)
، ولا بأسَ به، بلْ هو ممَّا يُثاب عليه
(2)
؛ وذلك للأمرين الآتيين:
الأمر الأول: لم يزلْ كثيرٌ مِن العلماءِ المحققين مِنْ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ على مرِّ العصورِ ينتقلون مِنْ مذهبٍ إلى مذهبِ، والظاهرُ أنَّ الباعثَ لهم عليه أمرٌ ديني
(3)
.
الأمر الثاني: أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ كلَّها طريقٌ إلى الفقهِ في الدِّينِ في أصولِه وفروعِه
(4)
.
ومِن العلماءِ مَنْ قالَ بوجوبِ الانتقالِ في هذه الحالِ
(5)
.
ويظهرُ لي أنَّ الخلافَ بين القائلين بالجوازِ، والقائلين بالوجوبِ خلافٌ لفظي؛ إذ يمكن حَمْلُ كلامِ المجوِّزين للانتقالِ على الانتقالِ في أصلِه، ويحمل كلام الموجبين له على أخذِ المتمذهبِ بما ترجّحَ عنده.
خامسًا: إنْ كانَ انتقالُ المتمذهب مِنْ مذهبٍ إلى آخر مجرَّدًا عن الغرضِ الدنيوي، والغرضِ الديني، فهذا لَه ثلاثُ حالات:
الحالة الأولى: إنْ كانَ المتمذهبُ قد تمكَّنَ مِنْ مذهبِه، وأتقنه.
فهذا ممَّا لا ينبغي معه الانتقالُ - ويكونُ حكمُ انتقالِه دائرًا بين الكراهةِ، والمنعِ
(6)
- لأنَّه يحتاجُ إلى زمنٍ آخر لتحصيلِ المذهبِ المنتقَلِ
(1)
انظر: المصدر السابق (2/ 350)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 460)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 230)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/ 53).
(2)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (20/ 223)، والآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 226).
(3)
انظر: نشر البنود (2/ 350)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 460)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ 230)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 684).
(4)
انظر: نشر البنود (2/ 350)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 684).
(5)
انظر: نشر البنود (2/ 351)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 685).
(6)
انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ 43)، ونشر البنود (2/ 351)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 462)، ونثر الورود للشنقيطي (2/ 686).
إليه، وهذا يشغِلُه عمَّا هو أهمّ، مِنْ العمل بما تعلمه، وقد ينقضي عمرُه قبلَ حصولِ تفقهِه في المذهبِ المنتقَلِ إليه
(1)
.
الحالة الثانية: إنْ كانَ المتمذهبُ قد اشتغلَ بمذهبِه، فلم يحصلْ منه على شيءٍ يُذْكَرُ، ووَجَدَ مذهبَ غيرِه سهلًا عليه، بحيثُ يمكنه إدراكُه وفهمُه، ويمكنُه الإحاطةُ به: فهنا يجبُ عليه الانتقالُ، ولا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه
(2)
؛ لأنَّ التفقهَ على مذهب أحدِ الأئمةِ الأربعةِ، وفهمه خيرٌ مِن الاستمرارِ على مذهبٍ ما مَعَ الجهلِ بَأكثرِ مسائلِه
(3)
.
يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي: "رُبَّ شخصٍ يُفتَحُ عليه في علمٍ دون علمٍ، وفي مذهبٍ دونَ مذهبٍ، وهي قسمةٌ مِن الله"
(4)
.
الحالة الثالثة: إنْ كانَ المتمذهبُ لمَّا يتمكن مِنْ مذهبه بعدُ، ولم يمضِ عليه زمنٌ كبيرٌ.
فالظاهرُ أنَّ له الانتقالَ؛ لأنَّ حالَه كحال المبتدئِ، والمبتدئُ له التمذهبُ بأيِّ مذهبٍ أرادَ.
سادسًا: يراعى في مسائل الانتقالِ ما ذكرتُه في مسألةِ: (تفضيل مذهب من المذاهب)، مِنْ أن الأَولى بالمتمذهب البقاء على المذهبِ السائدِ في قُطْرِه وإقليمه؛ لأنَّه أدعى إلى ضبطِ العَلمِ، لوجودِ العلماءِ الناخلين لمذاهبِهم العارفين بها.
* * *
(1)
انظر: المصادر السابقة.
(2)
انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ 43)، ونشر البنود (2/ 351)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ 461).
(3)
انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ 43).
(4)
المصدر السابق (ص/ 44).