الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنْ قلنا: إنَّ الإمامين لم يتفقا على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّقِ، جوّزنا التلفيقَ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني.
المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين
مِن المسائلِ التي اهتمَّ بها المعاصرون مسألةَ: (التلفيق في التقنين)
(1)
- أو في التشريع كما يسميها بعضُهم - ويتعيّنُ قبل الدخولِ في المسألةِ ذكر المرادِ بالتلفيقِ في التقنين:
يُقصدُ بالتلفيقِ في التقنينِ: تخيّرُ وليُّ الأمرِ مِنْ أحكامِ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ المعتبرةِ مجموعةً مِن الأحكامِ؛ لتكونَ قانونًا يُقضَى ويُفتى به بين مَنْ يخضعون له.
ذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخ محمد السنهوري
(2)
.
وتبع الشيخَ محمدًا السنهوري في تعريفه عددٌ من الباحثين، منهم:
(1)
التقنين: مصدر من الفعل: (قنن) المشدد، يقال: قنّنَ يقنن تقنينًا. والقانون: مقياس كل شيء، وجمعه: قوانين. انظر: القاموس المحيط، مادة:(قنن)، (ص/ 1582).
وبيّن الشيخ مصطفى الزرقا في: المدخل الفقهي العام (ص/ 313) المقصود بالتقنين بوجه عام فقال: "جَمْع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجالِ من مجالات العلاقات الاجتماعية، وتبويبها وترتيبها، وصياغتها بعبارات آمرة، موجزة واضحة في بنود تسمى (مواد) ذات أرقام متسلسلة، ثم إصدارها في صورة قانون - أو نظام - تفرضه الدولة، ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس".
وانظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ 147)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ 156)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنياصي (ص/ 105)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ 133)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ 350)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (1/ 164)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ 436 - 437).
(2)
انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 87).
الدكتور عبد الله محمد عبد الله
(1)
، ومصطفى كمال التازي
(2)
.
وقريبٌ ممَّا ذكره الشيخُ محمد السنهوري ما ذكره الدكتورُ سيد الأفغانستاني، فقالَ:"يُرَاد بالتلفيقِ في التشريعِ: تخيّرُ وليُّ الأمرِ أحكامًا مِنْ مختلفِ المذاهبِ؛ ليجعلَ قانونًا تسيرُ عليه البلادُ الإسلامية"
(3)
.
وتَبعَ الدكتورُ ناصر الميمان الدكتورَ سيدًا الأفغانستاني في تعريفِه
(4)
.
ولقد اهتمَّ المعاصرون بالحديثِ عن مسألةِ: حكم تقنين الفقه على هيئة مواد، ولن أتحدثَ في هذه المسألةِ عن حكمِ التقنين، أمشروع هو، أم لا؟ ولا عن حكم الإلزامِ به؟ فهاتان مسألتانِ خارجتانِ عمَّا أنا بصدده، لأنَّ حديثي عن حكمِ وقوعِ المقنّنِ في التلفيقِ.
وقبلَ بيانِ صورةِ التلفيقِ في التقنين، وحكمها، أُبيّنُ أن هناك صورةً للتقنين لا تدخل تحتَ التلفيقِ، ولا بُدَّ من الإشارةِ إليها، وهي: أنْ يأخذَ المقنّنُ أحكامَ القانون مِن عدةِ مذاهب على وجهٍ لا يكون بين المسائلِ ارتباطٌ ولا تأثيرٌ
(5)
، كما لو أَخَذَ أبوابَ الجنايات مِن المذهب الحنبلي، وأبواب الحدودِ مِن المذهبِ المالكي مثلًا.
وهذه الصورةُ تأخذُ حكمَ الخروجِ عن المذهبِ، وقد تقدّم الحديث عنها.
وإذا كان في فعلِ المقننِ تتبعٌ للرخصِ، فإنَّ الحُكمَ يتبعُ مسالةَ:(تتبع الرخص)، وقد تقدّم الحديثُ عنها.
(1)
انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 124).
(2)
انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 472).
(3)
الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ 556).
(4)
انظر: التلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ 15).
(5)
انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 88)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ 556).
أمَّا صورةُ التلفيقِ في التقنينِ، فهي: أنْ يأخذَ المقننُ أحكامَ القانونِ مِنْ عدّةِ مذاهب على وجهٍ يترتبُ عليه التلفيقُ بين أقوالِ المجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ، كما لو لفَّقَ المقننُ مسألةً مِنْ بابِ القذفِ مثلًا مِنْ أكثرِ مِنْ مذهبٍ، وكما لو أَخَذَ القولَ القائلَ المقننِ بصحةِ النكاحِ بلا ولي، وأنَّ مَنْ طلَّقَ زوجته ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فلا يقعُ عليها إلا طلقة واحدة
(1)
.
أمَّا عن حكمِ التلفيقِ في التقنينِ، فقد قرر الشيخُ محمد السنهوري جوازَه؛ لأن التلفيقَ وَقَعَ اتفاقًا في جزئيةٍ، ولم يُقْصَدْ إليه بخصوصِه، فكان تلفيقًا جائزًا لا حرجَ فيه حتى عند مَن يمنعون التلفيقَ القادحَ
(2)
.
وتبع الشيخَ السنهوريَّ فيما قرره الدكتور سيّدٌ الأفغانستاني
(3)
.
وقرّر مصطفى كمال التازي جوازَه إذا لم يرَ فيه العلماءُ ما يمسُّ روحَ الشريعةِ الإسلاميةِ ومقاصدها
(4)
.
ويظهرُ لي أنَّ كلَّ مَنْ دعا إلى تقنينِ الفقهِ مِنْ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ
(5)
، ولم ينصَّ على إشكاليةِ التلفيق، فإنَّه يَرَى جوازَ التلفيقِ في التقنين.
والذي يظهرُ لي في مسألةِ: (حكم التلفيق في التقنين) أنَّها لا تخرج عن مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، ومسألةِ:(التلفيق في التقليد)، ويكون النظرُ فيها إلى المقنّنِ، أهو مِن المجتهدين، أم مِن المقلدين؟
(1)
انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (1/ 88).
(2)
انظر: المصدر السابق.
(3)
انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ 556).
(4)
انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (1/ 472).
(5)
انظر مثلًا: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (1/ 313)، ومناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ 451)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ 340)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ 239)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ 160)، ومدخل لدراسة الشريعة الإسلامية له (ص/ 301).
فإنْ كان مِن المجتهدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، وإنْ كانَ مِن المقلدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ:(التلفيق في التقليد).
وللدكتورِ محمدٍ الدويش كلامٌ محرّرٌ في المسألةِ، يقول: "لا يظهرُ أنَّ ثمةَ اختلافًا بيّنًا بين هذا النوعِ مِن التلفيق - أيْ: التلفيق في التقنين - وبين ما تقدم ذكرُه - أي: التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد - فإنْ أُخِذَت الأحكام المرادُ جمعها مِن المذاهب؛ بناءً على أنَّها ممَّا يدخلُ في إطارِ مجتهدي الأمة، دونَ النظرِ فيما استندَ قائلوها إليه فيها: فهذا هو التقليد
…
وإنْ أُخِذَت تلك الأحكامُ باعتبارِ أولويتها بالأخذِ، ورجحان ما بُنِيتْ عليه: فهذا هو التلفيقُ في الاجتهادِ عينه، وعلى هذا لا يبدو فرقٌ بيّنٌ بينها"
(1)
.
ويظهرُ لي أنَّ سببَ عدمِ معارضةِ بعضِ الباحثين للتلفيقِ في التقنين بوجودِ التلفيقِ المختلف فيه، هو ما رأوه مِنْ مصالح كبيرةٍ للتقنين تستوجبُ غضَّ الظرفِ عمَّا ما قد يصاحبُه مِنْ وقوعٍ في التلفيقِ.
* * *
(1)
التلفيق وموقف الأصوليين منه (ص/ 197).