الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِذا كَانَ الْأَمر عَلَى مَا قُلْنَا، وَقد علمنَا أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
لم يدعهم فِي هَذِه الْأُمُور إِلَى الِاسْتِدْلَال بالأعراض والجواهر، وَذكر ماهيتها. وَلَا يُمكن لأحد من النَّاس أَن يروي فِي ذَلِكَ عَنهُ، وَلَا عَن أحد من الصَّحَابَة - رضى الله عَنْهُم - من هَذَا النمط حرفا وَاحِدًا فَمَا فَوْقه. لَا فِي طَرِيق تَوَاتر، وَلَا أحاد. فَعلمنَا أَنهم ذَهَبُوا
خلاف مَذْهَب هَؤُلاءِ، وسلكوا غير طريقهم، وَأَن هَذَا طَرِيق مُحدث مخترع لم يكن عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ - وَلَا أَصْحَابه. وسلوكه يعود عَلَيْهِم بالطعن، والقدح، ونسبتهم إِلَى قلَّة الْعلم فِي الدّين واشتباه الطَّرِيق عَلَيْهِم. فإياك - رَحِمك الله - أَن تشتغل بكلامهم، وَلَا تغتر بِكَثْرَة مقالاتهم فَإِنَّهَا سريعة التهافت كَثِيرَة التَّنَاقُض، وَمَا من كَلَام تسمعه لفرقة مِنْهُم إِلَّا ولخصومهم عَلَيْهِ كَلَام يوازيه أَو يُقَارِبه.
فَكل بِكُل معَارض، وَبَعض بِبَعْض مُقَابل، وَإِنَّمَا يكون تقدم الْوَاحِد مِنْهُم وفلجه عَلَى خَصمه بِقدر حَظه من الْبَيَان، وحذقة فِي صناعَة الجدل عَلَى أصُول لَهُم، ومناقضات عَلَى أَقْوَال حفظوها عَلَيْهِم، فهم يطالبونهم بقودها فَمن تقاعد مِنْهُم عَن ذَلِكَ سموهُ من طَرِيق الجدل مُنْقَطِعًا، وحكموا بالفلج لخصمه. والجدل لَا يتَبَيَّن بِهِ حق وَلَا يقوم بِهِ حجَّة، وَلَو أنصفوا فِي المحاجة لزم الْوَاحِد
مِنْهُم أَن ينْتَقل عَن مذْهبه كل يَوْم كَذَا وَكَذَا مرّة، لما يُورد عَلَيْهِ من الإلزامات، وتراهم ينقطعون فِي الْحجَّاج وَلَا ينتقلون، وَهَذَا هُوَ الدَّلِيل عَلَى أَنه لَيْسَ قصدهم طلب الْحق. إِنَّمَا طريقهم إتباع الْهوى فَحسب.
وَمن قَبِيح مَا يلْزمهُم فِي اعْتِقَادهم، أَنا إِذا بَينا الْحق عَلَى مَا قَالُوهُ، وأوجبنا طلب الدّين بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكرُوهُ، وَجب من ذَلِكَ تَكْفِير الْعَوام بأجمعهم لأَنهم لَا يعْرفُونَ إِلَّا الِاتِّبَاع الْمُجَرّد. وَلَو عرض عَلَيْهِم طَرِيق الْمُتَكَلِّمين فِي معرفَة الله تَعَالَى، مَا فهمه أَكْثَرهم، فضلا من أَن يصير فِيهِ صَاحب اسْتِدْلَال وحجاج، وَإِنَّمَا غَايَة توحيدهم الْتِزَام مَا وجدوا عَلَيْهِ سلفهم، وأئمتهم فِي عقائد الدّين والعض عَلَيْهَا بالنواخذ، والمواظبة عَلَى وظائف الْعِبَادَات، وملازمة الْأَذْكَار بقلوب سليمَة طَاهِرَة عَن الشُّبُهَات والشكوك. تراهم لَا يحيدون عَمَّا اعتقدوه، وَإِن قطعُوا إربا إربا.
فهنيئا لَهُم هَذَا الْيَقِين وطوبى لَهُم هَذِهِ السَّلامَة، فَإِذا كفرُوا هَؤُلاءِ وَهُوَ السوَاد الْأَعْظَم وَجُمْهُور الْأمة، فَمَا هَذَا إِلَّا طي بِسَاط الْإِسْلَام، وَهدم منار الدّين وأركان الشَّرِيعَة، وإلحاق هَذِه الدَّار بدار الْكفْر وَجعل أهليها بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، وَمَتى يُوجد فِي الألوف من الْمُسلمين عَلَى الشَّرْط الَّذِي يراعونه بتصحيح معرفَة الله تَعَالَى؟ أَو لَا يجد مُسلم ألم هَذِهِ الْمقَالة القبيحة الشنيعة؟ ، وَالله تَعَالَى يَكْفِي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة شرهم وَيرد كيدهم فِي نحرهم، وَيلْحق بهم عَاقِبَة مَكْرهمْ.