الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكَانَ السَّبَب فِي اتِّفَاق أهل الحَدِيث أَنهم أخذُوا الدّين من الْكتاب وَالسّنة، وَطَرِيق النَّقْل، فأورثهم الِاتِّفَاق والائتلاف. وَأهل الْبِدْعَة أخذُوا الدّين من المعقولات والآراء، فأورثهم الِافْتِرَاق وَالِاخْتِلَاف، فَإِن النَّقْل وَالرِّوَايَة من الثِّقَات والمتقنين قَلما يخْتَلف، وَإِن اخْتلف فِي لفظ أَو كلمة، فَذَلِك اخْتِلَاف لَا يضر الدّين، وَلَا يقْدَح فِيهِ.
وَأما دَلَائِل الْعقل فقلما تتفق، بل عقل كل وَاحِد يري صَاحبه غير مَا يرى الآخر، وَهَذَا بَين وَالْحَمْد لله، وَبِهَذَا يظْهر مُفَارقَة الِاخْتِلَاف فِي مَذَاهِب الْفُرُوع اخْتِلَاف العقائد فِي الْأُصُول، فَإنَّا وجدنَا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ -
وَرَضي عَنْهُم، اخْتلفُوا فِي أَحْكَام الدّين فَلم يفترقوا، وَلم يصيروا شيعًا، لأَنهم لم يفارقوا الدّين، ونظروا فِيمَا أذن لَهُم فاختلفت أَقْوَالهم وآراؤهم فِي مسَائِل كَثِيرَة، مثل مسالة الْجد، والمشتركة
،
وَذَوي الْأَرْحَام، وَمَسْأَلَة الْحَرَام وَفِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَغير ذَلِكَ مِمَّا يكثر تعداده؛ من مسَائِل الْبيُوع، وَالنِّكَاح، وَالطَّلَاق، وَكَذَلِكَ فِي مسَائِل كَثِيرَة من بَاب الطَّهَارَة، وهيئات الصَّلَاة، وَسَائِر الْعِبَادَات، فصاروا باختلافهم فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء محمودين، وَكَانَ هَذَا النَّوْع من الِاخْتِلَاف رَحْمَة من الله لهَذِهِ الآمة حَيْثُ أَيّدهُم بِالْيَقِينِ، ثمَّ وسع عَلَى الْعلمَاء النّظر فِيمَا لم يَجدوا حكمه فِي التَّنْزِيل وَالسّنة، فَكَانُوا مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف أهل مَوَدَّة، ونصح، وَبقيت بَينهم أخوة الْإِسْلَام، وَلم يَنْقَطِع عَنْهُم نظام الألفة، فَلَمَّا حدثت هَذِهِ الْأَهْوَاء المردية الداعية صَاحبهَا إِلَى النَّار، ظَهرت الْعَدَاوَة، وتباينوا وصاروا أحزابا، فَانْقَطَعت الْأُخوة فِي الدّين، وَسَقَطت الألفة. فَهَذَا يدل عَلَى أَن هَذَا التباين، والفرقة؛ إِنَّمَا حدثت من الْمسَائِل المحدثة، الَّتِي ابتدعها
الشَّيْطَان فألقاها عَلَى أَفْوَاه أوليائه ليختلفوا، وَيَرْمِي بَعضهم بَعْضًا بالْكفْر فَكل مَسْأَلَة حدثت فِي الْإِسْلَام فَخَاضَ فِيهَا النَّاس فَتَفَرَّقُوا وَاخْتلفُوا، فَلم يُورث ذَلِكَ الِاخْتِلَاف بَينهم عَدَاوَة وَلَا بغضاء وَلَا تفَرقا، وَبقيت بَينهم الألفة، والنصيحة، والمودة، وَالرَّحْمَة، والشفقة، علمنَا أَن ذَلِكَ من مسَائِل الْإِسْلَام يحل النّظر فِيهَا، وَالْأَخْذ بقول من تِلْكَ الْأَقْوَال لَا يُوجب تبديعاً، لَا تكفيرا كَمَا ظهر مثل هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَقَاء الألفة والمودة، فَكل مَسْأَلَة حدثت فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فأورث اخْتلَافهمْ فِي ذَلِكَ التولي والإعراض، والتدابر والتقاطع، وَرُبمَا ارْتقى إِلَى التفكير، علمت أَن ذَلِكَ لَيْسَ من أَمر الدّين فِي شَيْء بل يجب عَلَى كل ذِي عقل أَن يجتنبها، ويعرض عَن الْخَوْض فِيهَا، لِأَن الله شَرط فِي تمسكنا بِالْإِسْلَامِ أَنا نصبح فِي ذَلِكَ إخْوَانًا فَقَالَ سبحانه وتعالى:{واذْكُرُوا نعْمَة اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} .
فَإِن قَالَ قَائِل: إِن الْخَوْض فِي مسَائِل الْقدر وَالصِّفَات، وَشرط الْإِيمَان يُورث التقاطع والتدابر وَالِاخْتِلَاف، فَيجب طرحها، والإعراض عَنْهَا عَلَى مَا زعمتم.