الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل فِي بَيَان خطأ من أنكر أَن يكون فِي الْمُصحف الْقُرْآن
يُقَال لَهُ: لم أنْكرت أَن يكون فِي الْمُصحف قُرْآن؟ فَيَقُول: لِأَن الْمُصحف فِيهِ الحبر والكاغد - والحبر والكاغد - لَا يكون قُرْآنًا، وَكَذَا كِتَابَة الْقُرْآن عَلَى الجدران، وحواشي الثِّيَاب والبسط، إِنَّمَا هُوَ طين وَلَا زورد، وَنقش لَيْسَ بقرآن، لِأَن الْقُرْآن لَا يكون طينا وَلَا زوردا، وَهَذِه الْأَشْيَاء مخلوقة، وَالْقُرْآن لَيْسَ بمخلوق.
يُقَال: لَهُ: إِن كل عَاقل يعلم أَن الحبر والكاغد، لَا يكون قُرْآنًا. وَلَكِن الحبر إِذا كتب لَهُ الْقُرْآن فَتلك الْكِتَابَة تسمى قُرْآنًا، لِأَن بهَا يتَوَصَّل إِلَى قِرَاءَة الْقُرْآن وإظهاره، والإخبار عَنهُ، فَهُوَ ملازم لَهُ لُزُوم جُزْء من أَجْزَائِهِ، يُوجد الْقُرْآن بِوُجُودِهِ، ويعدم بِعَدَمِهِ، وَإِذا وجد الشَّيْء بِوُجُود الشَّيْء وَعدم بِعَدَمِهِ فَهُوَ ذَلِكَ الشَّيْء بِعَيْنِه، وَهَذَا كالاسم والمسمى. وَالِاسْم هُوَ الْمُسَمّى بِعَيْنِه لِأَن الِاسْم يُوجد بِوُجُود الْمُسَمّى، ويعدم بِعَدَمِهِ، فَدلَّ أَنه هُوَ بِعَيْنِه.
أَلا ترى أَن حَالفا لَو حلف أَن لَا يقْرَأ الْقُرْآن، وَلَا ينظر فِيهِ فَقَرَأَ كِتَابَة الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَنظر فِيهِ حنث فِي يَمِينه، كَمَا أَنه لَو حلف أَن لَا يضْرب زيدا فَضرب شخصه حنث فِي يَمِينه، وَلَو كَانَ الِاسْم غير الْمُسَمّى لم يكن حانثا فِي يَمِينه، لِأَنَّهُ ضرب شخصه، وَلم يضْرب زيدا الَّذِي هُوَ اسْمه، وَقد حلف عَلَى اسْمه وَلَو يحلف عَلَى شخصه، وذاته الْمُسَمّى بِهِ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ:
طلقت هندا فَطلق شخصها وذاتها لم يُطلق اسْمهَا فَقَط، وَلَكِن طلق شخصها وَاسْمهَا كَذَلِك كِتَابَة الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَغَيره.
وَلِأَن الله تَعَالَى ذكر الْكتاب فِي عدَّة مَوَاضِع من الْقُرْآن، وَسَماهُ قُرْآنًا، وَأَرَادَ بِهِ الْقُرْآن، أَلا ترى أَنه قَالَ:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون} وَقَالَ: {الر كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك} فَسمى الْكِتَابَة قُرْآنًا. أَيْن كَانَت؟ لِأَن الْكِتَابَة وَالْكتاب مَعْنَاهُمَا وَاحِد يَقُول: كتبت الْكتاب أكتبه كتابا، وَكِتَابَة وهما شَيْء وَاحِد.
وَلِأَن كِتَابَة الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَغَيره. إِذا عدمت من الْمُصحف وَغَيره لم يُمكن قِرَاءَة الْقُرْآن مِنْهُ وَبَقِي الْمُصحف بَيَاضًا لَا شَيْء فِيهِ، فَدلَّ أَن ذَلِكَ مُتَعَلق بِالْكِتَابَةِ، وَأَنَّهَا كالوعاء الملازم لِلْقُرْآنِ.
وَلِأَن مصحف الْقُرْآن لَا يَخْلُو من أَن يكون فِيهِ قُرْآنًا، أَو لَا يكون فِيهِ قُرْآن.