الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
احتياط الصحابة وتثبتهم من الراوي والمروي:
حين كان الصحابة يتلقون الحديث مباشرة أو بواسطة، زمن حياته صلى الله عليه وسلم كانوا في مأمن من أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يدس في سنته فلا مكان لخديعة منافق أو تدليس غاش، إذ إن الوحي ينزل فيكشف زيف المبطلين ويظهر خبأهم:{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} 1.
وإذا عرض خلاف في مسألة ما، أو لاحت ريبة، فالملاذ موجود لا عليهم إلا أن يرجعوا إليه ليحسم أي خلاف ولتزول أية شبهة، بل ويندفع الخاطر أو الهاجس، فلما انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى، لم يكن هناك حارس للسنة، ولا وعاء لها إلا صدور الصحابة، ومن هنا نظروا إليها على أنها كنوز ثمينة في صدور الذين أوتوا العلم، فلم يشاءوا أن يعرضوها في سوق الرواية لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذريعة للتزيد فيها، وسلما لتزييف الحديث عن رسول الله، ولئلا تزل بالمكثرين أقدامهم، فيسقطوا في هوة الخطأ، والنسيان ليكذبوا على رسول الله من حيث لا يشعرون.
ومن هنا احتاطوا في الرواية، وتقللوا منها ليس إقلالا لشأنها، وإنما
1 سورة التوبة: 64.
تعظيما وتكريما للسنة، قال ابن قتيبة: "كان عمر شديدا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها، ويدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.
وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقلون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته، فإن حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر"1.
والتزم الصحابة منهاج عمر رضي الله عنه، وأتقنوا أداء الحديث، وضبطوا حروفه ومعناه، وكانوا يخشون كثيرا أن يقعوا في الخطأ لذلك نرى بعضهم -مع كثرة تحملهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إن منهم من كان لا يحدث حديثا في السنة، ونرى من تأخذه الرعدة يقشعر جلده، ويتغير لونه ورعا واحتراما لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهد هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عن "عمر بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه،
1 تأويل مختلف الحديث، 39.
قال: فما سمعته يقول بشيء قط: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فنكس. قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيها بذلك"1.
ويصرح أنس بسبب إقلاله الرواية فيقول: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم"2.
ولشدة دقة أنس وحيطته في الرواية كان يقول عند فراغه منها: "أو كما قال".
هكذا احتاط الصحابة رضوان الله عليهم في الرواية، وحاذروا الكذب عليه، ووضعوا نصب أعينهم شدة تحذيره منه، كانوا يعلمون أن كذبا عليه ليس ككذب على أحد، وأن من كذب عليه متعمدا يلج النار، بل إن منهم من روى ذلك من غير قيد:"متعمدا".
ولقد اعتبر صلى الله عليه وسلم أن تحديث المرء بكل ما سمع كذب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"3.
1 سنن ابن ماجه، ج1، ص10-11. وقال البوصيري عن إسناد هذا الحديث الذي انفرد به ابن ماجه:"هذا إسناد صحيح، واحتج الشيخان بجميع رواته". مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ج1، ص48، ورواه الدارمي ج1، ص83.
2 سنن الدارمي ج1، ص76-77.
3 صحيح مسلم بشرح النووي ج1، ص73.
وعن عمر رضي الله عنه قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع"1.
ومضى يقينهم إلى أبعد من ذلك، إلى حد أن من حدث عنه بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكذابين، والأخبار في تغليظ حرمة الكذب عليه تبلغ حد التواتر، ولو لم يكن الكذب حرامًا ما كذب هؤلاء الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه.
من هنا نستطيع أن نقول: إن أهم أسباب إقلال الرواية هو خوفهم من الوقوع في الكذب، وإشفاقهم على أنفسهم من أن يخطئوا في النقل، وتستطيع أن تضم إلى ذلك رغبتهم في أن يقتنع المنقول إليه الخبر فيما أخبر به، فلا بد أن يكون المنقول مما تقبله العقول حتى لا يكون فتنة ومحنة، قال ابن مسعود:"ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"2.
وفي نفس المعنى يقول علي رضي الله عنه: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله"3.
سار الصحابة على الهدي النبوي في هذا الصدد فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس خشية أن يفتنوا فيتركوا بعض الفرائض الدينية.
1 المرجع السابق ج1 ص74-75.
2 المرجع السابق ج1 ص76.
3 فتح الباري ج1 ص235-236.
تثبت الصحابة رضوان الله عليهم:
عني الصحابة عناية فائقة بالأخبار، وبذلوا غاية الوسع في التثبت منها امتثالا لأمر الله تعالى ووقوفا عند هدى نبيه، فقد قرءوا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} 1.
ولا يعد تثبتهم من الأخبار واستيثاقهم طعنا منهم في راوي الخبر، وإنما هو حرص على سلامة النقل، واحتياط للأمر، وتقوية له، فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد، فما اطمأنت قلوبهم إليه بحيث لم يشكوا في حفظ راويه أو ضبطه قبلوه وعملوا به من غير أن يطلبوا عليه شاهدًا أو برهانا، وما تطرق إليه الشك استوثقوا منه وطلبوا وجه اليقين فيه.
وقد ساق الإمام الذهبي شواهد ذلك عند ترجمته لكثير من الصحابة، قال في ترجمة أبي بكر:"وكان أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، ما علمت أن رسول لله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه"2.
1 سورة الحجرات: 6.
2 تذكرة الحفاظ ج1 ص2، وحجة الله البالغة ج1 ص141.