الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مصليا أو غير مصلٍ. أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج، فليس من الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية.
وهل يختص هذا الحكم بالنداء أو يشتمل ما هو أعم حتى تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث، قد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة في قصة ذي اليدين كان كذلك1.
1 فتح الباري ج1 ص225.
القرآن يواصل حديثه عن استواء طاعة الله ورسوله في الوجوب:
ويتواصل حديث القرآن في وجوب طاعة الله ورسوله، فيرد في السورة التي أنزلها وفرضها، وأنزل فيها آيات بينات على ثلاث حلقات:
الأولى:
في معرض تبكيت المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم طوع أمره، لا يقومون على عصيانه، فينهاهم عن القسم ويبالغ في تسفيههم في ادعائهم الطاعة، فهي طاعة معروفة واضحة بينة المعالم والخصائص جلية منكشفة، سيما والمراقب لها هو الخبير بكل أعمالهم الذي لا تخفى عليه خافية، ثم يقول لحبيبه ومصطفاه موجها له أن يأمر هذا الأمر العام المقرون بإعفاء كل فريق من تبعة الآخر وجريرته {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} 1.
1 سورة النور: 54.
وتجيء الحلقة الثانية: بعد الأولى بآية واحدة مبدوءة بأمر خاص، متدرج في العام الذي يتلوه تنبيها على شرف الخاص والعام، فإذا استحق الخاص أن يفرد بالذكر، وأن يسارع إلى إيراده، فكيف بالعام الذي يندرج الخاص تحت أفراده؟ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 1.
ثم تجيء الحلقة الثالثة: في إطار الإظهار لمزيد العناية، والاهتمام بأمر المطاع، المربي، المعلم صلى الله عليه وسلم، فبعد ثناء رباني عاطر على المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، ومدح لهم ببعض ما وهبهم، ووفقهم إليه من التزام جانب الأدب مع القائد، وترك الاستئذان عن مصاحبته، والذهاب معه إلى الميدان، متى كانت لهم مندوحة عن الاستئذان فهم لا يستأذنونه إلا لعذر قهري، لذا أمر أن يقبل عذرهم فيأذن لهم. ومزيدا من التكريم والتفخيم لشأنه العظيم، أطلق مشيئة في الإذن ولم يحددها إلا بدائرة تحقق العذر للمستأذن، بعد ذلك يحيطه بهالات من الوقار، ويكسوه ثوب الجلال والإكبار، فهو المتواضع الذي رفعه تواضعه فوق القاطبة فلا يصح أن ينادى بما يتنادون هم به، ولا أن يعامل منهم إلا على أنه المربي الوقور، والقائد الجسور الذي يُهاب ولا يَهاب، وتتقاصر الأحداق، وتضعف دون طلعته {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 2.
1 سورة النور: 56.
2 سورة النور: 63.
هكذا بلغت الأنظار "إلى ضرورة توقير الرسول صلى الله عليه وسلم عند الاستئذان، وفي كل الأحوال، فلا يدعى باسمه: يا محمد، أو كنيته: يا أبا القاسم، كما يدعو المسلمون بعضهم بعضا، إنما يدعى بتشريف الله له وتكريمه: يا نبي الله، يا رسول الله.
فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم -حتى نستشعر توقير كل كلمة منه، وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية، فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم، يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير، ثم يحذر المنافقين الذين يتسللون ويذهبون بدون إذن، يلوذ بعضهم ببعض، ويتدارى بعضهم ببعض فعين الله عليهم، وإن كانت عين الرسول لا تراهم:
{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} ، وهو تعبير يصور حركة التخلي والتسلل بحذر من المجلس، ويتمثل فيها الجبن عن المواجهة، وحقارة الحركة والشعور المصاحب لها في النفوس {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، وإنه لتحذير مرهوب، وتهديد رهيب.
فليحذر الذين يخالفون عن أمره، ويتبعون نهجا غير نهجه، ويتسللون من الصف ابتغاء منفعة أو اتقاء مضرة، ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس، وتختل فيها الموازين، وينتكث فيها النظام، فيختلط الحق