الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
الإمام مالك:
اسمه ونسبه ومولده ومكانته:
إمام دار الهجرة وعالمها ومحدثها وفقيهها، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي الحميري، من ذرية ملوك حمير، وهو عربي أصيل، ولم يختلفوا في أنه من ولد قحطان، وإن اختلفوا في كونه أصبحيا أو كونه تيميا أو مولى لبني تيم بن مرة، والصحيح أن إطلاق مولى عليه ليس إلا بمعنى الحليف.
وقد ولد رضي الله عنه، بالمدينة سنة ثلاث وتسعين على الأصح، وقيل سنة أربع أو خمس وتسعين.
والمدينة إبان مولده مليئة بالعلم والعلماء غاصة بالمحدثين والفقهاء مما هيأ لاستقراره بها وعدم ارتحاله خارجها كما كان دأب المشتغلين بالعلم آنذاك، وعن كبار التابعين وأئمة المحدثين أخذ مالك فجالس ابن هرمز سبعة عشرة عامًا، واستفاد به كثيرا، كما جالس ابن شهاب الزهري فكان أثبت الناس في الرواية عنه وعن غيره.
= ص284-285، والخطيب في تاريخ بغداد ج13، ص323-424، ابن حبان في المجروحين ج3، ص61-73، الذهبي في الكاشف ج3، ص181، تذكرة الحفاظ ج1، ص168-169، ميزان الاعتدال ج4، ص265، ابن كثير في البداية والنهاية ج1، ص107-108، ابن حجر في تهذيب التهذيب ج10، ص449، ابن خلكان في الوفيات، ج5، ص415-423، السيوطي في طبقات الحفاظ ص73، ترجم له الأستاذ الشيخ أبو زهرة في مجلد كامل يقارب الخمسمائة صفحة "أبو حنيفة حياته وعصره وآراؤه وفقهه، في تاريخ المذاهب الإسلامية ص347-387. وغيرهم كثير.
وقد روى عنه في الموطأ مائة واثنتين وثلاثين حديثا، واشتهر أخذه عن نافع، وهو أصح الناس عنه، ولقي عطاء بن أبي رباح حين قدم المدينة، كما جالس يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، وأثمرت هذه المجالسة إمامته أهل الحجاز في الفقه والحديث، وجعلته شيخ الإسلام وأحد الهداة الأعلام الذين طبقت شهرتهم كل مكان وسار بذكرهم الركبان، وارتحل إليهم، وفوخر بالأخذ عنهم ويكفي الإمام مالك فخرا أن يجلس إليه، ويتهادى بين يديه حتى إنه ليكون كالصبي أمام أبيه إجلالا وتوقيرا وتواضعا وأدبا إمام الفقهاء وشيخهم أبو حنيفة.
وتضم مدرسة الإمام علم الأعلام الفقيه المحدث الأديب الفارس المقدام محمد بن إدريس الشافعي، ويجلس بين مالك مجلس التلميذ من الخلفاء اثنان المهدي وهارون الرشيد، ناهيك عن اعتزام أبي جعفر المنصور به وإعزازه لعمله حتى إنه في المدينة يتقدم على أميرها، فيأمر ويضرب ويحظى بشرف الأخذ عن الإمام من الأمراء معن بن عيسى وغيره، ومن أكابر العلماء محمد بن الحسن ويحيى بن يحيى الأندلسي، وعبد الله بن مسلمة والقمني ابن أخته وإسماعيل بن إدريس ابن أخيه، وعبد الله بن مبارك، والليث بن سعد، وخلق لا يحصون كثرة.
ومن دلائل فضله وشواهد نبله ورسوخ قدمه في العلم رواية بعض شيوخه عنه كالزهري وابن سعيد الأنصاري.
وقد جمع الإمام مالك بين الفقه والحديث، فكان فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء بلا منازع.
وأكثر العلماء مجمعون على أنه المعني بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: "ويوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم"، وفي رواية:"يلتمسون العلم فلا يجدون عالما أعلم"، وفي رواية:"أفقه من عالم المدينة"، وفي رواية:"من عالم بالمدينة"1.
وقد أثنى عليه الكثيرون: قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي: من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء. وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. وقال أيضا: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.
وقال ابن وهب: لولا مالك والليث لضللنا. وقال هو عن نفسه: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. ولسبقه وتقدمه جلس للتحديث والفتوى ومجالس شيوخه مقامه فكان مجلسه أشد مزاحمة.
وكان رضي الله عنه شديد الاعتزاز بالعلم جوادا كريما سمح المحيا وكان مهيبا نبيلا ليس في مجلسه شيء من المراء واللغط ورفع الصوت، وكان يقول الدنو من الباطل هلكة والقول بالباطل بعد عن الحق ولا خير في شيء، وإن كثر في الدنيا بفساد دين المرء ومروءته.
وكان من تعظيمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد أن يحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم
1 أخرجه الترمذي في كتاب العلم باب: ما جاء في عالم المدينة ج5، ص47، والحاكم في المستدرك ج1، ص90-91، وابن أبي حاتم في المقدمة ص11-12، والخطيب في تاريخ بغداد في عدة مواضع.
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أدبه الفائق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يركب دابة بالمدينة ويقول: إني لأستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة.
وقد أورثه إجلاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا وهيبة ووقارا وبهاء وإكبارا، فقد دخل على أبي جعفر المنصور، وهو على فراش ملكه، فإذا بصبي يخرج، ثم يرجع، فقال له أبو جعفر: أتدري من هذا؟ قال: لا. قال: ابني وإنما يفزع من هيبتك. ثم سأله عن أشياء منها حلال ومنها حرام فلما أجابه قال له: أنت والله أعقل الناس وأعلم الناس. قال: لا والله يا أمير المؤمين. قال: بلى ولكنك تكتم، لئن بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف ولأبعثن به إلى الآفاق لأحملهم عليه.
وأجازه المهدي بثلاثة آلاف، ثم طلب منه أن يصحبه إلى مدينة السلام فأجابه.
"قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" ، والمال عندي على حاله، ولما قدم الرشيد المدينة طلب منه أن يسمعه الحديث، فقال الإمام أنا يقرأ علي ولا أقرأ على أحد، فقال: أخرج الناس عني حتى أقرأ أنا عليك. فقال: إذًا العام لأجل الخاص لم ينتفع الخاص، فأمر الرشيد وزيره معن بن عيسى فقرأ.
وذكر أنه دعاه ليقرأ الموطأ على بنيه، فأبى قائلا: العلم يؤتى إليه، ولا يأتي إلى أحد، فكان أولاد الخليفة يحضرون مجلسه مع سائر الناس، وتضرب عليهم قبة. قال الذهبي: وقد اتفق لمالك مناقب ما علمتها اجتمعت لغيره
أحدها: طول العمر وعلو الرواية، وثانيتها: الذهن الثاقب والفهم وسعة العلم، وثالثتها: اتفاق الأئمة على أنه حجة صحيح الرواية، ورابعتها: تجمعهم على دينه وعدالته واتباعه السنن، وخامستها: تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعده.
ولا يصير مالكا ولا يغض من قدره افتيات البعض عليه وتزيدهم في حقه كابن إسحاق الذي نقم على مالك مكانته وجلالته، فراح ينتقصه ويدعي أنه من الموالي ويقول: ائتوني بعلم مالك فأنا بيطاره وذكروا أن ابن أبي ذؤيب شارك ابن إسحاق حملته على الإمام مالك، ولعل ذلك منهما كان موقفا شخصيا أو خلافا فقهيا، وربما حقدا عليه؛ لأن مالكا كان يخالفهما ويطعن عليهما، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نقدوا مالكا لم يستطع أحدهما أن ينقد رواية من رواياته للحديث الشريف.
فهذه المسائل التي وجهت إلى الإمام لا تنقص من قيمته العلمية ولا من صحة روايته، وهي أقرب ما تكون إلى نقد المتنافسين بعضهم إلى بعض.
ومما أخذ على الإمام تخلفه عن حضور الجماعة واتباع الجنائز وعيادة المرضى مع تعهد السؤال عن الأمراء، ولا شك أن ذلك حدث منه في آخر عمره، ويبدو أن له فيه عذرًا فقد سئل عن سبب ذلك، فقال: ما كل الأعذار يستطيع المرء أن يبديها.
وقد امتد عمر مالك وقدر له أن يعايش تغيرات جذرية، وأن يراقب اضمحلال دولة بني أمية وسقوطها، وأن يواكب نشأة دولة بني العباس
وازدهارها وأن يعاصر ثورات العلويين ومحاولات كتبها وإخمادها، ولقد عرف عن الإمام عزوفه عن الفتن وإعراضه عن أهلها، فقد كان يؤثر الصمت ويلزم بيته عند اشتداد الأمر، ومع ذلك ناله عسف السلطان وظلم الحكم واضطهاده والإمارة.
فقد سجن وجلد وضرب ضربا مبرحا واختلف الروايات في سبب ذلك فقيل: إنه طلب للقضاء فأبى فاعتبر المنصور ذلك نوعا من التمرد عليه فأوعز بضربه وقيل: إنه شارك ولو بالتحريض في ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن الشهير بالنفس الزكية، وقيل: إنه حدث بحديث "ليس على مستكره طلاق" ففهم منه التحريض على التحليل من بيعة المنصور لكون الناس أكرهوا عليها.
وأيًّا ما كان الأمر فقد امتحن الإمام فصبر صبر المؤمنين الموقنين، ولم تطل فترة محنته، وإنما عاد سريعا إلى تبوء مكانته في نفوس العباسيين، فكان أثيرا عندهم محببا لديهم ذا حظوة ومنزلة.
وبعد حياة مباركة طيبة فياضة بالخير والبركة قضى الإمام نحبه، ولقي ربه في الحادي عشر أو الرابع عشر من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فرضي الله عن الإمام مالك وأرضاه وطيب ثراه وجعل الجنة مثواه.
وقد تركنا الإطالة في ترجمته للذين ترجموا له ولآثاره وتراثه منهم:
ابن سعد1، والإمام البخاري2، وابن أبي حاتم3، وابن النديم4، وابن الجوزي5، وابن خلكان6، والذهبي7، وابن كثير8، وابن فرحون9، وابن حجر10، والسيوطي11، وأستاذ الجيل الشيخ أبو زهرة12، والأستاذ الدكتور محمد محمد أبو زهو13، والأستاذ الدكتور مصطفى السباعي14، والأستاذ الدكتور محمد كامل حسين15، والأستاذ محمد أبو شهبة16.
1 في الطبقات الكبرى ج5، ص45.
2 في التاريخ الصغير ق2، ص220، 321.
3 في مقدمة الجرح والتعديل ج1، ص11-32.
4 في الفهرست ص280-282.
5 في صفة الصفوة ج2، ص177-180.
6 في وفيات الأعيان ج4، ص135-139.
7 في الكاشف ج3، ص112، تذكرة الحفاظ ج1، ص 207-213.
8 في البداية والنهاية ج10، ص174-175.
9 في الديباج المذهب ص55-135.
10 في تهذيب التهذيب ج10، ص5-9.
11 في طبقات الحفاظ ص89-90.
12 في مجلد كامل يقارب الأربعمائة صفحة بعنوان "مالك حياته وعصره، آراؤه وفقهه"، تاريخ المذاهب الإسلامية ص392-433.
13 في: "الحديث والمحدثون" ص287-290.
14 في السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص430- 438.
15 في تقدمة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي للموطأ ج1، في عشر صفحات من طي إلى حك.
16 في أعلام المحدثين ص45-70.
آثاره وتراثه:
مما لا ريب فيه أن عمر الإمام المديد مكنه من أن يخلف بعده الأثر المجيد والتراث الزاخر التليد، فقد أنفق جل وقته في خدمة العلم دراسة وفهما وإتقانا وهضما، ثم بكر بإفراز ما فهم وهضم حتى قيل: إنه جلس للإفتاء والتحديث، وهو في السابعة عشرة من عمره، وإن استبعد الشيخ أبو زهرة ذلك، فالقريب الذي لا ينكر أنه تصدر للفتوى والتحديث زمنا طويلا يقارب الثلاثة أرباع قرن، وكان يخصص للفقه أياما وللحديث أخرى قد امتاز، عن أقرانه بالسبق إلى تصنيف أكبر وأقدم مدون حديثي فقهي.
ولا يعترض على ذلك بما دونه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أو ابن شهاب الزهري أو بما عثر عليه من صحف للصحابة الكاتبين أو المستكتبين أو للتابعين رضي الله عنهم أجمعين، فلا سبيل إلى المقارنة بين ذلك كله وبين مصنف الإمام حجما وشهرة وحسن ترتيب وتبويب وتفننا في التصنيف والتأليف.
والناظر إلى آثار الإمام يلحظ أن أولها في القديم وأولاها بالتعظيم كتاب الموطأ ولتعلمن نبأه بعد حين.
ومن تراث مالك المنسوب وإن كان يجمع تلاميذه كتاب "المجالسات" لابن وهب، دون فيه ما سمعه من إمامه في مجالسه. وهو مجلد يشتمل على أحاديث وآثار وآداب رواها عن مالك. ومنه رسالة في القدر" أرسلها إلى تلميذه ابن وهب ورواها هذا عنه، ومنه "رسالته
في الأقضية" كتبها لبعض القضاة، وكذلك: رسالته في الفتوى، ولا سبيل إلى القطع بصحة نسبة هذه الآثار إليه، وإن كانت صحة نسبتها هي الأرجح لكن الذي لا يشك في صحة نسبته إليه وإنما هو "الموطأ".
ومن الآثار المعزوة إليه كتاب: النجوم، وحساب دوران الزمان، ومنازل القمر، وهو كتاب جيد مفيد جدا قد اعتمد الناس عليه في هذا الباب وجعلوه أصلا، ويبدو أنه ثمرة اتصاله بالإمام جعفر الصادق وأخذه عنه، فقد عرف الإمام الصادق بالبراعة في هذا الصدد، ومع ذلك شكك الأستاذ أبو زهرة في صحة نسبته إليه، ورأى أن ما عني به مالك وصرف إليه همته من الاشتغال بالكتاب والسنة ينافي الاشتغال بالنظر في النجوم والفلك أو على الأقل لم يكن في دائرة اهتمامه.
"الموطأ":
"أهميته بين كتب الحديث":
الموطأ من أشهر المصنفات الحديثية ورتبته تجيء بعد رتبة الصحيحين عند أكثر المحدثين منهم من يرى أنه بالتقديم عليهما قمين. قال الإمام الشافعي: ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، نقله السيوطي. ونقل عن ابن العربي المالكي أبي بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي صاحب عارضة الأحوذي وأحكام القرآن والعواصم من القواصم، والمتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة نقل عنه السيوطي قوله: الموطأ هو الأصل واللباب وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب
وعليهما بنى الجميع كمسلم والترمذي، ثم قال السيوطي:"وقال الحافظ مغلطاي: أول من صنف الصحيح مالك" وقال الحافظ ابن حجر: كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما "قلت: ما فيه من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة على الاحتجاج بالمرسل فهي أيضا حجة عندنا لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء.
وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمفضل قال: وجميع ما فيه من قوله بلغني ومن قوله عنم الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث لا تعرف أحدهما: إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن. والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمر مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. والثالث: قول معاذ: آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وضعت رجلي في الغرز أن قال حسن خلقك للناس. والرابع: إذا أنشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة. وقال بعض العلماء: إن البخاري إذا وجد حديثا يؤثر عن مالك لا يكاد يعدل به إلى غيره حتى إنه يرى في الصحيح عن عبد الله بن محمد بن
أسماء عن عمه جودية عن مالك1.
وقد دافع العلماء عن هذه الأحاديث الأربعة بأن معاني هذه الأحاديث صحيحة واستشهدوا لها بما في كتب السنة.
لكن الشيخ الشنقيطي في كتابه "إضاءة الحالك" نقل عن ابن الصلاح أنه وصل هذه الأحاديث الأربعة2.
وقد استظهر السيوطي أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء. وفي سبب تسمتيه ذكر السيوطي3 عن مالك قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ، ولفظه الموطأ بمعنى الممهد المنقح.
وقد جاء المهدي حاجا فسمعه منه وأمر له بخمسة آلاف دينار وتلاميذه بألف، ثم رحل إليه الرشيد في إحدى حججه مع أولاده وسمعه ورغب أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على العمل بما جاء به، فأجابه رحمه الله:"لا تفعل يا أمير المؤمنين إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب" فعدل الرشيد عن ذلك.
وقد لهجت الألسنة بالثناء على الموطأ شعرًا ونثرا فما قيل فيه شعرًا:
1 تنوير الحوالك ج1، ص6-9 بتصرف.
2 السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص433.
3 تنوير الحوالك ج1، ص7.
أقول لمن يروي الحديث ويكتب
…
ويسلك سبل الفقه فيه ويطلب
إن أحببت أن تدعى لدى الخلق عالمًا
…
فلا تعد ما تحوي من العلم يثرب
أتترك دارًا كان بين بيوتها
…
يروح ويغدو جبرائيل المقرب
ومات رسول الله فيها وبعده
…
بسنته أصحابه قد تأدبوا
وفرق شمل العلم في تابعيهمو
…
فكل امرئ منهم له فيه مذهب
فخلصه بالسبك للناس مالك
…
ومنه صحيح في المحس وأجرب
فبادر موطأ مالك قبل فوته
…
فما بعده إن فات للحق مطلب
ودع للموطأ كل علم تريده
…
فإن الموطأ الشمس والغير كوكب
ومن لم يكن كُتْبُ الموطا ببيته
…
فذاك من التوفيق بيت مخيب
جزى الله عنا في موطاه مالكا
…
بأفضل ما يجزى اللبيب المهذب
لقد فاق أهل العلم حيا وميتا
…
فصارت به الأمثال في الناس تضرب
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
إذا ذكرت كتب العلوم فحيهل
…
بكتب الموطا من تصانيف مالك
أصح أحاديثا وأثبت حجة
…
وأوضحها في الفقه نهجا لسالك
عليه مضى الإجماع في كل أمة
…
على رغم خيشوم الحسود المماحك
فعنه فخذ علم الديانة خالصا
…
ومنه استفد شرع النبي المبارك
وشد به كف الضنانة تهتدي
…
فمن حاد عنه هالك في الهوالك1
1 الديباج المذهب ج1، ص121-123.
منهج الإمام فيه:
وأخرج الإمام ابن عبد البر عن عمر بن عبد الواحد قال: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذوه في أربعين يوما ما أقل ما تفقهون فيه1. وهذا يدل على مبلغ الجهد الذي بذله الإمام في جمع هذا الكتاب وتحريه في الرواية، وليس أدل على هذا مما ذكره ابن الهباب أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة وينقحها ويهذبها حتى رجعت إلى خمسمائة.
وقد ألف الإمام مالك كتابه على الأبواب، ولم يتقيد فيه بالأحاديث المرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بل جمع فيه أيضا أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
وطريقته فيه: أن يذكر في مقدمة الموضوع ما ورد فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما ورد من أقوال الصحابة، ثم ما ورد من فتاوى التابعين، وقل أن يكونوا من غير أهل المدينة.
وأحيانا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجمع عليه بالمدينة، وقد يذكر بعض الآراء الفقهية له.
ولم يتقيد الإمام في موطئه بالمسند المتصل بل ذكر فيه المرسل والمنقطع والبلاغات "وهي التي يقول فيها مالك: بلغني أو نحوه من غير أن يبين من روى عنه"، كقوله: بلغني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: $"للمملوك طعامه وكسوته".
ولقد اعتنى الإمام مالك بالحديث رواية ودراية: ولذلك كانت أحاديثه في الموطأ منتقاة، ولقد وصف ابن عبد البر مالكا في روايته وصفا موجزا محكما، فقال:"إن مالكا كان من أشد الناس تركا لشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم تكلفا، وأتقنهم حفظا، ولذلك صار إماما".
هذا شأن المطأ في أحاديثه، أما فقهه: فقد كان بعضه تخريجا للأحاديث وبعضه بيانا للأمر الذي كان مجتمعا عليه بالمدينة، وبعضه بيانا لما كان عليه التابعون الذين التقى بهم، وبعضه رأيا اختاره من مجموع آرائهم، وبعضه رأيا رآه قد قاسه على ما علم، فهو شبيه بما علم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما اجتمع عليه أهل المدينة، وما نقله عن أهل العلم من الصحابة والتابعين.
عدد كتبه وأبوابه وأحاديثه وتقييمه:
قام الأستاذ الكبير محمود فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى بتحقيق كتاب الموطأ، فأتقن وأجاد وأحسن، وبلغ عدد كتبه واحدا وستين كتابا تشتمل على سبعمائة وثلاثة أبواب، وقد رقم الكتب مجتمعة، ثم أفرد كل كتاب بترقيم يخصه في الأبواب والأحاديث.
وقد تفاوتت عبارات العلماء في عدد أحاديث الموطأ قلة أو كثرة تبعا لتفاوت رواياته زيادة ونقصا.
قال أبو بكر الأبهري: جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا المسند
منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشرة، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون.
قال ابن حزم في كتاب مراتب الديانة: أحصيت ما في موطأ مالك فوجدت فيه من المسند خمسمائة ونيفا، وفيه ثلاثمائة ونيف مرسلا، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيه أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء. ومن هنا يتبين لنا تجاوز الذين قوموا الموطأ على الصحيحين واعتبروه اللباب، واعتبروا صحيح البخاري الأصل الثاني في هذا الباب كابن العربي وغيره.
وأما اعتبار الشافعي الموطأ أصح شيء بعد كتاب الله، فمرد ذلك وتأويله إلى أنه قاله قبل أن تشرق شمسا الصحيحين، ولو قدر له أن يعيش إلى زمنهما، وأن يقف عليهما لما قدم عليهما شيئا.
وقد عد ابن الأثير المتوفى سنة ست وستمائة في كتابه جامع الأصول من أحاديث الرسول الموطأ كسادس الكتب الستة، ورأى أنه أحق من سنن ابن ماجه بذلك، ولم يوافقه أكثر المحدثين على ما ذهب إليه، وقد مال ابن الصلاح وغيره إلى جعل الموطأ في الدرجة التي تلي الصحيحين.
والحق أن ما فيه من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاح كلها هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأما ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها فيعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما
تحويه الكتب الأخرى، وإنما لم يعده أكثر العلماء في الكتب الصحاح لكثرة ما فيه ما المراسيل والبلاغات والمنقطعات، وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك وغيره.
هذا وقد ذكر ابن عبد البر أن عدة أحاديث الموطأ من رواية يحيى بن يحيى ثمانمائة حديث وثلاثة وخمسون حديثا، وقد راجعت أنا النسخة المحققة. فوجدت عدد الأحاديث الموصولة والمرسلة ألفا وثمانمائة وأربعة عشر عدا الموقوف والآراء الفقهية.
وقد ذكر فضيلة الأستاذ الدكتور أبو شهبة أنه راجع عد ابن عبد البر فوجده دقيقا جدا، وقد قالوا: إن ما في موطأ الإمام محمد بن الحسن من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة، ومن بعدهم مسندة كانت أو غير مسندة ألف حديث ومائة وثمانية حديثا، منها عن مالك: ألف حديث وخمسة أحاديث، ومن غير طريقه مائة وخمسة وسبعون حديثا، منها عن أبي حنيفة ثلاثة عشرة حديثا، ومن طريق أبي يوسف أربعة والباقي عن غيرهما، وهذا يدل على أنه زاد في الموطأ ما ليس في رواية مالك قطعا.
روايات الموطأ وأشهر رواته:
هكذا يتبين لك أن الموطأ قد روي بروايات مختلفة تتفاوت في ترتيب الأبواب وعدد الأحاديث، وقد ذكر القاضي عياض أن الذي اشتهر من نسخ الموطأ نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون، وقال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي: الموطآت عن مالك أحد عشر
معناها متقارب، والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى، وموطأ ابن بكير، وموطأ أبي مصعب، وموطأ ابن وهب، ثم ضعف الاستعمال في الأخيرين.
وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنة 1139 في كتابه "بستان العارفين" المؤلف بالفارسية: إن نسخ الموطأ التي توجد في بلاد العرب في هذه الأيام متعددة عد منها ست عشرة نسخة، كل نسخة عن راو خاص"1.
ومن الموطآت المشهورة المشروحة التي تدور بين يدي الناس الآن موطأ يحيى بن يحيى الليثي، وموطأ محمد بن الحسن الشيباني، ولا يعترض على الموطأ بما بين رواياته من تفاوت بالزيادة أو النقصان أو بالتقديم والتأخير في الأبواب، ولأن الإمام مالكا رضي الله عنه ظل يرتب فيه ويحذف منه إلى قرب وفاته.
وقد مر بك أنه كان يشتمل على عشرة آلاف حديث، فما زالت معالجته إلى أن آل حاله إلى ما هو عليه، وليس بلازم أن قصد الناس في زمان سماعه، فتتحد الروايات عددا وتنظيما، وإنما الذي حدث تتابع السماع على الإمام، فروى كل ما سمع في زمانه، فتفاوتت النسخ لذلك، ولا يضير الموطأ هذا التفاوت فالمعول عليه صحة السماع وانضباط النقل. على أن الأئمة الشراح تعرضوا لبيان تلك الزيادات في بعض النسخ عن بعض، كما فعل ابن عبد البر في آخر كتابه التقصي، حيث أشار إلى زيادات "يحيى" ورتبها على حروف المعجم.
1 أعلام المحدثين ص56-57.
ونتعرف الآن على أهم وأشهر رواة الموطأ ونكتفي منهم بعلمين:
أولهما: محمد بن الحسن الشيباني
صاحب أبي حنيفة، كنيته أبو عبد الله، أصله من قرية من قرى دمشق، قدم أبوه العراق، فولد بواسط سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة ومسعر والنوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول، وكتب عن مالك بن أنس والأوزاعي وأبي يوسف، وسكن بغداد وحدث بها.
وقد أخذ عنه الشافعي حين قدم بغداد سنة أربع وثمانين ومائة، وناظره وأثنى عليه، وقد تولى ابن الحسن قضاء الرقة في عهد الرشيد، ثم عزل عنها.
وقد عرف بالزاهد والورع، والعزوف عن الدنيا والانصراف إلى العلم، وقد ذكر أنه ورث عن أبيه ثلاثين ألفا، أنفق نصفها على النحو والشعر، وأنفق النصف الثاني على الحديث.
قال عنه الشافعي: "ما رأيت حبرا سمينا مثله، ولا رأيت أخف روحا منه، ولا أفصح منه، كنت إذا سمعته يقرأ القرآن كأنما ينزل القرآن بلغته.
وقال أيضا: ما رأيت أعقل منه، كان يملأ العين والقلب، قال الطحاوي: كان الشافعي قد طلب من محمد بن الحسن كتاب السير فلم يجبه إلى الإعارة فكتب إليه:
قل للذي لم تر عيناي مثله
…
حتى كأن من رآه قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله
…
لعله يبذله لأهله لعله
قال: فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية. وقال إبراهيم الحربي:
قيل لأحمد بن حنبل: هذه المسائل الدقاق من أين هي لك؟ قال: من كتب محمد بن الحسن رحمه الله"1.
ولعل في أخذ محمد بن الحسن عن الإمام مالك واشتهار روايته، للموطأ وثناء الشافعي وأحمد عليه وهما من هما في الانتصار للسنة، والتعصب لأهلها لعل في ذلك كله ردا، بل وتأنيبا للخطيب الذي أطال2 في ترجمة أبي عبد الله وحاكى صنيعه معه صنيعه مع الإمام أبي حنيفة، حيث نقل ما يشعر بمدحه، ثم عاد فقلب ظهر المجن ونقل ما يشعر بذمه وقدحه، ويبدو أن الخطيب استمرأ هذا مع أصحاب الإمام أبي حنيفة، يرد على قدحه في محمد بن الحسن بما أورده هو عن كثيرين من الثناء العاطر عليه.
وقد توفي محمد بن الحسن في سنة تسع وثمانين ومائة نفس السنة التي توفي بها على بن حمزة بن عبد الله أبو الحسن المعروف بالكسائي أحد أئمة القراءات والنحو، وقيل: إنهما ماتا في يوم واحد، وقال عنهما الرشيد يوم بلغه نعيهما: دفنت اليوم اللغة والفقه جميعا.
ثانيهما: يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي
كنيته أبو محمد واسمه يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس، أصله من البربر من قبيلة، يقال لها: مصمودة، وتولى بني ليث فنسب إليهم.
1 البداية والنهاية ج10، ص202-203.
2 تاريخ بغداد ج2، ص17-182.
اشتغل بالعلم وسمع على شيوخ قرطبة، وكان من سماعاته بها "الموطأ"، ثم طلب سماعه عاليا فرحل إلى المشرق، وهو في الثامنة والعشرين من عمره فلقي الإمام مالكا وسمع الموطأ منه كاملا إلا بعض أبواب في كتاب الاعتكاف شك في سماعه إياها منه فرواها من غيره، وسمع في مكة من سفيان بن عيينة، وفي مصر من الليث بن سعد وابن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم.
وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته له، وكان مالك يسميه عاقل الأندلس، وسبب ذلك فيما يروى أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك تخرج فتراه؛ لأنه لا يكون بالأندلس؟ فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه عاقل أهل الأندلس، ثم عاد يحيى إلى بلاد الأندلس فانتهت إليه زعامة العلم بها، وبواسطته انتشر بها مذهب مالك، وتفقه به جماعة لا يحصون عددا وروى عنه خلق كثير.
قال ابن خلكان "وأشهر روايات الموطأ" وأحسنها رواية يحيى المذكور، وكان مع إمامته ودينه معظما عند الأمراء مكينا، عفيفا عن الولايات متنزها، جلت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرًا من القضاة عند ولاة الأمر هناك لزهده في القضاء وامتناعه منه، ثم نقل عن ابن بشكوال.
قوله: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيئته ومعتمده هيئة مالك"1.
وتوفي يحيى في شهر رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين:
أهم الكتب المؤلفة حول الموطأ وأشهر شروحه:
قال السيوطي فيما نقله عن القاضي عياض: "لم يعتن بكتب من كتب الحديث، والعلم اعتناء الناس بالموطأ فمن شرحه ابن عبد البر في التمهيد والاستذكار، وأبو الوليد بن الصفار وسماه الموعب"2.
وعدد السيوطي قدرا لا بأس به من أسماء شروحه وشراحه، وللسيوطي نفسه عدة كتب على الموطأ بعضها في رجاله وبعضها الآخر في شرحه، وفي وصل ما انقطع منه.
ويمكننا أن ننوع المصنفات على الموطأ إلى:
"أ" مختصراته:
وهي كثيرة من أشهرها مختصر الإمام أبي سليمان حمد بن أحمد بن محمد بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وهو صاحب
1 وفيات الأعيان ج6، ص143-146 "بتصرف"، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج11، ص300، والديباج المذهب، ص252-253.
2 تنوير الحوالك ج1، ص12.
"معالم السنن" في شرح سنن أبي داود و"أعلام السنن" في شرح البخاري و"غريب الحديث" وغيرها.
وممن اختصر الموطأ أيضا أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وممن اختصره أيضا ابن رشيق، القيرواني المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة.
"ب" شروحه:
انبرى لشرح الموطأ كثيرون قديما وحديثا وشرقا وغربا وكان من أبرزهم وأشهرهم عناية به:
1-
ابن عبد البر:
وهو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، المولود سنة: ثمان وستين وثلاثمائة وطلب العلم في الصغر، وتتلمذ على شيوخ قرطبة حاضرة الخلافة الإسلامية بالأندلس، الفردوس المفقود الذي حوى أعرق الحضارة وأرقاها، وكان سفيرا فوق العادة للنهضة الإسلامية في أواسط أوربا.
وقد كان لابن عبد البر اليد الطولى على الثقافة الإسلامية نظرا لما تركه من المصنفات العلمية النافعة، والتي كان من أبرزها "كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، ثم كان له على "الموطأ" أكثر من كتاب.
وقد توفي ابن عبد البر سنة ثلاث وستين وأربعمائة بعد عمر مديد،
وترات زاخر تليد، حمل معاصره ابن حزم على أن يقول فيه:"له تآليف لا مثيل لها في جميع معانيها"، وقال الذهبي:"علا سنده وجمع وصنف ووثق وضعف وسارت بتصانيفه الركبان، وخضع لعمله علماء الزمان"1.
ومن أشهر مصنفات ابن عبد البر على الموطأ "كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، قال عنه ابن حزم:"التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلا، فكيف أحسن منه؟ ".
وقد كان العلماء قبل ابن عبد البر، وفي عصره يشرحون الموطأ فيعتنون بالأحاديث المرفوعة فقط دون أن يعطوا للأحاديث المرسلة والمنقطعة أيما اهتمام، وهذا ما دعا ابن عبد البر ليؤلف شرحه هذا، وكان منهجه فيه يختلف عن منهج الشراح والمعلقين فالناظر فيه يخيل له أنه كتاب مغاير للموطأ، فلقد سار فيه على الوجه التالي:
"أ" وضع للكتاب مقدمة احتوت على جمل من العلم مهمة فذكر جملة من الأخبار الدالة على البحث عن صحة النقل، ووضع المتصل والمرسل والحديث عن الإمام مالك والموطأ.
"ب" رتب الموطأ كترتيب المعاجم، فرتبه على شيوخ مالك، ورتب الشيوخ على حروف المعجم مقدما من مرويات الشيخ الأحاديث المتصلة، ثم ما اختلف في اتصاله، ثم المنقطع، ثم المرسل، ثم يأتي إلى الأحاديث المنقطعة
1 تذكرة الحفاظ ج3، ص1129.
فبين اتصالها إما من موطأ آخر، وإما من طريق غير طريق مالك وكذا المرسلة:
"ج" اقتصر في دراسته على الأحاديث المضافة إلى رسول الله صلى عليه وسلم أما الآراء فلم يتعرض لها في كتابه هذا لأنه أفرد لها كتابا خاصا.
"د" أثناء شرحه يتكلم عن الرواة، ويبين حالهم من التعديل والتجريح، ويتكلم على آراء العلماء في المسائل في ضوء مذهب مالك مع ميل بين إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه وعن الجميع.
ومن كتب ابن عبد البر على الموطأ "الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار مما رسمه مالك في موطئه من الرأي والآثار" والمادة العلمية التي في هذا الكتاب هي التي في التمهيد، لكن الاختلاف في الترتيب والتنسيق، فهذا الكتاب هو شرح للموطأ على وضعه الطبيعي.
2-
السيوطي:
وهو جلال الدين عبد الرحمن ابن بكر محمد الخضيري السيوطي، المولود سنة تسع وأربعين وثمانمائة، والمعروف بنهمه في التصنيف، وكثرة ما له من تآليف في علوم عديدة، فهو صاحب الجامع الكبير والجامع الصغير والزيادات عليه في الحديث، وصاحب الألفية في علومه، وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، والآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، والتعقبات على الموضوعات والدرر المتناثرة في الأحاديث المتواترة، وغير ذلك، وهو صاحب الإتقان في علوم القرآن، والتحبير في أصول التفسير، والدر المنثور في التفسير بالمأثور،
وترجمان القرآن، وهو صاحب تاريخ الخلفاء، ونظم العقيان في تراجم الأعيان، وبغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة، وطبقات المفسرين، وطبقات المحدثين، وحسن المحاضرة.
وهو صاحب الهمع على اللمع، والأشباه والنظائر في النحو، وعشرات المصنفات بل ومئاتها، فقد وصلت كتبه إلى خمسمائة مصنف، وقد كان يكتب في كل يوم كراسة، وقال عن نفسه: إنه حفظ مائتي ألف حديث، ولو وجد أكثر لحفظ، وأنه بلغ حد الاجتهاد، وأنه نبغ في أكثر العلوم، وما أعياه إلا علم الحساب، وعلم الفلك، وقد توفي السيوطي سنة إحدى عشر وتسعمائة1.
وقد كان من مؤلفاته على الموطأ: "تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك"، وهو كما يظهر اسمه أنه شرح للموطأ له مقدمة مشتملة على سبع فوائد، تكلم فيها عن الإمام مالك وفضله، ثم عن كتابة الحديث والنصوص في ذلك، ثم عن فضل الموطأ ومكانته بين كتب الحديث، ثم عن عدد أحاديثه واختلاف رواياته عن مالك، ثم سرد العديد من شراحه وشروحه.
وقد نهج في الشرح نهج المحدثين، فتكلم على أسانيد الأحاديث واختلاف الرواة، ورفع الموقوف وإسناد المرسل ووصل المنقطع، وعنى ببيان الغريب من ألفاظ الحديث، ولم يعول على ذكر المذاهب الفقهية.
1 انظر ترجمته عن نفسه في كتاب حسن المحاضرة ج1، ص335-344.
وللكتاب غاية في الاختصار، وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء صغار وألحق بنفس الطبعة كتاب آخر للسيوطي على الموطأ سماه "إسعاف المبطأ برجال الموطأ".
وللسيوطي أيضا كتاب "كشف المغطى عن الموطأ"، وله كتاب "تجريد أحاديث الموطأ".
3-
الزرقاني:
هو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الرزقاني المالكي أبو عبد الله محدث، فقيه، أصولي، ولد وتوفي بالقاهرة في سنتي خمس وخمسين وألف واثنتين وعشرين ومائة بعد الألف1.
ومن تصانيفه: شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث، مختصر المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، إشراق مصابيح السير المحمدية بمزج أسرار المواهب اللدنية.
وشرحه على الموطأ سماه "أبهج المسالك بشرح موطأ الإمام مالك"، وهو شرح وسط بين الطول والقصر، وتعرض فيه لشرح متون الأحاديث من جهة اللغة، وأفاض في شرح المذاهب الفقهية، ولم يعن بالرجال ولا بتراجم الأبواب، وقد نال الكتاب حظا موفورًا من الشهرة.
ومن قدامى الشراح للموطأ: الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد
1 معجم المؤلفين ج10، ص124.
بن أيوب الباجي المتوفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وكان من أعلام الرواية والفقه بالأندلس، وإليه انتهت الرئاسة، وروى عنه ابن عبد البر، وجرت بينه وبين ابن حزم مناظرات وللباجي على الموطأ ثلاثة شروح: الاستيفاء ويبدو أنه عمد فيه إلى الاستقصاء مما حمله على أن يلخصه في كتابه المنتقى: الذي عمد فيه إلى شرح أحاديث الموطأ من الناحيتين الفقهية والحديثية، وأكثر من ذكر المسائل الفقهية والتفريعات ويبدو أنه رام إرجاع الفقه المالكي إلى الأحاديث والآثار.
والكتاب مطبوع في سبعة مجلدات، وهو شائع ذائع باسم: شرح الباجي على الموطأ، وقد عاد فاختصره في كتاب سماه: الإيماء.
ولابن العربي أبي عبد الله محمد بن عبد الله الإشبيلي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة شرح على الموطأ؟
ثم قام لفيف من علماء الهند بشرح للموطأ حديثا، فممن عنى به الإمام شيخ الإسلام قطب الدين أحمد ولي الله ابن عبد الرحيم بن وجيه الدين الدهلوي الشهير بولي الله الدهلوي، وهو سليل بيت علم، وفضل ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم تتلمذ على والده وأعلام عصره في الحديث، ثم انتقل إلى الحرمين فأقام بها عامين كاملين يأخذ من مشاهير علمائهم، ثم رجع إلى الهند فأخذ من علمائها حتى بلغ في العلم قدرًا جعل بعضهم يعده من حفاظ القرن الثاني عشرة توفي سنة ست وسبعين ومائة بعد الألف، وله على الموطأ شرحان:
"أ" المسوى "باللغة العربية".
"ب" المصفى "باللغة الفارسية".
أما المسوى، فقد نهج فيه منهجا جديرًا بالتقدير، "فقد سار على طريقة المحدثين ومعتدلي الفقهاء، فرتب الأحاديث ترتيبا بديعا مفيدا مع حذف بعض أقوال مالك مما تفرد به مالك عن سائر المحدثين.
وترجم على كل حديث بما استنبط منه جماهير العلماء، وضم إلى ذلك من القرآن العظيم ما لا بد للفقيه من حفظه، ومن تفسيره ما لا بد له من معرفته.
وذكر في كل باب مذهب الشافعية والحنفية، ولم يتعرض لمذهب غيرهما إلا في مواضع لنكتة، وبين ما تعقب به الأئمة على مالك بإشارة لطيفة حيث كان التعقيب بحديث صحيح صريح وبين ما مست إليه الحاجة في معانيه اللغوية مع شرح غريب وضبط مشكل، وبين كذلك ما مست إليه الحاجة في معانيه الفقهية من بيان علة الحكم وأقسامه وتأويل الحديث عند الفريقين، ونحو ذلك، ثم إنه لم يتعرض لذكر من أخرج الحديث من أصحاب الكتب الستة إلا في مواضع يسيرة معللا ذلك بأن العلماء أغنونا عن ذلك، وإن في إسناد الموطأ كفاية لمن اكتفى.
هذا وقد طبع الكتاب بالهند أكثر من مرة وطبع في مكة المكرمة سنة 1352 بالمطبعة السلفية"1.
1 مذكرة مناهج المحدثين. تأليف لجنة من المدرسين المساعدين بكلية أصول الدين بالقاهرة ص99.
وممن عني بالموطأ الشيخ أبو الحسنات عبد الحي بن محمد بن عبد الحليم اللكنوي ينتهي نسبه إلى سيدنا أبي أيوب الأنصاري، ولد سنة ألف ومائتين وأربع وستين، وجد في الطلب حتى تأهل للتصنيف والتدريس في السابعة عشرة من عمره، وله المصنفات الكثيرة النافعة في الحديث والفقه والتاريخ، من أشهرها: الرفع والتكميل في معرفة الجرح والتعديل، لم يصنف في الباب مثله، وله: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، وله: النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، وله: طرب الأماثل بتراجم الأفاضل، وله: الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، وتوفي سنة ألف وثلاثمائة وأربع1.
وذكر الرواة عن مالك والكلام على نسخ الموطأ، وحملة أحاديث الموطأ، والكلام على شرحه، وترجمة الإمام محمد بن الحسن وشيخه، والمقارنة بين روايتي يحيى ومحمد، وتعداد الأحاديث والآثار التي في رواية محمد، وعادات الإمام محمد في هذا الكتاب.
ولعله من الواضح أن مراده بموطأ محمد رواية محمد بن الحسن لموطأ مالك
1 معجم المؤلفين ج11، ص235.
أما منهجه في الشرح:
1-
فهو لم يبال بالتكرار لبعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة.
2-
التزم بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى أدلتها بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض.
3-
أسند أكثر البلاغات والأحاديث المرسلة، وعضد الأحاديث الموقوفة بالمرفوعة.
4-
أكثر من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين والمعتبرين إشارة إلى أن اختلاف الأئمة رحمة.
5-
ترجم الرواة دون عصبية مذهبية أو غيرهم.
6-
ذكر بعض الاختلاف بين نسخ الموطأ.
وممن شرح الموطأ من علماء الهند؛ الإمام الكاندهلوي محمد زكريا محمد يحيى الحنفي السهارتغوري، المولود سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة، وقد سمى شرحه: أوجز المسالك شرح موطأ مالك.
وقد نقل فيه كثيرا من شروح سابقيه مع عزو المنقول إلى أصله، لكنه أكثر النقل من شرح الزرقاني على الموطأ، ومن كتاب بذل المجهود في حل سنن أبي داود، ولكثرة اعتماده عليهما، وأخذه منهما لم يعز ولم ينسب ما نقله منهما، والكتاب مطبوع بالنقد في خمسة أجزاء.
"ج" مؤلفات على الموطأ في أغراض مختلفة:
ألف في شرح غريبه: البرقي، وأحمد بن عمران الأخفش، وأبو القاسم العثماني المسرى.
وألف في رجاله: القاضي أبو عبد الله الحذاء، وأبو عبد الله بن معزح، والبرقي، وأبو عمر الطلمنكي، وجلال الدين السيوطي.
وألف القاضي إسماعيل شواهد الموطأ.
وألف أبو الحسن الدراقطني كتاب "اختلاف الموطآت".
وألف في أطرافه أبو بكر بن حبيب.
وممن ألف من المتأخرين في كل ما يتعلق بالموطأ؛ من بيان أصحيته، وتقدمه على غيره، ورواته، وعدد أحاديثه إلى غير ذلك؛ المحدث الكبير الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، صاحب "هداية المغيث"، و"زاد المسلم مما اتفق عليه البخاري ومسلم"، وألف نظما سماه:"دليل المسالك إلى موطأ الإمام مالك"، وعلق عليه في حاشية سماها:"إضاءة الحالك من ألفاظ دليل السالك".
ومن كل ما سبق يبين لكل من طالب الحق مدى عناية الأمة بحديث نبيها صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا الموطأ على صغر حجمه بالنسبة إلى غيره من أمهات كتب الحديث يحظى بهذا الاهتمام، فكيف بغيره؟ ولقد آن الأوان لأن نعيش مع ثمرة أخرى من ثمرات الإمام مالك، أو أن نتعرف على من تمثل مالكا علما وفضلا وشرفًا ونبلا، بل وربما زاد عليه.