الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطاع فيه: "السنة أو الحديث
":
هذا الذي أمر الله تعالى بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيه، وتطلبته شخصية المطاع: ليس هو إلا السنة أو الحديث بكل الإطلاقات عليهما عند الأصوليين أو الفقهاء أو المحدثين، بل واللغويين أيضا، فالسنة عندهم هي الطريقة والسيرة محمودة كانت أم مذمومة، والحديث هو ما يستعمل في مقابلة القديم فيرادف الجديد، أو ما يدور على لسان الشخص، وقد يعبر به أو يحكي به الفصل والإشارة والوصف والتقرير أيضا لا بد له من حديث ينقل به أو يعبر به عنه.
والأصوليون يعتبرون السنة بمن صدرت عنه فما جاء عن النبي فهو سنة أو يقابلون بها القرآن، فالسنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن ما جاء عن الله تعالى بواسطته، فهي عندهم تقابل البدعة، وعند الفقهاء تستعمل السنة باعتبار كونها دليلا للأحكام المستنبطة، وأيضا باعتبار كونها وصفا للحكم، فهي تغاير بقية الأحكام الخمسة نعني الوجوب والإباحة، والكراهة والحرمة.
وقد يعرفونها مريدين وقوعها وتحققها فيقولون: السنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره في جماعة، ولم يدل دليل عليها من الكتاب، وأما المحدثون فإنهم ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من خلال كونه قدوة، فكل ما صدر عنه من قول أو فعل أو وصف خلقي أو تقرير فهو سنة، ويطلق الحديث عند جمهورهم مرادًا به هذا المعنى، ويندرج فيه أيضا المضاف
إلى الصحابي والتابعي ثقة بالصحابة والتابعين، فهم إما مقررون أو مقتدون متبعون أو مستنبطون مجتهدون، وهم في ذلك مقدمون لمعاصرتهم نزول الوحي ومعايشتهم التشريع أو لقربهم منهما.
ولقد غلب إطلاق المحدثين هذا على غيره من الإطلاقات، فالحديث أو السنة يطلق كل منهما على الآخر، وتتسع دائرة الإطلاق لتشمل كل ما للحياة من آفاق، فإذا أمر الناس بالطاعة ففيم يطيعون؟ والجواب في كل شيء حين يحيون وحين يموتون، حين يتحركون وحين يسكنون، حين يقيمون وحين يظعنون، في عبادتهم، في عاداتهم، في معاملاتهم، في فرحهم وفي ترحهم، في كل نازلة تنزل بهم يجدون للأسوة الحسنة توجيها، وفي كل واقعة تقع منهم أو معهم يصادفون له فيها إرشادًا سديدًا قد يشاهدون الحادثة والتوجيه فيها، وقد يسألون من شاهد، وقد يشكل الأمر عليهم، فلا ينزاح الإشكال إلا بالسؤال لمن هو خبير بالحال.
وهاك أمثلة للطرق التي تعلموا السنة من خلالها:
1-
حوادث يعايشها النبي صلى الله عليه وسلم، أو يطلع عليها فيتبين الحكم فيها، ثم ينتشر هذا الحكم بواسطة كثرة من سمعوه، وقد يرسل النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي به الناس.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما، فسأله:"كيف تبيع؟ " فأخبره، فأوحي إليه: أدخل يدك فيه، فأدخل يده، فإذا هو مبلول، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "ليس منا من غش"1.
2-
وقد تقع الحادثة مع أحدهم، فيفزع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه فيفتيه. روى قيس بن طلق عن أبيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أو سأله رجل فقال: بينما أنا في الصلاة، ذهبت أحك فخذي، فأصابت يدي ذكري؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل هو إلا بضعة منك"2.
وقد تقع الحادثة مع الشخص فيستحيي أن يسأل هو، فينيب من يستفتي له. من ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلا مذاء، فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه سلم؛ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله فقال:"يغسل ذكره ويتوضأ"3.
3-
قد تقع الوقائع وتحدث الحوادث، فيتصرف النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى الوحي الذي يوحي به إليه، ويحضر الصحابة، فيبلغوا ما رأوه، ويخبروا عما شاهدوه، وينقلوا ما سمعوه أداء لأمانة العلم، وخروجا من عهدة الكتمان، وطلبا للثواب والأجر، وذلك كثيرا وأكثر الأحكام الشرعية انبنت على هذه الطريقة في النقل، فعلمنا بواسطتها كيفيات وضوئه واغتساله وتيممه
1 الفتح الرباني ج15 ص59، وهو صحيح الإسناد ونسبة الشيخ الساعاتي إلى مسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي في السنن والحاكم.
2 انظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص132.
3 رواه الإمام أحمد في المسند ج2 ص39، حديث رقم 606، ص46، حديث رقم 168، ورواه البخاري بتغيير يسير فتح الباري ج1 ص294، 394.
وصلاته وصيامه وحجه إلى غير ذلك مما يبلغ في الشهرة والكثرة حد الاستغناء عن المثال.
أضف إلى كل ما سبق حرص الصحابة على تمام الاستفادة من معلمهم الأعظم صلى الله عليه وسلم، وحلاوة الاستمتاع بمخالطته ومعايشته، ثم ولا بد أن يعلم أن الذي تكفل بحفظ القرآن كان ولابد أن يحفظ البيان له، وأن يهيئ كل الوسائل اللازمة لذلك، وأن يحفظ الهمم، وأن يقوي العزائم على خدمة السنة الغراء، والنهوض بواجب تبليغها وصيانتها من ضياعها، أو ضياع شيء منها أو امتداد يد العبث إليها، ونستطيع أن نؤكد واثقين مطمئنين أن الحديث كله حفظ بواسطة الصحابة أجمعين، ولم تغب جزئية من جزئياته عن مجموعهم، فإن غابت عن البعض فلا بد وأن تكون موجودة عند البعض الآخر، ولا يعقل ولا يقبل أن شيئا من السنن قد ضاع أو غفل عنه؛ لأن معنى ذلك ضياع شيء من الدين ونقصان فيما أحكم الله إكماله، واتهام لمن بلغوا القمة في حسن الالتزام بالتقصير والتفريط في واجبهم، وهم أعلى وأجل من أن يضيع منهم شيء كثر أو قل من السنة.
"ويخطئ من يدعي أن بعض السنن فات الصحابة جميعا بعد أن رأينا مدى عنايتهم بها، وحرصهم عليها فكيف يغيب عنهم شيء منها، وهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نيفا وعشرين عاما قبل الهجرة وبعدها، فحفظوا عنه أقواله وأفعاله ونومه ويقظته وحركته وسكونه وقيامه وقعوده واجتهاده وعبادته وسيرته وسراياه ومغازيه، ومزاحه وزجره، وخطبه وأكله وشربه، ومعاملته أهله، وتأديبه فرسه، وكتبه إلى المسلمين