الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرق الأخرى وأثرهم في الحديث:
تعد فرقتا الخوارج والشيعة أس البلاء فيما انتاب هذه الأمة من تفريق الكلمة وتشتيت الجمع، وقد رأينا ما لهما من أثر على الحديث، وإنك لتزداد بغضا لرأيهما حين ترى تسبب هذه الآراء في نشوء فرق أخرى متعددة الأهواء كالمرجئة الذين قالوا بأنه لا تضر مع الإيمان معصية كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة.
ولو تتبعت الإرجاء في نشأته وتطوره لوجدته في أول أمره موافقا للحق مطابقا لما كان عليه كثيرون من ذوي الرجاحة الذين رأوا الإعراض عن الخلاف والجنوح عن ساحته وتفويض أمر المختلفين إلى الله فرارًا من المغالاة بتفكير هؤلاء أو أولئك كما فعل الخوارج واجترحوا في حق أم المؤمنين ومن حالفها في معركة الجمل، ثم في حق علي الذي حكموا بإيمانه إلى أمد التحكيم، ثم كفروه بقبوله، وقل من سلم من تكفيرهم، فجاء هؤلاء معاكسين لهم، ثم تطور الأمر إلى القول بإرجاء الحكم على مرتكب الكبيرة، وتفويض أمره إلى بارئه مقتربا قائل هذا من أهل السنة فيما قالوه من أن من يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه.
ثم أفرط بعض المرجئة وغالى فقال: بالفصل بين الإيمان والعمل والاكتفاء بمجرد الاعتقاد، ولا يضر مع اعتقاد القلب وقبوله الإسلام مخالفة الظاهر، ولو ارتكبت الجوارح جميع الآثام بل لو وجد المعتقد بقلبه مع اليهود والنصارى.
ولقد صحت أحاديث كثيرة تدفع هذا الزعم وتبطله، وصرف الأئمة
الكثير من اهتمامهم إلى الرد على هؤلاء ودحض شبههم وما أكثر ما عقد المحدثون أبوابا للربط بين الإيمان والقول والعمل، ولبيان أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصية، ويكفيك أن تقرأ "خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر" هكذا ترجم البخاري في صحيحه ثم نقل في تأكيدها هذا المعنى عن إبراهيم التيمي1، قال: ما عرضت قولي على عمل إلا خشيت أن أكون مكذبًا".
وقال ابن أبي مليكة2: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
1 هو ابن يزيد بن شريك التيمي أبو أسماء، قيل: قتله الحجاج، وقيل: مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي، فوقع الرسول بإبراهيم التيمي، فأخذه وحبسه، فقيل له: ليس إياك أراد، فقال: أكره أن أدفع عن نفسي وأكون سببا لحبس رجل مسلم بريء الساحة، فصبر في السجن حتى مات سنة اثنتين وتسعين، وهو ثقة، روى له الجماعة. عمدة القاري ج1، ص275 بتصرف.
2 هو عبد الله بن عبيد الله -بتكبير الابن وتصغير الأب- واسم ابن مليكة بضم الميم زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمر بن كعب بن تيم بن مرة القرشي التيمي المكي الأحول، كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا، اتفق على جلالته، سمع العبادلة الأربعة وعائشة وأختها أسماء وأم سلمة وأبا هريرة وعتبة بن الحارث والمسور بن مخرمة، وأدرك بالسن جماعة، ولم يسمع منهم كعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، مات سنة سبع عشرة ومائة، وروى له الجماعة. عمدة القاري ج1 ص275.
ويذكر عن الحسن1 ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق".
قال العيني في شرح هذه الترجمة: ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الرد على المرجئة في قولهم: إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ممن قال لا إله إلا الله، ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين، وما نقوله عن الصحابة رضي الله عنهم، وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجو من عذاب الله تعالى. وقال القاضي عياض المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة كالخوارج تكفر بالذنوب، والمعتزلة يفسقون بها، وكلهم يوجب الخلود في النار، والمرجئة تقول: لا تضر الذنوب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره، ومنهم من يقول: يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان.
وقال غيره إن من المرجئة من وافق القدرية؛ كالصالحي والخالدي، ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر، وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا، والمرجئة
1 هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مولى زيد بن ثابت، وقيل: جابر بن عبد الله، وقيل: أبي اليسر. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، قال أبو بردة: أدركت الصحابة فما رأيت أحدا أشبه بهم من الحسن. قال خالد بن رياح الهذلي: سئل أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، فقيل له في ذلك، فقال: إنه قد سمع وسمعنا فحفظ ونسينا. وقال سليمان التيمي: الحسن شيخ أهل البصرة، وهو من أجلاء التابعين وعرف بالوعظ، مات في رجب سنة ستة عشر ومائة. تذكرة الحافظ ج1 ص71، التهذيب ج2، ص263، وميزان الاعتدال ج1، ص5278، ووفيات الأعيان ج1، ص128.
بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة مشتق من الإرجاء، وهو التأخير، وقوله تعالى:{أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} أي أخره، والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان، والنية والقصر، وقيل: من الأرجاء لأنهم يقولون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل: مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا"1.
وقد كان أثر المرجئة على الحديث من جهة تصادم مذهبهم معه، ولم يشتهر عنهما لوضع أو الدس فيه، وإن كان لا يستبعد وقوعه منهم فقد أسرفوا في الإباحية وغرقوا في المعاصي بزعم أنها لا تضرهم والكذب معصية فلا يبعد اقترافهم له.
وهناك القدرية وهو وصف تفاوت في الإطلاق، فقد كان يطلق على من ينفون القدر، ويقولون إن الأمر أنف بمعنى "مستأنف"، وقد ظهر هذا الانحراف العقدي مبكرا مما حدا ببعض الصحابة إلى التصدي له ومجابهته، فقد روى مسلم في أول كتاب الإيمان ما يعد تأريخا لظهور الكلام في القدر، روى بسنده عن يحيى بن يعمر2.
1 عمدة القاري ج1، ص274-275.
2 يعمر بفتح الميم، ويقال: بضمها كنيته أبو سليمان، أو أبو سعيد قال الحاكم: يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مبرز، أخذ النحو عن أبي الأسود، نفاه الحجاج إلى خرسان، فولاه قتيبة بن مسلم قضاءها. شرح النووي على مسلم ج1، ص153.
قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني1.
فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري2 حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقعرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
"ثم ساق رواية أبيه عمر في سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمارات الساعة، وكان التعريف النبوي للإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره".
1 الجهني بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة نزلت الكوفة، ونزل بعضها البصرة، ومن نزل جهينة معبد بن خالد الجهني، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف صبرا، وقيل: إنه معبد بن عبد الله بن عويمر. المصدر السابق.
2 حمير بالتصغير والحميري نسبة إلى حمير بكسر فسكون ففتح، سمع ابن عمر وأبا هريرة وابن عباس وغيرهم، قال العجلي: بصري ثقة كان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان فقيها عالما. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج3 ص46، والكشاف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ج1 ص257.
قال النووي: "واعلم أن مذهب أهل الحل إثبات القدر، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها، ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها، وأنها مستأنفة العلم أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجلَّ عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا، وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين، وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر من غيره. تعالى الله عن قولهم.
وحديث: "القدرية مجوس هذه الأمة" رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر. قال الخطابي: إنما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلية النور والظلم، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى، والشر إلى غيره، والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا، لا يكون شيء فيهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إلى الله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا، وإلى الفاعلية لهما من عباده فعلا واكتسابا.
وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها والقدر اسم لما صدر عن فعل القادر يقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى: فقضاهن سبع سموات في يومين" أي خلقهن، قلت: قد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى"1.
ويمتد فكر القدرية الذين آلت إليهم التسمية لقولهم: بأن للعبد قدرة على خلق أفعاله، هؤلاء الذين عرفوا بالمعتزلة، ونشئوا كثمرة مرة لفكر الخوارج، فهم لم يقبلوا التفكير بالكبيرة والمعصية، ولم يرضهم نسبة المعاصي إلى الإيمان فنزلوه منزلة الاثنين، وما أكثر ما ناب الحديث والمحدثين من تطاولهم وتهجمهم، وهم يحكمون العقل في النقل، فإذا أعياهم ذلك لجئوا إلى رد النقل، ورموا النقلة بفحش القول، وما أكثر ما نال المحدثين من بذاءاتهم فحتى الصحابة رضوان الله عليهم نالهم حظهم، وأخذوا نصيبهم من تطاول مدرسة الاعتزال، وقد سبقت الإشارة إلى تطاول النظام، ومن على شاكلته على الصحابي الجليل "أبو هريرة" وسيأتي تعرض لهذا عند استعراض منهج ابن قتيبة في دفاعه عن الحديث والمحدثين.
1 شرح النووي على مسلم ج1، ص154-155 بتصرف.