الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: التابعون والحديث إلى نهاية القرن
مدخل
…
المبحث الثالث: التابعون والحديث: إلى نهاية القرن الأول
الصحبة درجة شريفة، ومنزلة منيفة، مَنّ بها البر الكريم سبحانه وتعالى على أفضل خلقه بعد رسوله صلى الله عليه وسلم.
وليس يماري عاقل في فضل الصحابي ومنزلته، والتابعي يلي الصحابي في الدرجة والفضل، وقد أشارت إلى ذلك نصوص كثيرة منها:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 1.
وقوله بعد بيان نصيب الفقراء من المهاجرين والأنصار من الفيء والثناء عليهم وتعديد مناقبهم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} 2.
ولا يقال: ليس في الآية مدح أو ثناء، وإنما هي حكاية لما صدر عنهم
1 سورة التوبة:100.
2 سورة الحشر: 10.
من التضرع والدعاء؛ لأن الآية مصدرة بواو العطف المقتضية التشريك في الحكم، فهم داخلون في عموم المدح والثناء، وتضرعهم بهذا الدعاء برهان تمكنهم في الفضل.
وجاء في الصحيح أيضا: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"1.
فأشعر هذا بامتداد الفضل وتتابعه، ومما يشعر بذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم:"طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني"2.
ومما يشعر بمكانتهم وضرورة الاستماع منهم والأخذ عنهم قوله صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويُسمع منكم، ويُسمع ممن يَسمع منكم"3.
وليس هناك حد زمني يفصل الصحابة عن التابعين، وبعبارة أخرى ليست هناك حقبة زمنية يمكن اختصاص هؤلاء أو أولئك بها، فقد يدرك التابعين زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكن لا يلقاه، أو لا يؤمن به إلا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فلا يعد صحابيا، وإنما يقال له: تابعي، ويوصف بأنه مخضرم.
وعليه فالتابعون يلتقون مع الصحابة في بكرة الأمر، وأيضا يعايش
1 أخرجه البخاري في فضائل الصحابة ج8 ص5،6 بهامش فتح الباري وأخرجه في كتاب الرقاق.
2 رواه الإمام أحمد المسند في عدة مواضع ج3 ص71، ج5 ص248.
3 رواه أبو داود في سننه ج3، ص338، والحاكم في معرفة علم الحديث ص27، وفي المستدرك ج1، ص95، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ج1، ص43.
الصحابة التابعين إلى نهاية القرن الهجري الأول، بل وربما فاتحة القرن الثاني كما حدث "مع أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي "مات سنة مائة" من الهجرة. قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط.
وقال خليفة في غير رواية الحاكم: إنه تأخر بعد المائة. وقيل: مات سنة اثنتين ومائة. قاله مصعب بن عبد الله الزبيري، وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن منده أنه مات سنة سبع ومائة.
وقال وهب بن جرير بن حازم عن أبيه: كنت بمكة سنة عشر ومائة، فرأيت جِنازة، فسألت عنها، فقالوا: هذا أبو الطفيل. وصحح الذهبي أنه سنة عشر.
وأما كونه آخر الصحابة موتا مطلقا، فجزم به مسلم ومصعب الزبيري وابن منده والمزي في آخرين. وفي صحيح مسلم عن أبي الطفيل: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما على وجه الأرض رجل رآه غيري.
قال العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك، وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل لا أصل له والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد سبقه إلى ذلك، وهو إما باطل أو مؤول بأنه استكمل المائة بعد الجمل، لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة، وأخذه من قول سهل: لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما كان خطابه بهذا لأهل المدينة، وآخرهم موتا قبله
أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: تسعين، وهو آخر من مات بها.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا الطفيل. قال العراقي: بل مات بعده محمود بن الربيع بلا خلاف في سنة تسع وتسعين، وقد رآه وحدث عنه كما في صحيح البخاري، وكذا تأخر بعده عبد الله بن بسر المازني في قول من قال: وفاته سنة ست وتسعين"1.
هكذا يمتد وجود الصحابة إلى أول القرن الثاني، وربما شاركهم التابعون بعض حياته صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل إلى تمايز بين الصحابة والتابعين من حيث الزمن، وإن كان التمايز محققا من حيث تحديد المراد بالصحابي والتابعي، ويبقى اعتبار الكثرة لمن اعتبر.
فإذا كان النبي قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ومن رآه صلى الله عليه وسلم يزيد على مائة ألف وأربعة عشر ألفا كما قال أبو زرعة، فإننا باعتبار الكثرة، ومراعاة الأغلبية نستطيع أن نطلق على فترة الخلافة الراشدة "زمن الصحابة"، وننسب إليهم التحكم في أكثر الأحاديث، والإمساك بأَزِمّة الأمور، لكن بعد أن يرى كل واحد من الصحابة آخرين عديدين، فنفس المنطق يحتم علينا أن نسمي الزمن "زمن التابعين" وأن نضيف الأحدث إليهم، وإذا كنا قد عرفنا أن الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على إسلامه، فمن هو التابعي؟
1 تدريب الراوي ج2، ص228-230.