الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعرف أبو سعيد باستقامته الشديدة، وحرصه على الحق، فكان يصدع له ويجاهر به، ولا يخشى في الله لومة لائم، وهو الذي روى حديث:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده" ، وطبقه عمليا حين جذب مروان بن الحكم من ثوبه عند تغييره السنة بتقديم خطبة العيد على الصلاة.
وتوفي أبو سعيد بالمدينة سنة أربع وسبعين وسنه ستة وثمانون عامًا1.
1 انظر ترجمته في الاستيعاب ج4، ص89 بهامش الإصابة، والإصابة ج2، ص35، وتذكرة الحفاظ ج1، ص44، وطبقات الحفاظ، ص11، ودليل الفاتحين ج، ص96، وصفة الصفوة ج1 ص714-715.
من المكثرين من الرواية عبد الله بن عمرو العاص
…
ومن المكثرين من الرواية "عبد الله بن عمرو بن العاص":
هو أحد العبادلة الفقهاء، وقد أسلم قبل أبيه، ثم هاجر قبل الفتح، وكان زاهدا عابدا يكثر من الصلاة والصوم، وهو أحد الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم الخفية كي يقتدوا بها.
وكان شديد الحرص على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، مكثرا من التعبد إلى حد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص له في أشياء، فشدد هو على نفسه، وفارقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبادة ثقلت عليه فيما بعد، لكنه كره أن يترك ما فارقه عليه الرسول من العبادة، وكان يقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: إنه كان يصغر أباه بأحد عشرة عاما، ومع ذلك كان مفضلا على أبيه
مقدما عليه، وقد كان رضي الله عنه خيرًا جوادًا معطاء متواضعا، مقبلا على شأنه، يكره الفتن، وقد لام أباه على تحيزه لفئة معاوية، وكره مخالفته خوف العقوق، فحضر معه موقعة صفين، لكن لم يكن فيها من المقاتلين، وإنما أغمد سيفه، وقد أصاب جملة من كتب أهل الكتاب، وأدمن النظر فيها ورأى فيها عجائب.
وقد خلف له أبواه أموالا عظيمة، وكان له عبيد وخدم، وله بستان بالطائف يسمى الوهط قيمة ألف ألف درهم، ولعله هو الذي أشار إليه بقوله: والله ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، والصادقة هي الصحيفة التي كتب فيها ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن استأذنه في الكتابة فأذن له، وقيل: إن الوهط حديقة كان قد وقفها أبوه على الفقراء وكان هو يقوم على رعاية حقوقهم فيها.
وقد قدم مصر مع أبيه، وطاب له فيها المقام، وحمل عنه المصريون علمًا كثيرًا.
وروى عبد الله عن كثيرين من الصحابة منهم عمر، وأبو الدرداء، ومعاذ، وعبد الرحمن بن عوف.
وروى عنه عبد الله بن عمر، والسائب بن يزيد، وابن المسيب، وطاوس، وعكرمة، وعروة، ومسروق، وغيرهم.
وروى له سبعمائة حديث، أخرج له الشيخان منها خمسة وأربعين، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، وأصح
الأسانيد عنه رواية حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر.
وقد اختلف في سنة ومكان وفاته1.
فقيل: توفي سنة ثلاثة وستين، وقيل: سنة خمس وستين بالشام أو بمصر أو بالطائف أو بمكة، المهم أنك ترى إكثاره من الرواية نسبيا إن قسته بمن هو أقل منه، فأين هو ممن هو أكثر رواية؟ كأبي هريرة الذي صح عنه قوله:"ما من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"2.
وقد استفيد من كلام أبي هريرة هذا بأنه كان جازما بنفي أن يكون في الصحابة من أكثر حديثا منه إلا عبد الله بن عمر. فماذا يعني الاستثناء؟ والحال أن ما روي عن أبي هريرة يقارب ثمانية أضعاف ما روي عن ابن عمرو، فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال، إذ التقدير: لكن الذي كان من عبد الله، وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه كونه أكثر حديثا لما تقتضيه العادة أم لا.
1 انظر ترجمته في الاستيعاب ج2، ص346-349، بهامش الإصابة، وطبقات ابن سعد ج4، ق2، 8-13، والإصابة ج2، ص315-352، وتذكرة الحفاظ ج1، ص41-42، وطبقات الحفاظ ص10، وصفة الصفوة ج1، ص655-660، ودليل الفالحين ج1، ص373-374.
2 رواه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم ج1، ص217 هامش فتح الباري.
وإن قلنا الاستثناء متصل، فالإشكال حاصل لعدم تحقق خبر أبي هريرة الصحيح ومطابقته للواقع، وينزاح الإشكال بأن نقول: إن أبا هريرة نظر لقضية الأخذ والرواية والكتابة، ولم ينظر إلى الأداء، وما اطلع الغيب ليعلم أن ما ينقله الرواة عنه سيكون أكثر مما ينقلونه عن ابن عمرو، وإنما وقف على حال الأمر، وهو أن ابن عمرو، كتب الكثير وأخذ. بقي أن يفحص عن أسباب قلة المروي عنه لا أن يشكك في خبر أبي هريرة. وأهم تلك الأسباب التي أدت إلى قلة الرواية عن عبد الله بن عمرو نسبيا عمن زاد عنه يتمثل فيما يأتي:
1-
كان عبد الله مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم.
2-
كان أكثر مقامه بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويتضح هذا من كثرة من حمل عنه كما مر بك.
3-
ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا ينسى ما يحدثه به.
4-
كان عبد الله قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين.
وهنا يظهر صدق حدس هذه الأمة ويقظة ضميرها وانتباهها في الرواية وتمييزها بين الغث والسمين، فلتخرس ألسنة الأفاكين الذين يريدون النيل من الحديث والمحدثين من خلال انتقاص رواته الأولين.
ولتتساقط كل الدعاوى الباطلة التي يزعم مدعوها أن بعض الصحابة خدع بالإسرائيليات، وخالت عليه نُقول كعب الأحبار ووهب بن منبه من كتب أهل الكتاب، وتناقلوها على أنها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والعجيب أن أبا رية كتب مقدمة عن "الإسرائيليات في الحديث" بدأها بداية موفقة، حين نقل أخبار الوضع والوضاعين وردود الأئمة عليهم وانتصابهم لكشف زيغهم، ثم علل لظهور الإسرائيليات وهدفها، ثم انحدر إلى الهاوية حين اتهم الصحابة بترويج تلك الإسرائيليات والانكباب عليها، وراح يسف في نقد كعب الأحبار ووهب بن منبه، وليته وقف عند هذين بل تجاوزهما إلى الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، وراح يتخبط، فانتقد حديثا رواه البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه موصوف في التوراة ببعض صفاته في القرآن؛ "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، بل يعفو ويغفر، لا يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: "لا إله إلا الله" ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا".
ثم يذكر عن ابن كثير أن ابن يسار سأل كعب الأحبار عن هذا الحديث فما اختلف فيه مع عبد الله في حرف واحد، وكيف يختلف فيه وهو راوية.