الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسجد في ذلك الزمان كان يمثل المدرسة والجامعة والمنتدى ومقر القيادة العامة، والبرلمان، والمتعبد.
فحينما يطلق لفظ المدرسة يعنى به المنهج الذي انبرى لإيضاحه واستيضاحه أساتذة أجلاء، وتلاميذ نجباء لم تكن الدنيا مقصدهم، ولا تحصيل منصب غايتهم، ولا جمع مال أو بلوغ جاه مبتغاهم، وإنما كان كل مناهم رضا مولاهم، وينشدون هداه، ويهتدون بوهج ثناه، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
وحتى نزداد تبصرا بهم، وتعرفا على مناهجهم نتوقف أمام بعض التابعين مجلين مكبرين، معظمين موقرين، ذوي الفضل منهم، فنتعرف على:
1-
سعيد بن المسيب:
هو أحد كبراء التابعين وأجلائهم أبو محمد سعيد بن المسيب "بكسر الياء المشددة على الأرجح" بن حزن القرشي المخزومي المدني، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم الفتح.
وقد ولد سيد التابعين سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وأدركه في سن التمييز، فروى عنه سماعا كما سمع من عثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وجل روايته عنه لمكان مصاهرته، فقد كان سعيد زوج ابنته.
وقد كان سعيد أحد أعلام الدنيا، غزير العلم، قال فيه ابن عمر:"لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لسره"، وقال مكحول بن الفضل
وقتادة بن دعامة، وابن شهاب الزهري:"ما رأينا أعلم من ابن المسيب"، وقال علي بن المديني:"لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجل التابعين".
وكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره.
وكان عمر بن عبد العزيز يجله ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه، وعرف بجرأته في الحق، وأبى أن يابيع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك وبقي صامدا ثابت العزيمة، وهكذا ضرب المثل في التمسك بالحق والتجلد على البلاء وحسن الرضا بالقضاء.
ولسعيد مكانته الخاصة في الرواية، فأكثر من يردون الحديث المرسل، يقبلون مرسل ابن المسيب، ولعل هذا لعلمهم تثبته وتيقنه، فهو لكبر سنه ولفضله لا يسقط إلا الصحابي، ويأخذ مرسله حكم مرسل الصحابي ولجلالته أجمعوا على إمامته وعلو مكانته وعده رأس المدينة في الفقه والفتوى إلى حد تسميته "فقيه الفقهاء".
وأجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السنة، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة، فقد كان تورعه أن رفض العطاء حتى من الأمراء، واكتفى بغلة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ويقتات من ربحها.