الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة تلف حول الأماكن المقدسة من الصليبية العالمية والصهيونية العالمية، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة؛ فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته من المشركين سيحفظه إن شاء الله ويحفظ مدينة رسول الله من كيد الكائدين ومكر الماكرين.
دلائل النبوة في مولد النبي صلى الله عليه وسلم
-
مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما فيه من دلائل النبوة:
قال محمد بن إسحاق: فكانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث أنها أُتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة. وعن عثمان بن أبي العاص قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته، قالت: فما شيء أنظر في البيت إلا نور، وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: ليقعن عليَّ.
وذكر القاضي عياض عن الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف: أنها كانت قابِلته، وأنها أخبرت به حين سقط على يديها واستهل سمعت قائلًا يقول: يرحمك الله، وإنه سطع منه نور رؤيت منه قصور الروم.
وقد حكى السهيلي: أن إبليس رن أربع رنات: حين لعن، وحين أهبط، وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين أنزلت الفاتحة، قال محمد بن إسحاق: وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة ينحر بها؛ فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل وُلِد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلمه، فقال: الله أكبر؛ أما إذا أخطأتم فلا بأس، انظروا واحفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة
نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات، كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذلك أن عفريتًا من الجن أدخل أصبعه في فمه؛ فمنعه الرضاعة؛ فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه؛ فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله؛ فقال: قد وُلِد وَلَد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدًا؛ فالتقى القوم، فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي؟ وهل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي؛ فأخبروه الخبر، قال: فاذهبوا معي حتى أنظر إليه؛ فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة؛ فقالوا: أخرجي إلينا ابنك؛ فأخرجته وكشفوا له عن ظهره؛ فرأى تلك الشامة؛ فوقع اليهودي مغشيًّا عليه؛ فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ ويلك، قال: قد ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش، والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب.
سقوط الشُرفات من إيوان كسرى، وخمود النيران، وغاصت بحيرة ساوة:
ومنذ أن ولد صلى الله عليه وسلم بدأت تتقوض وتتهدم معالم الشرك والضلال؛ ذكر ابن كثير أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، وانهدمت الكنائس حولها بعد أن غاضت.
رضاعة النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من دلائل النبوة:
كانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى أجسادهم وتشتد أعصابهم ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم؛ فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع واسترضع له
امرأة من بني سعد بن بكر، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، ورأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم كل العجب:
قال ابن إسحاق: كانت حليمة تحدِّث أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء؛ قالت: وذلك في سنة شهباء، لم تُبقِ لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبيِّنا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه؛ ولكن كنا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم؛ وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي؛ فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؛ فكنا نكرهه لذلك؛ فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري؛ فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه وأخذته؛ وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي؛ فلما وضعته في حجري أقبل على ثدياي بما شاء من لبن؛ فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما -وما كنا ننام معه قبل ذلك- وقام زوجي إلى شارفنا تلك؛ فإذا هي ممتلئة لبنًا، فحلب منها ما شرب وشربت معه؛ حتى انتهينا ريًّا وشبعًا؛ فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي -والله، يا حليمة- لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.
قالت: ثم خرجنا، وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي؛ فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حُمُرهم؛ حتى إن صواحبي ليقلن لي: يابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي علينا، أليست هذه هي أتانك التي كنت خرجت عليها؟! فأقول لهم: بلى، والله؛ إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا! قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد -وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها- فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا -أي ممتلئة الضرع- فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع؛ حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب؛ فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض قطرة لبن وتروح غنمي شباعًا لبنًا؛ فلم نزل نتعرف الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان؛ فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا -أي قويًّا.
قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته؛ فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ؛ فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
ما يستفاد من الرضاعة:
أولًا: بركة هذا الرضيع على مرضعته: لقد ظهرت هذه البركة على حليمة السعدية في كل شيء:
- ظهرت في إدرار ثديها وغزارة حليبها، وقد كان قليلًا لا يكفي ولدها؛ فإذا هو يكفي ولدها ويكفي الرضيع محمدًا وزيادة.
- وظهرت بركته أيضًا في سكون الطفل ولدها -وقد كان كثير البكاء مزعجًا لأمه يؤرقها ويمنعها من النوم، وإذا هو شبعان ساكن جعل أمه تنام وتستريح.
- وظهرت بركته في شياههم العجفاوات التي لا تدر شيئًا، وإذا بها تفيض من اللبن الكثير الذي لم يعهد.
ثانيًا: إن هذه البركات من الله تبارك وتعالى على حليمة وأهلها؛ لحكمة هي أن يحب أهل هذا البيت هذا الطفل، ويحنوا عليه ويحسنوا معاملته ورعايته وحضانته: وهكذا كان؛ فقد كانوا أحدب عليه وأرحم به من أبنائهم.
ثالثًا: الخيرة فيما اختاره الله: لقد كانت حليمة السعدية ترغب عن حضانة أي طفل يتيم، وترغب في رضاعة غيره فمن له أب يكافئها مكافأة جزلة ويعطيها أجرًا يغنيها، هذا هو ظنها، ولكن لم تجد بغيتها، واختار الله لها هذا الطفل محمدًا الذي أخذته على مضض؛ لأنها لم تجد غيره وصواحبها قد أخذن ما يرضعن؛ فكان الخير كل الخير فيما اختار الله وظهرت نتائج هذا الاختيار.
وهذا درس للدعاة يستفيدون منه: إذ عليهم بعد الأخذ بالأسباب أن تطمئن نفوسهم إلى قدر الله واختياره، والرضا به والقناعة بجدواه والتوفيق منه، ولا تذهب أنفسهم حسرات على ما فاتهم.
رابعًا: لقد كان لفترة الرضاعة في بني سعد أكثر من فائدة على النبي صلى الله عليه وسلم: فالبادية في ظروفها، والحياة التي يحياها أهلها حياة شظف في العيش ليس فيها ترف ولا سرف، والرسول صلى الله عليه وسلم تربى على هذا الشظف في العيش وكان بعيدًا عن الترف والسرف والمخيلة، بحكم هذه البيئة القاسية في عمومها، وهذه البيئة النقية في جوِّها تكسب الجسم قوة، وكذلك السمع والبصر، والأفق رحب فسيح والجو خال من الضجيج، وهذه البيئة يعيش أهلها يتكلمون بلغتهم التي لا تشوبها شائبة ولا يختلط بها غيرها من اللهجات بخلاف المدينة؛ فتعلّم فصاحة بني سعد في اللغة؛ فهو كما قال:((أنا أعربكم)) وهذه البيئة تعلمه التعاون والتعاطف والحب لمن أحسن إليه ورباه.
وهذه البيئة تكسب الطفل الجرأة والشجاعة؛ فهو يعيش في بادية تكثر فيها الوحوش المفترسة وهوام الأرض الكثيرة، ويرى منذ صغره كيف يتصدى لها الرجال ويقضون عليها؛ فيتجرأ على مقاومتها والتصدي لها وعدم الخوف منها، وقد تكون حديث المجالس للرجال والصبيان؛ فيبعث كل ذلك في قلبه الجرأة والشجاعة.
وهذه البيئة القاسية تؤدي إلى تعاون الناس؛ لأن كل واحد منهم يحتاج إلى الآخر؛ فتصبح الحاجة ملحة للتعاون والتكافل والتضامن للتغلب على أعباء الحياة وقساوتها، والحياة في البادية ينشأ فيها الطفل الرضيع مستقلًّا في حياته عن أبيه وأمه وعن أقربائه وعشيرته؛ فتنسّم جو الحرية؛ فيصفو ذهنه وينشأ مستقلًّا في التفكير.
شق صدره صلى الله عليه وسلم:
إن إرهاصات النبوة التيء تواكبت مع مولد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، والتي منها شق صدره وهو عند أمه من الرضاعة حليمة بعد أن عاد معها مرة ثانية؛ فقد روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان؛ فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدًا قد قتل؛ فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم".
وروى ابن إسحاق عن نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك قال: ((نعم: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام،
واستُرْضِعت في بني سعد بن بكر؛ فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بُهمًا لنا إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوء ثلجًا، ثم أخذاني فشقا بطني واستخرجا قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك؛ فوالله لو وزنته بأمته لوزنها)).
وروى ابن أبي الدنيا بغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي؟ وبما علمت حتى استيقنت؟ قال:((يأبا ذر، أتاني ملكان وأنا ببطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل. فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة. فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة. فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف. فوزنني فرجحتهم؛ حتى جعلوا يتثاقلون عليَّ من كفة الميزان، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه. فشق بطني؛ فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، فطرحهما؛ فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه؛ فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني؛ فكأني أعاين الأمر معاينة)).
ولقد تكررت حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات:
منها: ما رواه الإمام أحمد وابن حبان عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما أول ما رأيت في أمر النبوة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لما أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرَها من على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما هامسًا، فقال أحدهما للآخر: اضجعه فأضجعاني، بلا قسر ولا هصر، وقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما على صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع؛ فقال له: ادخل الرأفة والرحمة؛ فإذا مثل الذي أدخل يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغدُ وأسلم؛ فرجعت بها أغدو رقة على الصغير ورحمة للكبير)).
ثم تكررت حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم قبيل البعثة عند الكعبة؛ فقد روى أنس بن مالك أنه: "لما حان أن يتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها، فأتاه جبريل وميكائيل، فقالَا: بأيهما أمرنا؟ فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا وجاءا من القابلة وهم ثلاثة، فألقوه وهو نائم، قلبوه لظهره وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه، ثم جاءوا بطست من ذهب قد ملئت إيمانًا وحكمة؛ فمُلئ بطنه وجوفه إيمانًا وحكمة".
وقصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم منذ صغره، وعلى امتداد عمره صلى الله عليه وسلم وإبعاده عن مزالق الطمع ووساوس الشيطان، وتلك حصانة حسية للرسول صلى الله عليه وسلم أضفاها الله عليه ليعيش طاهر الظاهر والباطن بتوفيق الله تعالى.
إن الله سبحانه وتعالى قد شاءت إرادته منذ الأزل أن يكون محمد خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الأعلى للإنسان السوي الذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب وتصفية النفس، وأحاديث شق الصدر صحيحة بالسند أجمعت عليها سائر مؤلفات السيرة فلا مجال للشك في سندها، ولا يصح لمسلم أن يشكك في هذه
الروايات الصحيحة ويدعي أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قال بها وهو طفل صغير لا يتحمل الرواية.
إن شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم كان لإخراج حظ النفس والشيطان من قلبه، لقد كان بوسع القدر الإلهي أن يضع في محمد صلى الله عليه وسلم ما يشاء الله له من فضل وخير بصورة معنوية غير مدركة بالحواس؛ ولكن الله أراد له هذه الصورة الحسية ليشهد الناس على هذه العجيبة الخالدة التي جعلت من محمد إنسانًا قويًّا شجاعًا طاهرًا نظيف الظاهر والباطن.
ولا نستطيع القول بأن حظ الشيطان مرتبط في النفس بجزء مادي أو غدة معينة؛ لأن هذا مما يستحيل تحديده، وكل ما يمكن الإشارة إليه أن شق صدر محمد صلى الله عليه وسلم من عناية الله به؛ ليترقى في الطهر ويسمو في السلوك ويعلو في روحانيته وشفافيته، ويقترب في نورانيته من الروح والملأ الأعلى.
وليست الحكمة من هذه الحادثة -والله أعلم- استئصال غدة الشر في جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه لأمكن أن يصبح الشرير خَيِّرًا بعملية جراحية؛ ولكن يبدو أن الحكمة هي إعلاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهيئته للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته.
إنها إذن عملية تطهير معنوي؛ ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ليكون ذلك الإعلان الإلهي ظاهرًا بين أسماع الناس وأبصارهم وعلى مستوى تصوراتهم، وأيًّا كانت الحكمة فلا ينبغي -وقد ثبت الخبر ثبوتًا صحيحًا- محاولة البحث عن مخارج لصرف الحديث عن ظاهره وحقيقته والذهاب إلى التأويلات الممجوجة البعيدة المتكلفة.
وبالله التوفيق.