المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أمور مهمة في وصف بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمثلة من كلامه - أصول الدعوة وطرقها ٣ - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌حقيقة مذهب السلف في الإيمان بالقدر، والنصوص الدالة عليه

- ‌تعريفات القضاء والقدر، والفرق بينهما

- ‌أدلة وجوب الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌الدرس: 2 تابع الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌أقسام القدر، وحكم التكذيب به

- ‌الاحتجاجُ بالقدر لترك الواجبات وفعل المعاصي احتجاجٌ باطلٌ

- ‌أثر الإيمان بالقدر على المسلم

- ‌الدرس: 3 الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (1)

- ‌أهداف دراسة السيرة النبوية، والبيئة التي نشأت فيها الدعوة

- ‌الإعداد الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليقوم بأعباء الدعوة

- ‌دلائل النبوة في مولد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الدرس: 4 الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (2)

- ‌عصمة الله رسولَه صلى الله عليه وسلم من دنس الجاهلية

- ‌الإعداد الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من سن الخامسة والعشرين حتى بلوغه الأربعين

- ‌الدرس: 5 الأساليب والوسائل الدعوية من خلال السيرة النبوية (3)

- ‌حال النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي

- ‌حال النبي عند نزول الوحي عليه، وصور ذلك الوحي

- ‌حديث بدء الوحي وما فيه من الفوائد

- ‌الدرس: 6 بدء الوحي، وبداية الدعوة السرية

- ‌بداية نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وفترته

- ‌مرحلة الدعوة السرية

- ‌الدرس: 7 دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل

- ‌أساليب المشركين المتنوعة في إجهاض الدعوة

- ‌السخرية والتكذيب، وصد الناس عن الدعوة، والاعتداء، والمطالب التعجيزية

- ‌الدرس: 8 تابع دروس وعبر من مراحل الدعوة إلى الله عز وجل

- ‌الهجرة إلى الحبشة، وما يستفاد منها

- ‌مرحلة ما بعد وفاة أبي طالب والسيدة خديجة، والرحلة إلى الطائف

- ‌الدرس: 9 دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة

- ‌المسلمون يبدءون الهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية

- ‌الإعداد والتخطيط للهجرة، والدروس المستفادة منها

- ‌الدرس: 10 تابع دروس في فقه الدعوة من خلال الهجرة إلى المدينة

- ‌تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة إلى المدينة

- ‌نتائج الهجرة

- ‌ملامح شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الدرس: 11 هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تريبة أصحابه

- ‌تربية الصحابة على أخلاق الإسلام السامية

- ‌وُدُّ النبي صلى الله عليه وسلم ووفاؤه، وتفقُّد أحوال أصحابه، وكرمه

- ‌غضبه صلى الله عليه وسلم وشدته في الحق

- ‌الدرس: 12 تابع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تريبة أصحابه

- ‌أثر شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه

- ‌تأليف قلوب الصحابه واستمالتهم، والاهتمام بأمرهم، وتفقد أحوالهم، وقضاء حوائجهم

- ‌الدرس: 13 تعريف بالمدعو وبيان حقوقه وواجباته، وسنة الاختلاف

- ‌التعريف بالمدعو، وبيان حقوقه وواجباته

- ‌سنة الاختلاف، والاختلاف فى علم الفقه، والاختلاف بين الصحابة

- ‌الدرس: 14 أصناف المدعوين وكيفية دعوتهم، والدعوة على الوجه الأمثل

- ‌أصناف المدعوين: الملأ، وجمهور الناس، والمنافقون، والعصاة

- ‌تنوع الخطاب الدعوي وفق أحوال المدعوّين

- ‌أحوال الدعوة في الأقطار الإسلامية، وكيف تكون الدعوة على الوجه الأمثل

- ‌الدرس: 15 معاملة غير المسلمين وكيف يدعون إلى الإسلام

- ‌القاعدة الأولى في معاملة أهل الذمة في دار الإسلام

- ‌الأساس الفكري لتسامح المسلمين، وتبليغ الدعوة لغير المسلمين

- ‌الدرس: 16 أساليب الإقناع والتأثير النفسي: الخطابة

- ‌الخطابة: تعريفها، وقيمتها، وتاريخها، ومكانتها في العصر الجاهلي

- ‌خصائص الخطابة في العصر الجاهلي وأغراضها

- ‌الدرس: 17 بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأثرها في الخطابة

- ‌أثر القرآن في بلاغة الرسول، وبلوغه صلى الله عليه وسلم الغاية في البيان

- ‌أمور مهمة في وصف بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمثلة من كلامه

- ‌الدرس: 18 من أنواع الخطابة الدينية: خطبة الجمعة

- ‌الجمعة: تعريفها، وفضلها، وسننها، وشروطها، ووقتها، ومن تجب عليهم

- ‌آداب الجمعة

- ‌الدرس: 19 خطبتا العيدين، والخطب الدينية في موسم الحج

- ‌صفة صلاة العيد وكيفيتها

- ‌الخطب الدينية في موسم الحج

- ‌شروط وجوب الحج، وصحة أركانه، وواجباته ومحظوراته

- ‌الدرس: 20 تابع الخطب الدينية في موسم الحج

- ‌بيان بعض أحكام الحج

- ‌ركوب الطائف، وسنن الوقوف بعرفة، والدفع إلى منى

- ‌الدرس: 21 من أساليب الإقناع العقلي ووسائله

- ‌الجدل

- ‌المحاجة، والمناظرة، والمحاضرة، والندوة، والدرس الديني

الفصل: ‌أمور مهمة في وصف بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمثلة من كلامه

ويروي الرواة أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت الذي هو أفصح منك!! فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي)) وفي معنى هذا الحديث حديث آخر، روي عن علي رضي الله عنه رواه عنه العسكري قال:((قدم بنو فهد بن زيد على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتيناك من غور تهامة، وذكر خطبتهم وما أجابهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال، أي علي: فقلنا: نبي الله، نحن بني أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك تكلم العرب بلسان لا نفهم أكثره، فقال: أدبني ربي، ونشأت في بني سعد بن بكر)).

وفي كتاب (الرعد والبرق) لابن أبي الدنيا في حديث مرسل: أن أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت أفصح منك". وروي عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلم أبا بكر بلسان كأنه أعجم، لا يَفهم مما يقولان شيئا.

‌أمور مهمة في وصف بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمثلة من كلامه

أ- منطق الرسول صلى الله عليه وسلم:

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أن الأنبياء قليلو الكلام قال: ((إنا معاشر الأنبياء بُكَّاء)). وجعل الجاحظ من أسباب قلة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم النفور من التكلف، والبعد من الصنعة، وشدة المحاسبة للنفس، وذكر في هذا الموضع قول الله تعالى:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (ص: 86) فأكثر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الإقلال من الكلام، ولكن ذلك ليس عن عجز بل كراهية للتكلف، وإظهار القدرة على الكلام، وقد كان ذلك شأن كثيرين من بلغاء العرب، ولا يزال شأن كثيرين من صناع الكلام.

ص: 293

قال الجاحظ: "والذي تجود به القريحة وتعطيه النفس سهوًا رهوًا مع قلة لفظه وعدد هجائه أحمد أمرًا، وأحسن موقعًا من القلوب، وأنفع للمستمعين من كثير خرج بالكد والعلاج. قال: والدليل الواضح والشاهد القاطع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((نصرت بالرعب وأعطيت جوامع الكلم)) وهي الألفاظ القليلة المحتوية على المعاني الكثيرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره الإكثار من الكلام والمبالغة والتكلف فيه، وفي ذلك يقول:((ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟!: أحاسنكم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة؟!: الثرثارون المتفيهقون)) ويقول: ((أبغض الرجال إلى الله تعالى البليغ، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها)).

وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التشادق فقال: ((إياي والتشادق)) وهو أن يلوي المتكلم شدقه تفصحًا. وقال: ((إن الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته)).

وكما بغض الإكثار رغب في الإيجاز، في مثل قوله لجرير بن عبد الله البجلي:((يا جرير، إذا قلت فأوجز وإذا بلَّغْتَ حاجتك فلا تتكلف)) ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المثل الأعلى في البلاغة البشرية، لم يكتف بالتبغيض في الثرثرة والتكلف، بل أخرج هذه المعاني في كلمات قاصية تناسب هذه المعاني، وحين شبه جاء بتشبيه من شأنه العون على ما يريده، مِن تهجين الكلام الزائد عن الحاجة، وقد كان يمكن أن يعبر عن هذه المعاني التي عبرت عنها هذه الألفاظ: المتفيهقون، الثرثارون، التشادق، الانبعاق، بألفاظ مرادفة لها أخف منها وأعذب، ولكن من المتفق عليه أن من بلاغة الكلام التطابق التام بين المعاني والألفاظ المعبرة عنها.

ص: 294

وقد روي عن عائشة رضي الله عنها في صفة منطق الرسول قولها: ((ما كان رسول الله يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فَصْل، يحفظه من جلس إليه)). وقد جاء في وصف أم معبد لمنطق الرسول صلى الله عليه وسلم ما يشبه وصف عائشة قالت: ((إن صَمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحررن)). وفي وصف هند بن أبي هالة لمنطق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله ما يؤكد كل ما سبق، وكان هند وصافًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلًا لا فضول فيه ولا تقصير)).

ومن حديث عمر رضي الله عنه: ((كان صلى الله عليه وسلم أوجز الناس كلامًا، وبذلك جاءه جبريل، وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد)). وقد وُصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان جهير الصوت، أحسن الناس نغمة. ومن قول البراء رضي الله عنه:((ما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه)) وروي عن قتادة رحمه الله قوله: ((ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه حسن الصوت)).

ب- أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في الخطابة:

وَصف البلغاء لبلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم:

للجاحظ وصف طويل لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ومما جاء فيه: "هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة ونُزِّه عن التكلف، واستعمل المبسوط في جانب البسط، والمقصور في جانب القصر، وهجر الغريب الحوشي ورغب عن الهجين السوقي، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم،

ص: 295

ولا يَحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة ولا يبطئ ولا يعجل".

وقال الزمخشري: "هذا اللسان العربي كأن الله مخضه، وألقى زبدته على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فما من خطيب يقاومه إلا نكص متفكك الرحل، وما من مصقع يناهزه إلا رجع فارغ السجل".

وقال القاضي عياض في كتابه (الشفا): "وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قَول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، مَن تأمل حديثه وسبره علم ذلك وتحققه".

يقول الرافعي: "إن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب منفرد في هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وإنك لا ترى فيه حرفًا مضطربًا، ولا لفظة مستكرهة على معناها، ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى، وأن جهات الصنعة في الكلام من اللغة والبيان والحكمة، قد سلمت للنبي صلى الله عليه وسلم على أتمها، ولم تسلم لبليغ غيره قط، واللغة في النبي فطرية، والبيان بيان أفصح الناس نشأة وأقواهم من الذكاء والإلهام، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة وتبصير الوحي، وتأديب الله تعالى".

ص: 296

وبعد هذا الإيراد لما قاله الصحابة والبلغاء في وصف بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم نحب أن نقف عند أمور:

الأول: أن هذه الأوصاف شملت كل ما يتصل بالكلام:

فالرسول قليل الكلام طويل السكوت، لا يتكلم إلا إذا دعت إلى الكلام حاجة، معتدل في إلقاء كلامه، لا يبطئ بطأ ملحوظًا ولا يسرع، وهو صلى الله عليه وسلم حسن الصوت جهيره، حلو المنطق عذب الألفاظ، يفخم الحروف حين ينطق بها طبيعة لا تكلفًا، ليس فيه عيب خلقي يجور على الحروف فيلويها أو ينقصها، ولا يعمد إلى التكلف ولا يرضاه، فإن التكلف يجعل الكلام ثقيلًا مملولًا، والتكلف -كما يقول الجاحظ- ما دخل في شيء إلا أفسده.

وتناولت الأوصاف الألفاظ المفردة والجمل المركبة والمعاني، فألفاظه صلى الله عليه وسلم مألوفة مأنوسة، إلا حين يقتضي المعنى لفظًا يناسبه، فيختار الرسول اللفظ الأقل إلفًا، ولكنه ينأى عن الغريب الوحشي وعن السوقي المبتذل، وألفاظه جزلة حين يقتضي المعنى الجزالة، رقيقة حين يتطلب المعنى الرقة، وفي الحالتين هي واضحة الدلالة على معانيها، كل كلمة تعبر بدقة عن تمام معناها.

والأسلوب سهل لا تعقيد فيه ولا التواء، آخذ بحظه الوفير من البيان، موجز حيث لا يحمد إلا الإيجاز، مبسوط حيث يقتضي المقام البسط، فِطري مطبوع.

أما معانيه فتمتاز بالصحة، لُحمتها الصدق وسداها الحكمة والحق، بعيدة عن الخيال، منزهة عن المواربة والخلابة والتمويه.

ص: 297

الثاني: وصف كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه فضل:

وهذا الوصف من أدل الدلائل على البلاغة وسمو الحكمة، فالبليغ الذي ينطق بالكلمة فتُحسم بها الأمور وتنقاد لها العقول، هو صاحب منطق سليم وفكر قويم، وحكمة بارعة وقدرة فذة، على إسكات من يجاذبه الرأي أو يراجعه القول، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك مع لطف الخطاب ولين الجانب وسجاحة الخلق، وهذه أمثلة قليلة ولها نظائر كثيرة في كلامه صلى الله عليه وسلم.

1 -

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احتجبا منه)) فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه)). فالكلمة حاسمة فاصلة، ولذلك لم تستطع واحدة منهما أن تراجع النبي بعدها.

2 -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((لما فتحت مكة قسم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم فقال: ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون فقال: أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وفي رواية البخاري: بالشاة والبعير إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟! فقالوا: بلى، فقال: لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلك الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار)).

ص: 298

وفي رواية أخرى تتعلق بغنائم حنين، بيَّن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم السر في إعطائه القرشيين، وهو أن يتألف قلوب سادتهم، وأن الأنصار قالوا:"يا رسول الله، قد رضينا".

فلا شك أن كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت حاسمة للموقف، وكانت مرضية للأنصار، ومن لطيف ما فيها مقابلة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وقد جلى عن هذه المبالغة بالشاة والبعير، فكأنه يقول لهم: أتغضبون لأن انقلبتم بمن لا يوزن به شيء، وانقلب الناس بهذا المال الذي لا يُعد شيئًا في جانب ما ترجعون به إلى بيوتكم.

وقد جاء ذلك صريحًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به)) وهكذا اقتنع الأنصار بأن نصيبهم أوفى وأوفر وأكرم وأجل، ورضوا وهم يعلمون أن النبي يحبهم ويعزهم، ويذكرون قوله فيهم:((لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، والأنصار شعار والناس بِثار)) كما في البخاري وغيره.

وهذا نموذج من خطب النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:((أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار)).

بين يدي الساعة:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)) رواه الترمذي.

ص: 299

الأبحاث البلاغية:

1 -

في قوله صلى الله عليه وسلم: ((بين يدي الساعة)) استعارة مكنية، وطريق إجراء هذه الاستعارة أن نقول: شبه الساعة برجل، وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليد، على سبيل الاستعارة المكنية بجامع القرب بين كل منهما، فاليد قريبة من الرجُل، والفتن قريبة من الساعة.

2 -

في قوله: ((فتنًا كقطع الليل المظلم)) تشبيه يسمى مرسلًا مفصَّلًا؛ لأن أداة التشبيه قد ذكرت فيه وهي الكاف، فهو مرسل من هذا الوجه، ومفصل لأن وجه الشبه وهو الظلمة قد ذكر فيه، وقد تمت فيه الأركان.

3 -

في قوله: ((يصبح)) و ((يمسي)) وفي قوله: ((مؤمنًا)) و ((كافرًا)) تَقابل جميل، وهذا ما يسمى في علم البلاغة الطباق، كقوله تعالى:{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} (الكهف: 18) والطباق هو أن يجمع المتكلم بين لفظين متقابلين، وقد يكون الطباق في الفعل كما في الأول:((يصبح)) و ((يمسي))، وقد يكون في الاسم كما في قوله:((مؤمنًا)) و ((كافرًا))، وقد يكون في الحرف كقوله تعالى:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 228).

4 -

قوله: ((يبيع دينه بعرض من الدنيا)) جملة خبرية يقصد منها التحذير والتخويف.

الحرية الشخصية:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم

ص: 300

وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)) رواه البخاري والترمذي.

الأبحاث البلاغية:

1 -

قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل القائم)) و ((كمثل قوم استهموا)) فيه تشبيه يسمى تشبيهًا تمثيليًّا؛ لأن وجه الشبه صورة منتزعة من متعدد، وهذا النوع من التشبيه له تأثير عظيم على النفس، فإنه إذا وقع في صدر القول بعث المعنى إلى النفس، بوضوح وجلاء مؤيَد بالبرهان؛ ليقنع السامع، وإذا جاء بعد تمام المعاني كان كالبرهان، الذي تثبت به الدعوى والحجة، التي توجب الإذعان، مثل قول الشاعر:

لا ينزل المجد إلا في منازلنا

كالنوم ليس له مأوى سوى المقل

2 -

بين لفظ: ((أعلاها)) ولفظ ((أسفلها)) طباق بين اسمين، والطباق هو الجمع بين لفظين متقابلين في المعنى، كما هو معلوم في علم البديع، وكذلك يوجد طباق بين قوله:((القائم)) و ((الواقع)).

3 -

((وإن أخذوا على أيديهم)) في هذا اللفظ كناية لطيفة، فقد كنى عن المنع بالأخذ على الأيدي، فهو -إذن- كناية عن صفة، أي: فإذا منعوهم عن تنفيذ ما أرادوا

إلخ.

الجنة تحت ظلال السيوف:

عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف))

ص: 301

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)).

الأبحاث البلاغية:

1 -

((الجنة تحت ظلال السيوف)) قال القرطبي: "هذا من الكلام النفيس البديع، الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ وعذوبته، وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة، مع الألفاظ الوجيزة، بحيث تعجز الفصحاء اللسن والبلغاء المصاقع، عن الإتيان بنظيره وشكله، فإنه استفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد، والإخبار عن ثوابه، إلى أن قال: وهذا كما جاء في الحديث الشريف: ((الجنة تحت أقدام الأمهات)) ففي التعبير استعارة تصريحية، فالمجاهد في سبيل الله يدخل الجنة بسبب جهاده، وصبره على لقاء العدو، وضربه بالسيف، حتى كأن السيوف أصبح لها من كثرتها ظلال تظلل الضاربين".

2 -

((منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب)) فيه من علم البديع ما يسمى بالسجع، وهو ما اتفقت فيه أكثر الفقرات في الوزن والتقفية، ولا يُستحسن السجع إلا إذا جاء عفوًا.

كان بيان القرآن الكريم، وتشريع أحكام جديدة لم ترد في القرآن، وتثبيت عقائد المسلمين في الألوهية، والبعث، والنبوة، وتهذيب أخلاق المؤمنين، وتقويم سلوكهم، كانت كل هذه الأغراض الأساسية للحديث النبوي الشريف، وقد خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44).

ص: 302

فكان الحديث تفصيلًا لما أُجمل في القرآن، وتوضيحًا لما أبهم فيه، وبيانًا لمتشابهه، كما أن الأحكام التي وردت في الحديث النبوي -ولم يرد لها ذكر في القرآن- هي أحكام شرعية صحيحة ثابتة، يلزم العمل بها، كما يلزم العمل بما جاء في القرآن، فالسنة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، وقد يحاول بعض الجهلة أو بعض الضالين المضلين، أن يشكك في حكم من الأحكام، بحجة أنه لم يرد في القرآن الكريم، وربما فعل بعضهم ذلك تظرفًا أو تهربًا من عقوبة، كما روي أن شاعرًا أندلسيًّا سكر، فأُخذ إلى القاضي ليقيم عليه حد الشرب، فلما مثل بين يدي القاضي أنشد أبياتًا جاء فيها:

قرأت كتاب الله تسعين مرة

فلم أرَ فيه للشراب حدودًا

وهي مغالطة واضحة، كأن كل حكم لم يرد في القرآن لا يصح العمل به، ولو أخذنا بقول هذا الشاعر ومن يضلون ضلاله من سكارى عصرنا، سكارى الشراب، سكارى الجهل، وسكارى الانحراف، لأهملنا كثيرًا من تعاليم الإسلام، فعدد الصلوات ليس في القرآن، وكثير من أحكام الصوم ليس في القرآن، وكذلك أفعال الحج وغيرها من العبادات والمعاملات، ليس في القرآن، وقد قال صلى الله عليه وسلم:((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقال: ((خذوا عني مناسككم)).

وقد ابتلي بعض العلماء قديمًا بمن طلب منه أن يدله على مأخذ حكم شرعي، وكان من الأحكام التي جاءت في السنة، فذكر العالم الحديث النبوي الذي تضمن هذا الحكم المسئول عنه، فقال السائل: هل ورد هذا الحكم في القرآن؟ فقال العالم: نعم. قال السائل: في أيِّ آية؟ قال العالم: في قوله

ص: 303

تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر: 7) وفي قوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 80).

وقد رويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث، وُصف كل منها بأنه ثلث الإسلام. قوله صلى الله عليه وسلم:((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)) قال أبو القاسم حمزة بن محمد: "سمعت أهل العلم يقولون: هذا الحديث ثلث الإسلام".

حديث آخر:

ما رواه النعمان بن بشير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه)).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ص: 304