الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للنفوس وتطهير للصفوف وتربية للأرواح فضلًا عن الثواب الجزيل والخير العميم، وخلق إبليس فيه حكم كثيرة ظاهرة؛ كتوبة البشر بعد الزلل، واستخراج عبودية المؤمنين لله تعالى بجهاد إبليس وحزبه والصبر على إغرائه وإغوائه، والالتجاء إلى حمى الله واللياذ بركنه الركين.
أدلة وجوب الإيمان بالقضاء والقدر
الأدلة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49) قال الشوكاني: إن كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبسًا بقدر قدره، وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، وقال تعالى:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: 38) قال الحافظ ابن كثير: أي وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وقال صديق حسن خان: أي قضاء مقضيًّا وحكمًا مبتوتًا، وهو كظل ظليل وليل أليل وروض أريض في قصد التأكيد، ومن السنة حديث جبريل المشهور، وفيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال:((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه)).
قال الحافظ ابن حجر: الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى؛ كما قال تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر: 21).
النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد:
1 -
أعمال العباد جفت بها الأقلام وجرت بها المقادير: عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: ((يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن؛ فيم العمل اليوم؟ أفيم جفت به الأقلام وجرت به المقادير؛ أم فيم يستقبل؟ قال: لا؛ بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر)) وفي رواية: ((فكل ميسر لما خُلق له)).
2 -
علم الله بأهل الجنة وأهل النار: عن علي رضي الله عنه قال: ((كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس؛ فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتب شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول؛ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؛ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة؛ وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟! قال: أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
…
} (الليل: 5، 6))).
3 -
استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة، وأهل النار: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم عليه السلام فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلًا، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (الأعراف: 172، 173))).
وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله آدم حين خلقه؛ فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذريته بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي)).
4 -
كتابة أجل الإنسان وعمله ورزقه، وشقي أو سعيد، وهو جنين في رحم أمه: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح؛ فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل عمل أهل النار فيدخل النار)).
وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
يجب على كل مسلم أن يؤمن بعقيدة القضاء والقدر إيمانًا راسخًا لا يقبل الشك؛ بل إنه لا يصح إسلام امرئ ولا يقبل إيمانه إلا بيقينه الجازم بالقضاء والقدر؛ لأن عقيدة القضاء والقدر ركيزة من ركائز الإيمان الست؛ وذلك لأن عقيدة القضاء والقدر قد دل عليها القرآن الكريم -كما ذكرنا-.
وفي السنة يقول صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك
شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن "لو" تفتح عمل الشيطان)).
- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)).
- وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة)).
- وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها ولتنكح؛ فإن لها ما قدر لها)).
- وقال صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)).
فالإيمان بالقدر جزء من عقيدة المؤمن وركن من أركان الإيمان، وإنكاره أو التشكيك فيه كفر بالله ورسوله -عياذًا بك اللهم.
وقال صاحب "العقيدة الطحاوية": خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، ولم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفذ؛ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم؛ فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره؛ آمنا بذلك كله وأيقنَّا أن كلًّا من عنده، وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من
يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة؛ فلا يزداد في ذلك العدد ولا يُنقص منه.
وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله، وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه ولم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسُلَّم الحرمان ودرجة الطغيان؛ فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن آنامه، ونهاهم عن مرامه؛ كما قال تعالى في كتابه:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23) فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب؛ فمن رد حكم الكتاب كان من الكافرين؛ فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود؛ فإنكار العلم الموجود كفر، وإنكار العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود.
وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: 2) وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (الأحزاب: 38) فويلٌ لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال فيه أفَّاكًا أثيمًا.
وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا؛ فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصفَ المخلوق به؛ فهي مع الفعل؛ وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل إليها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286).
وأفعال العباد خلق الله وكسب العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير:"لا حول ولا قوة إلا بالله"، نقول: لا حيلة لأحد ولا حركة ولا تحوّل لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحَيْن، وتنزه عن كل عيب وشيْن، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
غضب النبي صلى الله عليه وسلم من الذين يجادلون في كتاب الله ويتنازعون في القدر:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القدر؛ فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب؛ فقال: بهذا أمرتم؟! أو: لهذا خلقتم؟! تضربون القرآن بعضه ببعض؟! بهذا هلكت الأمم قبلكم، قال: فقال عبد الله بن عمرو: ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غبطت نفسي بذلك المسجد وتخلفي عنه)).
وفي رواية للإمام أحمد رحمه الله بالإسناد السابق نفسه: ((أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟! وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟! فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: بهذا أمرتم؟! أو بهذا بعثتم؟! أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا إنكم لستم ممن هاهنا في شيء؛ انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، والذي نهيتم عنه فانتهوا)).
وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر؛ فغضب حتى احمر وجهه؛ حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان؛ فقال: أبهذا أمرتم؟! أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه)).
قال المباركفوري -رحمه الله تعالى-: في (التحفة) في شرحه للحديث السابق: ((فغضب حتى احمر وجهه)) أي: نهاية الاحمرار؛ حتى صار من شدة حمرته، ((كأنما فُقِئ)) بصيغة المجهول أي: شق أو عصر ((في وجنتيه)) أي: خديه ((الرمان)) أي حبه، فهو كناية عن مزيد حمرة وجهه المنبئة عن مزيد غضبه؛ وإنما غضب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، وطلب سره منهي، ولأن من يبحث فيه لا يأمن من أن يصير قدريًّا أو جبريًّا، والعباد مأمورون بقبول ما أمرهم الشرع من غير أن يطلبوا سر ما لا يجوز طلب سره.
هذا؛ وبالله التوفيق.