الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي وأغراضها
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي:
قد تميزت الخطابة في العصر الجاهلي بخصائص عدة، منها ما يلي:
أولًا: خصائصها اللفظية:
أ - اتسامها بقصر الجمل وسرد الحكم: حتى تكاد تنقطع الصلة بين جملة وأخرى.
ب - قوة الألفاظ وجزالتها: حتى كانت تصل أحيانًا إلى الخشونة، ولعل السبب في ذلك قوة نفوسهم؛ لأن الكلمات صورة حية لنفس قائلها؛ تجيش صدورهم باليأس؛ فتنطق ألسنتهم بما يعتمل في صدورهم.
جـ- وجود بعض الألفاظ الغريبة: وذلك تأثرًا ببعض القبائل التي تنطقها مثل حِمير.
د- استعمالها في معانيها الحقيقة، وعدم اللجوء كثيرًا إلى المجاز، ويرجع السبب في ذلك إلى إحاطتهم الكاملة بلغتهم، وعلمهم علمًا صحيحًا بمدلولات الألفاظ، ووجه دلالتها عليها وقلة حاجتهم إلى استعمال لفظ في مدلول آخر، وهذا لا يمنع أن يكون في كلامهم الكنايات الرائعة والأمثال السائرة والتشبيهات المحكمة؛ فإن ذلك كان عندهم ولكن لم يكن كثيرًا في خطبهم؛ لإرسالهم القولَ ارتجالًا من غير تحضير وتهيئة.
ثانيًا: خصائصها المعنوية:
أ - أنها نظرية تنشأ عن اللمحة العارضة والفكرة الطارئة وعفو الخاطر من غير إرهاق للفكر ولا تعمق في النظر.
ب - كما جاءت خطبهم غيرَ متماسكة الأجزاء وغير مسلسلة الأفكار؛ لأنهم لم يكونوا أهل علوم يسودهم التفكير المنظم والتقسيم المستغرق لكل جوانب الموضوع؛ ولذلك كان المعنى عندهم لا يأتي مرتبًا. وأصدق الخطب التي تدل على ذلك خطب أكثم بن صيفَى؛ فإن مَن ينظر فيها يجد أنها جاءت حكمًا متناثرة؛ بل هي در منثور غير منتظم في عقد، وأحيانًا يتحد الغرض في الخطبة فتأتي متماسكة؛ ولكن هذا النوع جاء نادرًا؛ وإذا جاء يأتي موجزًا كل الإيجاز؛ كخطبة أبي طالب في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله عنها.
جـ- عدم مجافاتها للواقع بمراعاة الصدق فيها بعيدًا عن المجازفة والمبالغة؛ وذلك للميول والرغبة في قول الحق وصراحة الرأي.
د- كانت معبرة عن خبرتهم وتجاربهم في دروب الحياة وميادينها، تأتي في غير إرهاق ولا تعب.
ثالثًا: خصائص الأسلوب:
أ - الارتجال: وهو ظاهر فيها؛ إذ يلاحظ عدم التنسيق وترابط الأفكار.
ب - البعد عن التكلف لعدم التهيؤ والاستعداد لها مسبقًا.
جـ- السجع، وقصر الفواصل، وتمييز اللفظ، وضرب الأمثال، واستنتاج العبر والعظات.
أغراض الخطابة في العصر الجاهلي:
أ - الصلح:
كانت العداوة والخصومات بين العرب في الجاهلية غالبًا ما تنتهي بفضل خطباء نابهين، يلقون من الأقوال المؤثرة ما يؤلف بين القلوب المتنافرة، ويصلح بين النفوس المتخاصمة، ويحول العداوة إلى محبة وسلام، وذلك ببيان مزايا الأمن والأمان والمودة والوئام، وكذلك نتيجة العداوة والخصام من قتل وتشريد وضياع للأنفس والأموال.
ومثال ذلك نقله "مرثد الخير بن ينكف" في الصلح بين حيين من العرب: سبيع بن الحارث، وميثم بن مثوب، وكانا قد تنازعا في الشرف وتشاحنَا؛ فقال مرثد في الصلح بينهما: إن التخبط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على شفا هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة؛ فتلافيَا أمرَكما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة، وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة، والمودة مثرية، والبقية معرضة؛ فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع؛ ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور أمرهم؛ فتلاقوا القرحة قبل تفاقم الثأي، واستفحال الداء، وإعواز الدواء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء.
ب - المفاخرة والمنافرة:
حيث كان الخطيب يقف فيجرد لسانه وألفاظه وعباراته في بيان مزاياه ومزايا قبيلته، من ناحية الحسب والنسب والأصل العريق، وقد يبالغ في ذلك إلى حد
كبير؛ كما أنه يحاول أن يسلب غيره كل المعاني والصفات الكريمة، وها هو علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل تحادثَا، ثم أخذ كل منهما يسلب الآخر ما فيه من صفات الخير.
وقد ظلت المفاخرات والمنافرات جارية في العرب حتى جاء الإسلام؛ فنهى عنها، ومنع التمايز والتفاضل الذي يظنه الناس تمايزًا وتفاضلًا، وحصر التفاضل بين الناس في التقوى والعمل الصالح، وهما لا يعلمهما إلا الله تعالى؛ لأنهما عملان خالصان لله عز وجل فلا يجوز التباهي بهما، والتباهي بهما يفسدهما ويذهب بثوابهما.
جـ- الرثاء:
فالعربي القديم كان يتميز بعاطفة جياشة وحس مرهف؛ ولذلك كان يتأثر بشدة عندما تحل به مصيبة، أو تنزل به نازلة؛ فينطلق لسانه معبرًا عما يجيش في نفسه ويختلج في أعماقه، ومن ذلك ما قاله أكثم بن صيفى في تعزيته لعمرو بن هند في أخيه:
"أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد عدل؛ فجعك بنفسه، وأبقى لك وعليك حكمه، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأتِه، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدتك؛ فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها؛ فما بقاء الفروع بعد أصولها؟! واعلم أن أعظم من المصيبة: سوء الخلق منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله".
والخطبة -كما هو واضح من كلماتها- تهوِّن من شأن الدنيا، وتذكر الناس بأنهم عنها راحلون.
د- الوصايا:
قد يشعر صاحب المكانة العالية والمنزلة الرفيعة في أهله وعشيرته بدنو أجله وقرب رحيله؛ فيلقي على سمع أحبابه وأنصاره ما ينبغي أن يكونوا عليه في حياتهم من بعده؛ كوصية ذي الأصبع العدواني لابنه والتي قال فيها:
"يا بني، إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سأم العيش؛ وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته؛ فاحفظ عني؛ ألِن جانبك لقومك يحبوك؛ وتواضع لهم يرفعوك؛ وابسط لهم وجهك يطيعوك؛ ولا تستأثر عليهم بشيء يودوك؛ وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم؛ يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحمِ حريمك، وأعزز جارك، وأعِنْ من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ؛ فإن لك أجلًا لا يعدوك؛ وصن وجهك عن مسألة أحد شيئًا فبذلك يتم سؤددك.
ومن ذلك أيضًا: وصية أكثم بن صيفى لبنيه، والتي جاء فيها:
يا بني تميم، الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف للذنب، كلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم؛ فإذا نجمت فهي أسد محرب، أو نار تلهب، ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب.
هـ- خطب الزواج:
فقد كان من العادات المتأصلة فيهم أن يقوم ولي الزوج بخطبة يبين فيها مزايا وخصال الخير في الزوج، ورغبته في الزوجة وقبوله لها.
من ذلك: خطبة أبي طالب في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها والتي قال فيها:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنَ أخي مَن لا يُوازَنُ به فتًى مِن قُريشٍ إلا رَجَحَ عليه؛ برًِّا، وفَضْلًا، وكَرَمًا، وعَقْلًا، ومَجْدًا، ونُبلًا، وإن كان في المال قَلَّ؛ فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبةٌ ولها فيه مثلُ ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليه.
والدعوة إلى الوحدة ونبذ الخلافات:
وهذا من أعظم وأنبل الأغراض التي اهتم بها الخطباء العرب في العصر الجاهلي؛ حيث كانوا يدعون في بعض خطبهم إلى جمع الشمل وإزالة أسباب الفرقة؛ لأن فيها الضعف والضياع وذهاب الريح، وكانوا يتخذون من الأسواق وغيرها مكانًا للالتقاء بالجموع الغفيرة من الناس؛ ليعم النفع وينتشر الحب والسلام، ومن الذين فعلوا ذلك عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام سيف بن ذي يزن، عندما ذهب إليه وفد من قريش بعد أن أجلى الحبشة عن بلاد العرب.
وجاء في كتاب (الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي): أن الوصايا من الخطب؛ وإنما تكون من حكيم لقومه، أو من سيد لعشيرته، أو أَب لبنيه، أو من أم لابنتها، ويغلب أن يكون ذلك عند الإحساس بالأجل أو العزم على الرحلة:
فمن ذلك: وصية النعمان بن ثواب العبدي، قال في (مجمع الأمثال): وكان رجلًا يوصي بنيه ويحملهم على أدبه؛ فأوصى أحدهم -وكان صاحب حرب- قال: "يا بني، إن الصارم ينبو والجواد يكبو والأثر يعفو؛ فإذا شهدت حربًا
فرأيتَ نارها تسعر وبطلها يخطُر وبحرها يزخر وضعيفها ينصر وجبانها يجسر؛ فأقلل المكث والانتظار؛ فإن الفرار غير عار إذا لم تكن طالب ثار".
ومنها: ما قالته امرأة عوف بن محلم الشيباني، وكان عمرو بن جحل جد امرئ القيس الشاعر قد خطبها إلى أبيها فزوجها منه؛ فلما كان بناؤه بها أوصتها أمها وصية لم تدع شيئًا من تأديب المرأة وكفايتها إلا وعته فيها، قالت:
"أي بنية، إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت، وعشكَ الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه؛ فكوني له أمةً يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالًا عشرًا يكن لك ذخرًا:
أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لموضع عينيه وأنفه؛ فلا تقع عينُه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيبَ ريح؛ وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه؛ فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، أما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله والإرعاء على حَشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا ولا تفشين له سرًّا؛ فإنك إن عصيت أمره أوغرت صدره؛ وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، ثم إياك والفرحَ بين يديه إذا كان مهتمًّا والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا".
المنافرة:
ومن النثر المأثور عن أهل هذا العصر ما كان يقع أولًا على جهة المحاورة بين رجلين، ثم يتورط أحدهما أو كلاهما؛ فينزع بهما الجدل إلى المنافرة: وهي التحاكم إلى الأشراف من حكام العرب؛ ليفصلوا بينهما ويقضي الحَكَم لأحدهما أو يسوي بينهما:
ومن ذلك: ما وقع لعامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريين، وحديثهما مشهور، قالوا: إن عامرًا وقف لعلقمة يومًا فجعل ينازعه الشرفَ في قومه، وتفاقم بينهما الأمر، وكان مما قاله عامر: والله لَأَنَا أشرف منك حسبًا وأثبت منك نسبًا وأطول قصدًا، قال علقمة: أنافرك: وإني لبر وإنك لفاجر، وإني لولود وإنك لعاقر، وإني لوفي وإنك لغادر. قال عامر: أنافرك: وإني أنشر منك أُمة، وأطول قمة، وأبعد همة. وطال بينهما الكلام؛ فتواعدَا على الخروج إلى من يحكم بينهما، وجعلَا يطوفان الأحياءَ، وهاب الناس أن يحكِّموا بينهما؛ خيفةَ أن يقع في حييهما الشر؛ حتى دفعَا إلى هرم بن قطبة الفزاري؛ فلما علِمَ بأمرهما أمر بنيه أن يفرقوا جماعة الناس؛ تفاديًا من الفتنة، وجعل يطاولهما ويخوف كل واحد منهما من صاحبه؛ حتى لم يبقَ لواحد منهما هم سوى أن يسوي في حكمه بينهما، ثم دعاهما بعد ذلك والناس شهود؛ فقال لهما: أنتما كركبتي البعير تقعان إلى الأرض معًا وتقومان معًا؛ فرضيَا بقوله وانصرفا عنه إلى حييهما، وقد عمِّر هرم هذا إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال عمر:"أيهما كنتَ منفرًا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو قلتُها الآن لعادت جزعةً -يعني: الفتنة أو الحرب- فقال له عمر: إنك لأهل لموضعك من الرياسة".
وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.