المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌265 - (75) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ٨

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌242 - (54) باب: سترة المصلي

- ‌243 - (55) باب منع المصلي من يمر بين يديه والتغليظ في المرور بين يديه

- ‌244 - (56) باب دنو المصلي إلى السترة وبيان قدرها وما يقطع الصلاة

- ‌245 - (57) بَابُ اعْترِاضِ المَرْأَةِ بَينَ يَدَي المُصَلِّي لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ

- ‌246 - (58) باب الصلاة في الثوب الواحد وكيفية لبسه وعلى الحصير

- ‌أبواب المساجد

- ‌247 - (58) باب أول مسجد وضع في الأرض وما جاء أن الأرض كلها مسجد

- ‌248 - (60) باب ابتناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌249 - (61) باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة زادها الله شرفًا

- ‌250 - (62) باب النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذها مساجد ولعن فاعله وعن التصاوير فيها

- ‌251 - (62) باب ثواب من بنى لله مسجدًا

- ‌252 - (63) باب وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق

- ‌253 - (64) باب جواز الإقعاء أي الجلوس على العقبين في الصلاة

- ‌254 - (65) باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إِباحته

- ‌255 - (66) باب جواز رد المصلي السلام عليه بالإشارة

- ‌256 - (67) باب جواز لعن الشيطان والتعوذ منه أثناء الصلاة وجواز العمل القليل فيها

- ‌257 - (68) باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة

- ‌258 - (69) باب اتخاذ المنبر ومن صلى على موضع أرفع ليعلم المأمومين الصلاة

- ‌259 - (70) باب: كراهية الاختصار في الصلاة

- ‌260 - (71) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في موضع السجود في الصلاة

- ‌261 - (72) باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيره وحكه عنه وعن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه

- ‌262 - (73) باب كفارة البزاق في المسجد

- ‌263 - (73) باب جواز الصلاة في النعلين وكراهية الصلاة في الثوب المعلم

- ‌264 - (74) باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام الذي يتوق إليه ومع مدافعة الأخبثين

- ‌265 - (75) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد

- ‌266 - (76) باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد

- ‌267 - (77) باب: السهو في الصلاة والسجود له

- ‌268 - (88) باب مشروعية سجود التلاوة وجواز تركه

- ‌269 - (89) باب كيفية الجلوس للتشهد وكيفية وضع اليدين على الفخذين

- ‌270 - (90) باب السلام من الصلاة وكم يسلم

- ‌271 - (91) باب الذكر بعد الصلاة أي بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة

- ‌272 - (92) باب: استحباب التعوذ من عذاب القبر في الصلاة

- ‌273 - (93) باب: ما يستعاذ منه في الصلاة

- ‌274 - (94) باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده

- ‌275 - (95) باب السكوت بين تكبيرة الإحرام والقراءة وما يقال فيه وعدمه عند النهوض من الثانية

- ‌276 - (96) باب فضل التحميد في الصلاة

- ‌277 - (97) باب الأمر بإتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيًا

- ‌278 - (98) باب متى يقوم الناس للصلاة

- ‌279 - (99) باب إذا ذكر الإمام أنه محدث خرج فأمرهم بانتظاره

- ‌280 - (100) باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة

- ‌281 - (101) باب من أدرك من الفجر والعصر ركعة قبل طلوع الشمس وغروبها فقد أدركهما

- ‌282 - (102) باب: أوقات الصلوات الخمس

- ‌283 - (103) باب الإبراد بالظهر في شدة الحر

- ‌284 - (104) باب تعجيل الظهر بعد الإبراد، وفي زمن البرد

- ‌285 - (105) باب تعجيل صلاة العصر

الفصل: ‌265 - (75) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد

‌265 - (75) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد

1142 -

(521)(180) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، (وَهُوَ الْقَطَّانُ)، عَنْ عُبَيدِ اللهِ. قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال، فِي غَزْوَةِ خَيبَرَ: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، (يَعْنِي الثُّومَ)، فَلَا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ".

قَال زُهَيرٌ: فِي غَزْوَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ خَيبَرَ

ــ

265 -

(75) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل أو نحوهما وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد

1142 -

(521)(180)(حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (قالا حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ (وهو القطان) التميمي البصري (عن عبيد الله) بن عمر العدوي العمري المدني (قال أخبرني نافع عن ابن عمر) وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي واثنان بصريان أو بصري ونسائي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة خيبر: "من أكل من هذه الشجرة") غير مطبوخة، قال ابن عمر (يعني) النبي صلى الله عليه وسلم بقوله هذه الشجرة بَقْلَةَ (الثومِ) وهذا تفسير مدرج من الراوي (فلا يأتين المساجد) كلها وكذا كل مجامع الخير كمصلى العيد والاستسقاء ومدارس العلم، وهذا حجة على من قال إن ذلك النهي مخصوص بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله في حديث جابر الآتي "فلا يقربن مسجدنا" والحديث يدل على أن مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها لا يقربها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس ولذلك جمع بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر، وتسمية الثوم شجرة على خلاف الأصل فإنها من البقول، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرواية الآتية بقلة، والشجر في كلام العرب ما له ساق قوي يحمل أغصانه وما ليس كذلك فهو نجم كما روي عن ابن عباس وابن جبير في قوله تعالى:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)} الآية، قال المؤلف رحمه الله تعالى (قال) شيخي (زهير) بن حرب في روايته لي قال الرسول صلى الله عليه وسلم (في غزوة ولم يذكر) زهير في روايته لفظة (خيبر) بل ذكرها

ص: 193

1143 -

(00)(00) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي. قَال: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا" يَعْنِي الثُّومَ.

1144 -

(522)(181) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ)، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، (وَهُوَ ابْنُ صُهَيبٍ)، قَال: سُئِلَ أَنَسٌ

ــ

ابن المثنى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [2/ 13 و 20] والبخاري [853] وأبو داود [3825] وابن ماجه [1016].

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:

1143 -

(00)(00)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا) عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (ح قال وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير واللفظ له) لا لأبي بكر (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (قال) أبي (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العدوي العمري (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الله بن نمير ليحيى القطان في رواية هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، وفائدتها بيان كثرة طرقه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كل من هذه البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب) عنه (ريحها) المنتن بمعالجةٍ كأكل الكزبرة أو طول مكث، قال ابن عمر (يعني) النبي صلى الله عليه وسلم بالبقلة (الثوم) بضم المثلثة؛ البقلة المعروفة، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات.

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أنس رضي الله عنهم فقال:

1144 -

(522)(181)(وحدثني زهير بن حرب) الحرشي النسائي (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الهذلي البصري (يعني ابن علية) اسم أمه (عن عبد العزيز وهو ابن صهيب) البُنَاني البصري الأعمى (قال) عبد العزيز (سُئل أنس) بن مالك

ص: 194

عَنِ الثُّومِ؟ فَقَال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّا، وَلا يُصَلِّي مَعَنَا".

1145 -

(523)(182) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ - قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقَ،

ــ

الأنصاري البصري (عن) أكل (الثوم) وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا زهيرًا فإنه نسائي (فقال) أنس (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة) أي من هذه البقلة كما في رواية حديث ابن عمر، ففي الحديث تسمية الثوم شجرًا وبقلًا، وقال أهل اللغة البقل كل نبات اخضرت به الأرض اهـ نواوي (فلا يقربنا) بإدغام نون التوكيد الخفيفة في نون ضمير المتكلمين أي فلا يقربن إيانا في مجالسنا (ولا يصلي) بإثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهي أو على لغة من يجزم المعتل بالسكون الظاهر على حرف العلة كقوله:

ألم يأتيك والأنباء تنمي

بما لاقت لبون بني زياد

أي ولا يصل (معنا) في مساجدنا حتى يزيل رائحتها لئلا يؤذي المسلمين برائحتها المنتنة، وفي بعض الرواية (فلا يقربنا) بتخفيف النون (ولا يصل معنا) بحذف الياء للجازم وكلاهما صحيح. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [3/ 186] والبخاري [5451].

وفي الحديث نَهْيُ مَنْ أكَلَ الثومَ ونَحْوَها عن حضورِ مجمَع المسلمين وإن كانوا في غير مسجد، ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات وغيرها كمصلى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا تلتحق بها الأسواق ونحوها.

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله عنهم فقال:

1145 -

(523)(182)(وحدثني محمد بن رافع) القشيري أبو عبد الله النيسابوري، ثقة، من (11) روى عنه في (11) بابا (وعبد بن حميد) الكسي صاحب المسند والتفاسير، ثقة، من (11) روى عنه في (12) بابا (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة، من

ص: 195

أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ".

1146 -

(524)(183) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ

ــ

(9)

روى عنه في (7) أبواب (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، ثقة، من (7) روى عنه في (9) أبواب (عن) محمد بن مسلم (الزهري) أبي بكر المدني، ثقة، من (4) روى عنه في (23) بابا (عن) سعيد (بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أبي محمد المدني، ثقة، من (2) روى عنه في (17) بابا (عن أبي هريرة) الدوسي المدني رضي الله عنه. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بصري وواحد صنعاني وواحد نيسابوري أو كسي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة (قال) أبو هريرة (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة) أي من هذه البقلة النيئة المنتنة (فلا يقربن) بنون التوكيد الثقيلة (مسجدنا) أي مساجدنا معاشر المسلمين أيَّ مسجدٍ كان، سواء كان مسجدَ المدينة أو غيره (ولا يؤذينا) بإثبات الياء على أنه خبر بمعنى النهي أو على اللغة السابقة كما مر تفصيله آنفًا، وروي حذفها على النهي الصريح أي فلا يؤذ إيانا في مجامعنا (بريح الثوم) النِّيئِ المنتنِ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [2/ 264 و 266] وابن ماجه [1015].

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث جابر رضي الله عنهم فقال:

1146 -

(524)(183)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا كثير بن هشام) الكلابي أبو سهل الرقي ثم البغدادي، ثقة، من (7) روى عنه في (3) أبواب (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) أبي بكر البصري، ثقة، من (7) روى عنه في (7) أبواب (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من (4) روى عنه في (9) أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي السلمي أبي عبد الله المدني رضي الله عنه. وهذا السند من خماسياته رجاله واحد منهم مدني وواحد مكي وواحد بصري وواخد بغدادي وواحد كوفي، وهذا التَّفَرُّقُ

ص: 196

قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ. فَغَلَبَتْنَا الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا. فَقَال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا. فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ".

1147 -

(00)(00) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ؛ أَنَّ

ــ

من لطائفه (قال) جابر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل البصل والكراث) النيئين المنتنين (فغلبتنا الحاجة) والضرورة يعني الجوع إلى أكلها (فأكلنا منها) أي من كل من البقلتين، وكان مقتضى السياق (منهما) بالتثنية ولكن أفرد الضمير نظرًا إلى أن المقصود النهي من كل واحدة منهما سواء أكلا مجتمعين أو منفردين كما يعلم من قوله (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أكل من هذه الشجرة) أي من هذه البقلة (المنتنة) أي العفنة أيًّا كانت منهما (فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس) وهم ملازمون المساجد ومواضع الذكر، قال النواوي: هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما من باب تفعل بحذف إحدى التاءين أصله تَتَأذى وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول تَأذى مِمَّا يَأْذَى منه الإنس بتخفيف الذال فيهما وهي لغة يقال أَذِيَ يَأْذَى مثل رضي يرضى ومعناه تأذى، قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليًا لأنه محل الملائكة ولعموم الأحاديث اهـ. قال القاضي: قال ابن أبي صفْرَة: وفيه أن الملائكة أفضل من بني آدم، ولا حجة فيه لا سيما مع قوله فإنها تتأذى بما يتأذى به الإنسان فسوى بينهم اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [3/ 400] والبخاري [858] وأبو داود [3822] والترمذي [1807] والنسائي [2/ 43].

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر رضي الله عنه فقال:

1147 -

(00)(00)(وحدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن سرح الأموي المصري، من (10)(وحرملة) بن يحيى التجيبي المصري، من (11) كلاهما (قالا أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (قال حدثني عطاء بن أبي رباح) واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم أبو محمد الجُنْدِيّ اليمانيّ ثم المكيُّ، ثقة، من (3) (أن

ص: 197

جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله قَال: -وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ: وَزَعَمَ- أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيتِهِ". وَإِنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ. فَقَال:

ــ

جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني (قال وفي رواية حرملة وزعم) بدل قال؛ أي أن جابر بن عبد الله زعم (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) الحديث المذكور، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عطاء بن أبي رباح لأبي الزبير في رواية هذا الحديث عن جابر، وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة (من أكل ثومًا أو بصلًا) أي غير مطبوخين (فليعتزلنا) أي فليبتعد عنا في مجامعنا (أو) قال جابر أو من دونه (ليعتزل) آكِلُهُما (مسجدَنا) والشك من الراوي أو ممن دونه فإنه مع أنه مجمع المسلمين مهبط الملائكة المقربين، قال بعض العلماء: النهي عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وحجة الجمهور رواية "فلا يقربن مساجدنا" فإنه صريح في العموم (وليقعد) ذلك الآكل (في بيته) حتى يزيل أو تزول عنه تلك الرائحة الكريهة (وإنه) صلى الله عليه وسلم (أُتي بقدر) بكسر القاف وسكون الدال ما يطبخ فيه الطعام، قال النواوي: هكذا هو في نسخ صحيح مسلم كلها "بقدر" ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة "أتي ببدر" بفتح الموحدة وسكون الدال، قال العلماء: هذا هو الصواب، وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب البدر بالطبق، قالوا: سمي بدرًا لاستدارته كاستدارة القمر عند كماله، والطبق شيء يتخذ من الخوص وهو ورق النخل ليؤكل عليه الطعام، ولو سلم رواية "بقدر" يكون المعنى أنها لم تمت بالطبخ تلك الرائحة منها فبقي المعنى المكروه فكأنها نيئة، واستدل به على كراهة ما له ريح كريه من البقول وإن طبخ، وجملة قوله (فيه) أي في ذلك القدر، والمشهور في القدر التأنيث وأشار المجد إلى جواز تذكيره فلعل تذكير الضمير هنا مرة وتأنيثه أخرى مبني على ذلك الجواز اهـ من بعض الهوامش (خضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين جمع خضرة، ويروى بضم الخاء وفتح الضاد جمع خضرة (من بقول) من للبيان صفة لقدر (فوجد) صلى الله عليه وسلم (لها) أي لتلك القدر (ريحًا) كريهًا أي عرف ما فيها من الريح (فسأل) رسول الله صلى الله عليه وسلم عما في القدر (فأخبر) بالبناء للمفعول أي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم (بما فيها) أي بما في تلك القدر (من البقول فقال)

ص: 198

"قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَال:"كُلْ، فَإِني أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي".

1148 -

(00)(00) وحدّثني مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ. قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ قَال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ

ــ

رسول الله صلى الله عليه وسلم (قربوها) أي قربوا تلك القدر (إلى) من عنده من (بعض أصحابه) قال الكرماني: فيه النقل بالمعنى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله بهذا اللفظ، بل قال قربوها إلى فلان مثلًا، أوفيه حذف أي قال قربوها مشيرًا إلى بعض أصحابه والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاري (فلما رآه) ذلك البعض أي لما رأى ذلك البعض الذي قرب إليه ما في القدر من الخضرات المنتنة (كره أكلها) أي كره ذلك البعض أكلها وأبى منه فـ (قال) له رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل) منها يا فلان فإنك لست مثلي (فإني أناجي) وأخاطب وأسارر (من لا تناجيـ) ـهم أنت من الملائكة الكرام، ويدل لما قلنا من أن ذلك البعض أبو أيوب الأنصاري ما في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري في قصة نزول النبي صلى الله عليه وسلم عليه قال: فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا فإذا جيء به إليه أي بعد أن أكل النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فصنع ذلك مرة فقيل له لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم وكان الطعام فيه ثوم فقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن أكرهه" والله أعلم.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر رضي الله عنه فقال:

1148 -

(00)(00)(وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون أبو عبد الله السمين البغدادي صدوق من (10) روى عنه في (11)(حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي أبو سعيد البصري الأحول، ثقة، من (9) روى عنه في (13) بابا (عن) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (قال) ابن جريج (أخبرني عطاء) بن أبي رباح القرشي المكي (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله عنه. وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد بغدادي، وغرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (قال) في المرة الأولى يعني أول يوم (من أكل من

ص: 199

هَذِهِ، الْبَقْلَةِ، الثُّومِ -وَقَال مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ".

1149 -

(00)(00) وَحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح قَال: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ:"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا"،

ــ

هذه البقلة) يعني من (الثوم وقال) النبي صلى الله عليه وسلم (مرة) ثانية أي في اليوم الثاني (من كل البصل والثوم والكراث) ورواية النسائي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل من هذه الشجرة قال أول يوم: الثوم، ثم قال: الثوم والبصل والكراث فلا يقربنا"(فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) من الرائحة الكريهة، وكرر متن الحديث لما فيها من المخالفة للرواية الأولى، قال المازري: وألحق أهل المذهب بذلك أهل الصنائع المنتنة كالحواتين والجزارين، قال القاضي: وكذلك الفجل لمن يتجشأ به، وألحق ابن المرابط بذلك ذا البخر والجرح المنتن، قلت: وألحق الشيخ بذلك كثير الضُّنَانِ والبرص الذي يتأذكى بريحه، وأفتى ابن رشد بمنع ذي البرص أن يبيع المعجون، قال الشيح: وبيعه اللحم والسلع العطورية أخف من بيع المعجون فاعلمه اهـ أبي.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث جابر رضي الله عنه فقال:

1149 -

(00)(00)(وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه الحنظلي المروزي (أخبرنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني أبو عثمان البصري، صدوق، من (9) روى عنه في (5) أبواب (ح قال وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (11)(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (قالا) أي قال كل من محمد بن بكر وعبد الرزاق (جميعًا أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد) يعني عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أكل من هذه الشجرة يريد) النبي صلى الله عليه وسلم بالشجرة (الثوم) فهو تفسير مدرج من الراوي (فلا يَغْشَنَا) بالجزم على النهي من الغشيان بمعنى الإتيان، يقال غَشِيَ يَغْشَى من باب رضي إذا أتاه أي فلا يأتنا (في مسجدنا) أي في مجمعنا، غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة محمد بن بكر وعبد الرزاق ليحيى بن

ص: 200

وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ

ــ

سعيد في رواية هذا الحديث عن ابن جريج (و) لكن (لم يذكر) في روايتهما (البصل والكراث) كما ذكره يحيى بن سعيد.

قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية المارة (من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا) ضبطه ابن الملك بضم الراء وهو لغة قليلة ولا مانع من الفتح لا رواية ولا دراية فهو لغة القرآن والحديث مضبوط به في صحيح البخاري ثم إن البخاري قيد في الترجمة الثوم بالنيئ وهو الظاهر من النهي في الحديث فإن مداره على التأذي من نتنه ولا يوجد ذلك في مطبوخه وكذلك أخواه البصل والكراث وأنتنهما الثوم، وقد جاء فيه وفي البصل الإماتة بالطبخ على ما سيأتي ذكره، وفي بعض أحاديث الباب إطلاق الشجر، وفي بعضها إطلاق البقل على الثوم، والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له الساق وما لا ساق له فنجم، وبه فسر قوله تعالى:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)} ففيه مجاز، وأما البقل فكل نبات اخضرت به الأرض، وفي الحديث نَهْي مَنْ أَكلَ مِنْ تلك البقول شيئًا عن حضورِ مجمعِ الناس من مجامع العبادات ومجامع العلم والذكر والولائم، فإن العلة مشتركة ومن قصر المنع على المسجد فقد بَعُدَ عن فهم المعنى كمَنْ فَهِمَ مِنْ لفظِ مسجدنا معنى اختصاص الحكم بمسجد نبينا صلى الله عليه وسلم وذكر النواوي استدلال بعضِ العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم فإن الملائكة تتأذى

إلخ على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وإن كان خاليًا من الإنسان لأنه محل الملائكة لكن المفهوم من قوله ولا يؤذينا أن علة المنع هو تأذي بني آدم قاله ابن الملك، ثم قال: ولا تنافي بين العلتين إذ يمكن أن يكون كل منهما علة مستقلة أو يقال: تأذي الملائكة يكون بتأذي الناس منها، وفي قوله: مما يتأذى منه بنو آدم دون أن يقول منها مع كونه أخصر إشارة إليه لأن الحكم المتعلق بالشيء الموصوف يكون وصفه سببًا له كما إذا قيل صحبت الحكماء واجتنبت السفهاء فعلى هذا يجوز دخوله المسجد إذا كان خاليًا لانتفاء تأذي الملائكة بانتفاء تأذي الناس، وفي شرح النواوي: لا يلتحق بالمساجد ونحوها الأسواق، ويلتحق بآكل الثوم من أكل فجلًا وكان يتجشأ به اهـ.

ثم استشهد المؤلف رحمه الله رابعًا لحديث ابن عمر بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما فقال:

ص: 201

1150 -

(525)(184) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ قَال: لَمْ نَعْدُ أنْ فُتِحَتْ خَيبَرُ. فَوَقَعْنَا، أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ. الثُّومِ. وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلًا شَدِيدًا. ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرِّيحَ. فَقَال:"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيئًا فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ" فَقَال النَّاسُ: حُرِّمَتْ. حُرِّمَت

ــ

1150 -

(525)(184)(وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري (عن) سعيد بن إياس (الجريري) مصغرًا نسبة إلى أحد أجداده جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس أبي مسعود البصري (عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العَوَقِي البصري، ثقة، من الثالثة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري رضي الله عنه. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد مدني وواحد بغدادي (قال) أبو سعيد الخدري (لم نعد) بفتح النون وسكون العين وضم الدال لأنه من عداه الشيء إذا جاوزه من باب دعا أي لم نتجاوز (أن فتحت خيبر) بالبناء للمفعول، والفاء في قوله (فوقعنا) بمعنى حتى (أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منصوب على الاختصاص، وقوله (في تلك البقلة) متعلق بوقعنا، وقوله (الثوم) بدل من البقلة، وقوله (والناس جياع) جملة حالية من فاعل وقعنا، والمعنى لم نتجاوز نحن أخص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر ولم نفرغ من غزوتها حتى وقعنا في أَكْلِ تلك البقلةِ يعني الثوم، والحال أن الناس جائعون لفقد الطعام (فأكلنا منها) أي من تلك البقلة الخبيثة (أكلًا شديدًا) أي أكلًا كثيرًا (ثم رحنا) أي ذهبنا في الرواح (إلى المسجد) النبوي (فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عرف وشم منا (الريح) أي ريح البقلة الكريهة (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أكل) منكم (من هذه الشجرة الخبيثة) أي المستكرهة المنتنة (شيئًا) أي قليلًا أو كثيرًا (فلا يقربنا) بتشديد نون الضمير (في) هذا (المسجد) فلما سمع الناس هذا الذم ظنوا أنها قد حرمت فصرحوا به كما قال (فقال الناس) بعضهم لبعض إنها (حرمت) البقلة (حرمت) تأكيد لما قبله؛ وكأنهم فهموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها مع ما قد سمعوا من قول الله

ص: 202

فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله لِي. وَلكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا".

1151 -

(526)(185) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو،

ــ

تعالى {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ} فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم إذ قد يراد به ما لا يوافق عادة واستعمالًا (فبلغ ذاك) الذي قالوه (النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنه) أي إن الشأن والحال (ليس بي) أي ليس لي (تحريم ما أحل الله) تعالى (لي) ولأمتي (ولكنها) أي ولكن هذه البقلة (شجرة) أي بقلة (أكره ريحها) المنتنة المستكرهة، وسماها خبيثة لقبح رائحتها، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شراب أو شخص، ومن هذا يُعلم أنه لا يصح للشافعي الاحتجاج بقوله تعالى:{وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ} على تحريم ما يستخبث عادة كالحشرات وغيرها إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادة وإلى مستخبث شرعًا ومراده تعالى في الآيةِ المُسْتَخْبَثاتُ الشرعية إذ قد أباح البصل والثوم مع أنها مستخبثة، وحرم الخمر والخنزير وإن كان قد يستطاب اهـ مُفهم. قال النواوي: وقوله صلى الله عليه وسلم (أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي

) إلخ دليل على أن الثوم ليس بحرام وهو إجماع من يعتد به كما سبق، وقد اختلف أصحابنا في أن الثوم هل كان حرامًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كان يتركه تَنَزُّهًا، وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرم عليه صلى الله عليه وسلم ومن قال بالتحريم يقول ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل لها اهـ. وقال القرطبي: وهذا يرد قول أهل الظاهر بتحريم أكل الثوم لأجل منعه من حضور الجماعة التي يعتقدون فرضيتها على الأعيان وكافة العلماء على خلافهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [3/ 60 - 61] وأبو داود [3833].

ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بمفهوم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الثاني فقال:

1151 -

(526)(185)(حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر، ثقة من (10)(وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري، صدوق، من (10)(قالا حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني عمرو) بن

ص: 203

عَنْ بُكَيرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ. وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيهِ. فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ. وَأَخَّرَ الآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا.

1152 -

(527)(186) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثنَا هِشَامٌ. حَدَّثنَا قَتَادَةُ عَن سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛

ــ

الحارث بن يعقوب الأنصاري أبو أمية المصري، ثقة، من (7)(عن بكير) بن عبد الله (بن الأشج) المخزومي مولاهم أبي عبد الله المدني ثم المصري، ثقة، من (5)(عن) عبد الله (بن خباب) الأنصاري النجاري مولاهم المدني، ثقة، من (3)(عن أبي سعيد الخدري) وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مصريون واثنان مدنيان (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على زرَّاعة بصل) بفتح الزاي وتشديد الراء؛ أي على أرض مزروعة بصلًا كثيرًا (هو) تأكيد لفاعل مر ليعطف عليه قوله (وأصحابه فنزل ناس منهم) أي فريق من الأصحاب جنب المزرعة (فأكلوا منه) أي من البصل (ولم يأكل) فريق (آخرون) من البصل، قال أبو سعيد (فرحنا) أي ذهب كلنا في الرواح (إليه) صلى الله عليه وسلم (فدعا الذين لم يأكلوا البصل) إلى مجلسه (وأخر الآخرين) أي أمر الآخرين الذي أكلوا البصل بالتأخر عن مجلسه (حتى ذهب) عنهم (ريحها) أي ريح البقلة، أنث الضمير العائد إلى البصل نظرًا إلى كونها بمعنى البقلة. وهذا الحديث دل على الجزء الأخير من الترجمة بمفهومه لأن تأخير الآكلين عن مجلسه بمنزلة إخراجهم من المسجد. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير منها بحديث عمر بن الخطاب الدال عليه منطوقه رضي الله عنه فقال:

1152 -

(527)(186)(حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان التميمي البصري (حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي أبو بكر البصري (حدثنا قتادة) بن دعامة السدوسي البصري (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من (3)(عن معدان بن أبي طلحة) ويقال ابن

ص: 204

أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَذَكَرَ نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم. وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ. قَال: إِنِّي رَأَيتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلاثَ نَقَرَاتٍ. وَإِنِّي لا أُراهُ إِلا حُضُورَ أَجَلِي. وَإِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ. وَإِنَّ الله لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلا خلافَتَهُ، وَلا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيهُ صلى الله عليه وسلم

ــ

طلحة الكناني العمري الشامي (أن عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين العدوي المدني رضي الله عنه. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم بصريون وواحد مدني وواحد شامي وواحد كوفي (خطب) أي ذكَّر ووعظ الناس (يوم الجمعة) وخطب خطبتها (نذكر) فيها (نبي الله صلى الله عليه وسلم وتبليغه (وذكر أبا بكر) الصديق وخلافته و (قال) عمر (إني رأيت) في المنام (كأن ديكًا) ذكر الدجاج (نقرني) أي غرز لي بمنقاره (ثلاث نقرات وإني لا أراه) أي لا أظن ذلك النقر (إلا حضور أجلي) أي إلا علامة على قرب أجلي وموتي.

وهذه الرؤيا مذكورة في تفسير الأحلام لابن سيرين مع هذه الزيادة وهي قوله وقصصتها أي قال عمر وقصصت تلك الرؤيا على أسماء بنت عميس فقالت لي في تفسيرها: يقتلك رجل من العجم المماليك اهـ، وأسماء بنت عميس صحابية قديمة الإسلام ذات الهجرتين، أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وزوجة أبي بكر الصديق بعد جعفر الطيار، والدة محمد بن أبي بكر وهي التي غسلت الصديق في وفاته وكانت من الأخوات المؤمنات كما ورد في الحديث (وإن أقوامًا) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (يأمرونني أن أستخلف) أي بأن أجعل خليفة عني في الناس (وإن الله) سبحانه وتعالى (لم يكن ليضيع دينه) دين الإسلام، واللام هنا لام الجحود لوقوعها بعد يكن المنفي بلم كما قال بعضهم في ضابطها:

وكل لام قبله ما كانا

أو لم يكن فبالجحود بانا

أي لم يكن الله سبحانه وتعالى مريدًا لضياع دينه (ولا خلافته) أي ولا لضياع خلافته أي خلافة رسوله (ولا) الدين (الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم من الشرائع والأحكام بل يقيم له من يقوم به، ومعنى كلامه إن استخلف فحسن لأنه استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن تركت الاستخلاف فحسن فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف كذا روي عنه رضي الله عنه.

وفي المفهم: قوله (كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات) هذا الديك الذي أريه عمر مثال

ص: 205

فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ. فَالْخِلافَةُ شُورَى بَينَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ. الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الأَمْرِ

ــ

للعلج الذي قتله وهو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان مجوسيًّا، وكان نجارًا حدادًا نقاشًا، وكان من شأنه ما ذكره البخاري [3700] وغيره: وهو أنه وثب على عمر وهو في صلاة الصبح بعد أن دخل عمر فيها فطعنه ثلاث طعنات فصاح عمر قتلني أو أكلني الكلب ظانًا أنه كلب عضه فتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فكمل الصلاة بالناس ثم إن العلج وثب وفي يده سكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة وقيل سبعة فطرح عليه رجل خميصة كانت عليه فلما رأى العِلج أنه مأخوذ نحر نفسه وحز عبد الرحمن بن عوف رأسه وهو الذي كان طرح عليه الخميصة.

وقوله (إن أقوامًا يأمرونني) معنى الأمر هنا العَرْض والتحضيض أو الفتيا بأنه يجب عليه أن يستخلف وأنه مأمور بذلك من جهة الله تعالى، وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لما سمعوا من عمر تأويله لمنامه بحضور أجله وهذا قبل وقوع طعنه، ويحتمل أن يكون هذا بعد أن طعن ويكون بعض الرواة ضم أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدل مساق هذا الخبر. وقوله (وإن الله لم يكن ليضيع دينه) إلخ، وإنما قال ذلك عمر رضي الله عنه لأنه قد علم مما قد فهمه من كتاب الله وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يستخلف المؤمنين في الأرض ويمكن لهم دينهم ويظهره على الدين كله فقال ذلك ثقة بوعد الله وتوكلًا عليه، والخلافة هنا القيام بأمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم على نحو ما قام به محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما اهـ من المفهم (فإن عجل بي أمر) أي بادر وأسرع عليّ الموت قبل الاستخلاف (فالخلافة) تكون (شورى) أي ذات مشاورة (بين هولاء الستة) الأنفار (الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض) أي يتشاورون فيه ويتفقون على واحد من هؤلاء الستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ولم يدخل سعيد بن زيد معهم وإن كان مع العشرة لأنه من أقاربه فتورع من إدخاله كما تورع من إدخال ابنه عبد الله رضي الله عنهم (وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون) بضم العين وفتحها وهو الأصح هنا اهـ نواوي (في هذا الأمر) أي في

ص: 206

أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلامِ. فَإِنْ فَعَلُوا ذلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ الله، الكَفَرَةُ الضُّلَّالُ. ثُمَّ إِنِّي لا أَدَعُ بَعْدِي

ــ

جعل هذا الأمر يعني أمر الخلافة في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجملة قوله (أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام) صفة لأقوامًا يعني أن أقوامًا متأخري الإسلام موصوفين بكوني ضربتهم على الدخول في الإسلام يطعنون أي يعيبون في جعل هذا الأمر في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بل يريدون لأنفسهم، قال القرطبي: قوله (في هذا الأمر) إشارة إلى جعله الأمر شورى بين الستة المذكورين، وقال الأبي: الله أعلم بمن عني عمر بهؤلاء القوم الطاعنين الآبين من الخلافة، نعم كان قوم يأبون أن تكون في أهل البيت، ثم أطال الكلام بحيث لا يسعه المقام، وذكر في أثنائه قول عمر رضي الله عنه: والله لا جعلت فيها أحدًا حمل السلاح على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء، ولَو اسْتَقْبَلْتُ مِن أمري ما اسْتَدْبَرْتُ ما جمعْتُ ليزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان ولايةَ الشام. قال: فيحتمل أن يكون عمر رضي الله عنه أراد بالطاعنين هؤلاء الآبين كونها في أهل البيت، وقد يشهد لذلك قوله أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام.

(فإن فعلوا) أي فإن فعل أولئك الطاعنون (ذلك) الطعن وأفشوه في الناس وعملوا الخلاف في ذلك والمُشَاقَّةَ ولم يَرْضَوا بالذين اخترْتُهم (فأولئك) الطاعنون عند الله المشاقون لمن اخترتهم من أهل الشورى (أعداء الله الكفرة الضلال) قال القرطبي: وظاهر هذا أنه حكم بكفرهم وكأنه علم أنهم منافقون، وعلى هذا يدل قوله (أنا ضربتهم بيدي على الإسلام) يعني أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال لم تنشرح صدورهم للإسلام إنما تستروا بالإسلام وذلك حال المنافقين، ويحتمل أنهم لما فعلوا فعل الكفار من الخلاف وموافقة أهل الأهواء ومشاقة المسلمين أطلق عليهم ما يطلق على الكفار، وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كفران النعم والحقوق، وقوله (الكفرة) جمع كافر على وزن فعلة (الضلال) جمع ضال على وزن فعال وهو عطف بيان للكفرة أو صفة له، قال النواوي: معناه إن استحلوا ذلك فهم كفرة ضلال وإن لم يستحلوا ذلك ففعلهم فعل الكفرة اهـ.

(ثم) بعد ما ذكر قال عمر رضي الله عنه (إني لا أدع) أي لم أترك (بعدي) أي بعد

ص: 207

شَيئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الكَلالةِ. مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي شَيءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلالةِ. وَمَا أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي. فَقَال:"يَا عُمَرُ، أَلا تَكْفِيكَ آيَةُ الضَّيفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ " وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لا يَقرَأُ الْقُرْآنَ

ــ

وفاتي (شيئًا) وأمرًا من أمور الإسلام (أهم) أي أشد وأكثر اهتمامًا واعتناء ببيانه (عندي من) بيان (الكلالة) وإيضاحها للناس (ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في) بيان (شيء) من أمور الإسلام وأحكامه مثل (ما راجعته) صلى الله عليه وسلم (في) بيان (الكلالة) لي لأنها أشكلت عليّ جدًّا فراجعته فيها كثيرًا (وما أغلظ لي) وشدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب (في شيء) من مسائل مثل (ما أغلظ) وشدد في الجواب (لي) عن سؤالي (فيه) أي في أمر الكلالة بل أغلظ علي في الجواب لي عنها (حتى طعن بأصبعه في صدري فقال يا عمر ألا تكفيك) في بيان أمر الكلالة (آية الصيف) أي الآية التي نزلت في وقت الصيف (التي) هي (في آخر سورة النساء) وهي قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} الآية، قال القاضي: وفيه الإلحاح على العالم ومراجعته وتأديب المتعلم إذا أسرف في ذلك والله أعلم اهـ، وقال النواوي: وفي هذا دليل على جواز قول سورة النساء وسورة البقرة وسورة العنكبوت ونحوها وهذا مذهب من يعتد به من العلماء، والإجماع اليوم منعقد عليه، وكان فيه نزاع في العصر الأول، وكان بعضهم يقول: لا يقال سورة كذا، وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا، وهذا باطل مردود بالأحاديث الصحيحة واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء المسلمين ولا مفسدة فيه لأن المعنى مفهوم والله أعلم (وإني إن أَعِشْ) مضارعٌ أجوفُ مسندٌ إلى المتكلم مجزوم بالسكون الظاهر لأنه من عاش يعيش نظير باع يبيع أي وإني إن قدر الله سبحانه وتعالى معيشتي وحياتي إلى زمن يسع ذلك (أقض فيها) أي أحكم في ميراث الكلالة (بقضية) واضحة (يقضي بها من يقرأ القرآن) ويعرف معانيه (ومن لا يقرأ القرآن) ولا يعرف معانيه حتى تكون تلك القضية نظامًا واضحًا ودستورًا بَيِّنًا لا يعدل عنه. وهذا يدل على أنه كان اتضح له وجه الصواب فيها وأنه كان قد استعمل فكره فيها حتى يفهم ذلك وأنه أراد أن

ص: 208

ثُمَّ قَال: اللَّهمَّ، إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ. وَإِنِّي إِنِّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ

ــ

يوضح ذلك على غاية الإيضاح ولم يتمكن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنية رضي الله عنه ولم يُرْوَ عنه فيها شيء من ذلك لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين وأوضحوا ذلك فتبين الصبح لذي عينين، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

(ثم قال) عمر (اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار) والمدن أي على ما أمرتهم به من العدل والنصح لعامة المسلمين (وإني إنما بعثتهم) أي بعثت الأمراء ووليتهم (عليهم) أي على أهل الأمصار (ليعدلوا) أي ليظهروا العدل والحق (عليهم) أي على الرعايا (وليعلموا الناس) أي عوام الناس (دينهم) أي أحكام دينهم (وسنة نبيهم) محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته (وبقسموا فيهم) أي في الناس (فيئهم) وأرزاقهم التي يستحقون في بيت المال وغنائمهم التي يغنمونها من أعدائهم (ويرفعوا إلي ما أشكل) وَانْبَهَمَ (عليهم من أمر) دينـ (ـهم) ودنياهم.

واعلم أن اهتمام عمر رضي الله عنه بالكلالة لأنها أشكلت عليهم، وذلك أنها نزلت فيها آيتان إحداهما قوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ} [النساء: 12] وفيها إشكال من جهات، ولذلك اختلف في الكلالة ما هي ففيها أربعة أقوال: أحدها أنها ما دون الوالد والولد قاله أبو بكر الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس في خلق كثير، والثاني أنها من لا ولد له وروي عن عمر أيضًا وهو قول طاوس، والثالث أنها ما عدا الوالد قاله الحكم بن عتيبة، والرابع أنها بنو العم الأباعد قاله ابن الأعرابي، واختلف أيضًا فيما يقع عليه الكلالة على ثلاثة أقوال: أحدها على الحي الوارث قاله ابن عمر، والثاني على الميت قاله السدي، والثالث على المال قاله عطاء، واختلف أيضًا فيما أخذت منه الكلالة على قولين: أحدهما أنها مأخوذة من الإكليل المحيط بالرأس فكأنها تكللت أي أحاطت بالميت من كلا طرفيه ولذلك قال الفرزدق:

وَرِثْتُم قناةَ المُلْكِ لا عَنْ كلالةٍ

عن ابْنَي مَنَافٍ عبد شمس وهاشم

وقال الآخر:

ص: 209

ثُمَّ إِنَّكُم، أَيُّهَا النَّاسُ، تَأْكُلُونَ شَجَرَتَينِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَينِ. هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ. لَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ

ــ

وإِنَّ أَبا المَرْءِ أَحْمَى لَهُ

ومَوْلَى الكلالةِ لا يَغْضَبُ

والثاني أنها مأخوذة من الكلال وهو الإعياء وكأنه يصل الميراثُ بالوارث بها عن بُعْدٍ وإِعياءٍ فكأنَّ الرحمَ كَلَّتْ عن وارث قريب، قال الأعشى:

فآلَيتُ لا أَرْثِي لَها عَنْ كَلالةٍ

ولا مِنَ وَجىً حَتَّى تُلاقِي محمدًا

ثم مقتضى هذه الآية الأولى أن كل واحد من الأخوين له السدس سواء كان أحدهما ذكرًا أو أنثى فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف وللاثنين الثلثين، ولم يبين في واحدة من الآيتين الإخوة هل هي لأم أو لأب أو لهما ثم إذا تَنزلنا على أن الأخوة من الأُولَى للأم، وفي الثانية للأب أو أشقاء فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا أو يكون ذلك فرضهم وإن كان معهم بعض الورثة كل ذلك أمور مطلوبة والوصولُ إلى تحقيق تلك المطالب عسير وسنُبيِّن الصحيحَ من ذلك كله في الفرائض إن شاء الله تعالى.

فلما استشكلَتْ على عمر هذه الوجوه تشوف إلى معرفتها بطريق يزيح عنه الإشكال فأَلحَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال عن ذلك حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم على صدره وأغلظ عليه في ذلك رادعًا له عن الإلحاح إذ كان قد نهى عن كثرة السؤال وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عما في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يبين بعضه بعضًا، وقال الخطابي: يثبه أن يكون لم يفته ووكل الأمر إلى بيان الآية اعتمادًا على علمه وفهمه ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فهم له لبيّن له البيان الشافي، قال: وإن الله أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يبين المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآيةَ الثانية التي في آخر سورة النساء في الصيف وفيها زيادة بيان اهـ من المفهم.

(ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين) أي بقلتين (لا أراهما) أي لا أظنهما (إلا خبيثتين) أي منتنتين (هذا البصل والثوم) والله (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به) أي بإخراجه من المسجد (فأخرج) ذلك

ص: 210

إِلَى الْبَقِيعِ. فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتهُمَا طَبْخًا.

1153 -

(00)(00) حدَّثنا أبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح قَال: وَحَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارِ. قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ

ــ

الرجل من المسجد (إلى) جهة (البقيع) ففيه إخراج من وجد منه ريح الثوم أو البصل أو نحوهما من المسجد، وفيه إزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وهذا محل الترجمة (فمن أكلهما) أي فمن أراد أكلهما منكم (فليمتهما) أي فليمت رائحتهما (طبخًا) وليذهبهما بالطبخ لئلا يؤذي الناس بها، وإماتة كل شيء كسر قوته وحدته، ومنه قوله قتلْتُ الخمرَ إذا مزَجَها بالماءِ وكَسَرَ حِدتها، وهذا يدل على أن النهي إنما هو في النِيّء. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [1/ 28 و 48]، وابن ماجه [2726].

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعةَ في حديث عمر رضي الله عنه فقال:

1153 -

(00)(00)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا إسماعيل بن علية) الأسدي البصري (عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري (ح قال وحدثنا زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (كلاهما عن شبابة بن سوار) المدائني أبي عمرو الفزاري مولاهم (قال حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري (جميعًا) أي كل من سعيد وشعبة (عن قتادة في هذا الإسناد) يعني عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر بن الخطاب (مثله) أي مثل ما روى هشام عن قتادة، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة وشعبة لهشام الدستوائي في رواية هذا الحديث عن قتادة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

[تنبيه]: قال النواوي: قوله (حدثنا هشام قال خَطَب الجمعة) هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثةَ حُفاظ وهم منصورُ بن المعتمر وحُصين بن عبد الرحمن وعَمرو بن مُرَّة فرَوَوْهُ عن سالم عن عُمر منقطعًا لم يذكروا فيه معدان قال الدارقطني: وقتادة وإن كان ثقة وزيادةُ الثقة مقبولة عندنا فإنه مدلِّس ولم يذكر فيه سماعه من سالم فأشبه أن يكون بَلَغه عن سالم فرواه عنه (قلت)

ص: 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

هذا الاستدراكُ مردود لأن قتادة وإن كان مدلسًا فقد قدَّمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلّسين وعَنْعَنُوه فهو محمولٌ على أنه ثَبَت من طريق آخر سماعُ ذلك المدلّس هذا الحديث ممن عنْعَنَه عنه، وأكثر هذا أو كَثيرٌ منه يَذْكُر مسلم وغيره سماعَه من طريق آخر متصلًا به، وقد اتفقوا على أن المدلس لا يُحتج بعنعنته كما سبق بيانُه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح، ولا شك عندنا في أن مسلمًا رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدةَ ويعلمُ تدليسَ قتادة فلولا ثُبوتُ سماعه عنده لم يَحْتَجَّ به، ومع هذا كُلِّه فتدليسُه لا يلزم منه أن يذكر معدان من غير أن يكون له ذِكْرٌ، والذي يخَاف من المدلس أن يَحْذِفَ بعضَ الرواة أما زيادةُ مَنْ لم يكن فهذا لا يفعلُه المدني وإنما هذا فعلُ الكاذب المجاهرِ بكَذبه وإنما ذكر معدان زيادة ثقة فيجب قبولها، والعجبُ من الدارقطني رحمه الله تعالى في كونهِ جَعَلَ التدليس مُوجِبًا لاختراع ذِكْرِ رجل لا ذِكر له ونَسبه إلى مثل قتادة الذي محلُّه من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العاليةِ وبالله التوفيق. وجملةُ ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستةُ أحاديث: الأولُ حديثُ ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزءِ الأول من الترجمة وذكر فيه متابعةً واحدةً، والثاني حديث أنس ذكره للاستشهاد، والثالث حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد، والرابع حديث جابر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد، والسادس حديث عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

***

ص: 212