الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير فِي "البِدَايَةِ"(1) فِي تَرْجَمَتِهِ لابْنِ خُزَيْمَة: "وَهُوَ الَّذِي قَامَ يُصَلِّي حِيْنَ وَقَعْتِ القُرْعَةُ عَلَيْهِ لَيَسْتَرْزِقَ الله فِي صَلاتِهِ حِيْنَ أَرْمَلَ هُوَ وَمُحَمَّد بن نَصْر، وَمُحَمَّد بن جَرِيْر، وَمُحَمَّد بن هَارُون الرُّويانِي، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ الجوْزِي مِنْ طَرِيْقَيْنِ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَذَلِكَ بِبَلَد مِصْر فِي دَوْلَةِ أَحْمَد بن طُولوْن فَرَزَقَهُم الله عَلَى يَدَيْهِ".
المَبْحَثُ السَّادِسُ: مُنَاظَرَتُهُ للكَلامِيَّة:
قَالَ أَبُو عِلي الحُسَيْن بن عَلي النَّيْسَابُوْرِي يَقُولُ سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُولُ: دَخَلَ إِلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الكَلامِيَّة سَمَّاهُم بِأَسْمَائهِمْ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُم: إِنْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُوْنَ أَنَّ اللهَ عز وجل لَمْ يَكُنْ خَالِقًا حَتَّى خَلَقَ الخَلْقَ فَأَنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِالآخِرِ، وَالله عز وجل يَقُولُ:"هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِر"، فَلَيْسَ هُوَ بِالآخِر حَتَّى يَفْنَى الخَلْقَ وَلَيْسَ بِمَالِكِ يَوْمَ الدِّين لِأَنَّ يَوْمَ الدِّين يَوْمَ القِيَامَة، فَبُهُتُوَا وَرَجَعُوَا" (2).
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: بَذْلُهُ وَسَخَاؤُهُ وَإِكَرَامُهُ لأهْلِ العِلْم:
أَبُو بَكْرٍ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا جهدَهُ، بَلْ يُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِ العِلْم، وَكَانَ لا يَعْرِفُ سَنْجَةَ الوَزْنِ، وَلا يُمَيِّزُ بَيْن العَشَرَةِ وَالعِشْرِيْن" (3).
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: ضِيَافَتُهُ العَظِيْمَةُ العَدِيْمَةُ النَّظِيْر فِي بَسَاتِيْنِ نُزْهَتِهِ:
قَالَ أَبُو عَبْد الله الحَاكِم فِي "تَارِيِخِه": سَمِعْتُ أَبَا بَكْر أَحْمَد بن إِسْحَاق يَقُولُ:
(1)(10/ 9).
(2)
مَجْلِس مِنْ أَمَالِي ابْنِ مَنْدَه (ق: 6/ أ).
(3)
تَارِيخ الإِسْلام (7/ 244).
كَانَ مِنْ قَضَاءِ الله أَنَّ الحَاكِم أَبَا سَعِيد (1) لمَّا تُوُفِّي أَظْهَرَ بن خُزَيْمَة الشَّمَاتَةَ بِوَفَاتِهِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَهْلًا مِنْهُم، فَسَأَلُوْهُ أَنْ يَعْمَلَ ضِيَافَةً، وَكَانَتْ لابن خُزَيْمَة بَسَاتِيْن نُزْهَة، فَأُكْرِهْتُ أَنَا مِنْ بَيْنَ الجَمَاعَةِ عَلَى الخُرُوْجِ فِي الجُمْلَةِ إِلَيْهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَد الحُسَيْن بن عِلي أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة تِسْعٍ، وَكَانَتْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، عَمِلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فَأَحْضَرَ جُمْلَةً مِنَ الأَغْنَامِ، وَالحِمْلان وَأعْدَال السُّكّرِ، وَالفُرُشِ، والآلاتِ، وَالطَّبَّاخِيْنَ، ثُمَّ تَقَّدَمَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ المُحَدِّثِيْن مِنَ الشُّبَّانِ وَالشُّيُوْخِ، فَاجْتَمَعُوَا بِجَنْزَرُوْذ، وَرَكِبُوَا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَهُم أَبُو بَكْرٍ بْنُ خُزَيْمَةَ يَخْرقُ الأَسْوَاقَ سُوْقًا سُوْقَا، يَسْأَلُهُم أَنْ يُجِيْبُوهُ، وَيَقُوْلُ: سَأَلْتُ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى الفُتُّوَةِ وَالمَحَبَّةِ لِي أَنْ يَلْزَمَ جَمَاعَتِنَا اليَوَمَ، فَكَانُوَا يَجِيْئُوَن فَوْجًا فَوْجَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ كَبِير أَحَدٍ فِي البَلَدِ.
وَالطَّبَّاخُوَنَ يَطْبَخُوْنَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الخَبَّازينَ يَخْبِزُوَن، حَتَّى حُمِلَ جَمِيع مَا وَجَدُوَا أَيْضًا فِي البَلَدِ مِنَ الخُبْزِ، وَالشِّوَاءِ عَلَى البِغَالِ وَالجِمَالِ وَالحَمِيْر، وَالإِمَامُ قَائِمٌ يَجرِي أَمْرَ الضِّيَافَة عَلَى أَحْسَنِ مَا يَكُوْنُ حَتَّى شَهِدَ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ لَم يَشْهَدْ مِثْلَهَا" (2).
قَالَ الحَاكِم: "وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الخَلْقِ، لا يَتَهَيَّأُ مِثْلَهُ إِلا لِسُطْانٍ كَبِير"(3).
(1) هُوَ عَبْد الرَّحْمَن بن الحُسَيْن بن خَالِد أَبُو سَعِيد النَّيْسَابُوْرِي القَاضِي الحَنَفِي تُوُفِّي سَنَة تِسْعٍ وَثَلاثُمائَة. قَالَ الذَّهَبِي فِي تَارِيْخِهِ (7/ 145): كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مُنَافَرَةٌ بَيِّنَةٌ، فَلَمَّا مَاتَ أَظْهَرَ السُّرُوْرَ، وَعَمِلَ دَعْوَةً.
(2)
تَذْكِرَة الحُفَّاظ (2/ 724 - 725).
(3)
طَبَقَات الشَّافِعِيَّة الكُبْرَى (3/ 119).
وَقَدْ لَخَّصَ هَذِهِ الضِّيَافَةَ العَظِيْمَةَ المَهِيْبَةَ، الحافِظُ الذَّهَبِي فَقَالَ في "تَارِيْخِهِ" (1): نقَلَ الحَاكِم فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّ ابنَ خُزَيْمَةَ عَمِلَ دَعْوَةً عَظِيْمَةً بِبُسْتَانٍ، فَمَرَّ فِي الأَسْوَاقِ يَعْزِمُ عَلَى التُّجَّارِ، فَبَادَرُوَا مَعَهُ وَخَرَجُوَا، وَنَقَلَ كُلَّ مَا فِي البَلَدِ مِنَ المَأَكِلِ وَالشِّواءِ وَالحَلْواءِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا بِكَثْرَةِ الخَلْقِ، لَمْ يَتَهَيّأ مِثْلَهُ إِلَّا لِسُلْطَانٍ كَبِير".
وَقَالَ الذَّهَبِي فِي "التَّذْكِرَة"(2):
"سَاقَ الحَاكَمُ فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّهُ عَمِلَ دَعْوَةً عَظِيْمَةً عَدِيْمَةَ النَّظِيْر فِي بُسْتَانٍ خَرَجَ إِلَيْهِ، يَمُرُّ فِي أَسْوَاقِ نَيْسَابُوْرِ، وَيَعْزِمُ عَلَى النَّاسِ، وَيُبَادِرُوَنَ مَعَهُ فَرِحِيْنَ مَسْرُوْرِيْن حَامِلِيْنَ مَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الشِّواء وَالحَلْوَاء وَالطِّيَبَات، حَتَّى لَمْ يَتْرُكُوَا فِي المَدِيْنَةٍ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ عَالَمٌ لا يُحْصَوْنَ، وَهَذه دَعْوَةٌ لَمْ يَتَهَيّأْ مِثْلُهَا إِلا لِسُلْطَانٍ".
* * *
(1)(7/ 246).
(2)
(2/ 729).