الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المأكل والمشرب:
يختلف أكل العرب عن أكل الأعراب. كما يختلف أكل أهل كل مكان عن أكل أهل مكان آخر من جزيرة العرب. وأكل الحضر، متنوع نوعًا ما بالنسبة إلى مأكول أهل الوبر. لفقرهم ولشح باديتهم ولذلك صار طعام الأعراب على العموم بسيطًا. وقد أثر اختلاف نوع الطعام على هيئة الإنسان ووزن جسمه.
فصار جسم الأعرابي نحيفًا في الغالب، لبساطة أكله، وقلة المواد النشوية والدهنية فيه.
ومن عادات العرب أنهم يقلون من الأكل. ويقولون: البطنة تذهب الفطنة، و"البطنة تأفن الفطنة". وكانوا يعيبون الرجل الأكول الجشع. ويرون أن "الأزم"، أي قلة الأكل أفضل دواء لصحة الأبدان. قيل للحارث بن كلدة، طبيب العرب في الجاهلية: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم. ولهم في ذلك أمثلة كثيرة في الأزم، وضرر البطنة. رووا بعضًا منها على لسان لقمان، ورووا بعضًا آخر على ألسنة الحكماء العرب. وهم يعالجون البطنة بالحمية. لأن المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء1. وهم يرون أن الشبع والامتلاء يضعف الفطنة.
أي الشبعان لا يكون فطنًا2 لبيبًا. فللأكل علاقة كبيرة بالفطنة والعقل والذكاء.
وللعرب مصطلحات عديدة في درجات الأكل. أي من حيث كيفية تناول الطعام، ومن حيث الإقبال عليه إلى حد التخمة. ولما كان الإكثار من الأكل معيبًا عندهم وضعوا ألفاظًا في هؤلاء الذين كانوا يسرفون في الأكل، فإذا دعوا إلى وليمة أسرفوا في الأكل، وأقدموا عليه، وكأنهم جاءوا من سني قحط.
وعابوهم، ومدحوا من اعتدل في أكله وتوسط فيه، وأظهر نظافة وأدبًا في تعاطيه3.
1 بلوغ الأرب "1/ 370 وما بعدها".
2 اللسان "13/ 19"، "أفن".
3 بلوغ الأرب "1/ 379".
ومن عادات العرب، أنهم كانوا يبكرون في الغداء، ويرون أن ذلك أقرب إلى راحة البدن وصحته، ويؤخرون العشاء1.
ومآكل الأعراب قليلة شحيحة مثل شح البادية، خاصة إذا انحبس المطر وهلك الزرع. فإن رزقه يقل وقد يذهب ما معه من زاد فيهلك خلق من الأعراب من شدة الجوع. قيل لأعرابي: ما طعامكم؟ قال: "الهبيد، والضباب واليرابيع، والقنافذ والحيات، وربما والله أكلنا القد، واشترينا الجلد، فلا نعلم والله أحدًا أخصب منا عيشا"2. و"الهبيد" حب الحنظل، تنقعه الأعراب في الماء أيامًا، ثم يطبخ ويؤكل3. وأما القد، فجلد السخلة. "وفي حديث عمر، رضي الله عنه، كانوا يأكلون القد. يريد جلد السخلة"4.
وكانوا يفصدون عرق الناقة ليخرج الدم منه فيشرب، يفعلونه أيام الجوع.
كما كانوا يأخذون ذلك الدم ويسخنونه إلى أن يجمد ويقوى فيطعم به الضيف في شدة الزمان، إذا نزل بهم ضيف فلا يكون عندهم ما يقويه، ويشح أن ينحر المضيف راحلته فيفصدها. و"الفصيد" دم كان يوضع في الجاهلية في معي من فصد عرق البعير ويشوى وكان أهل الجاهلية يأكلونه وتطعمه الضيف في الأزمة.
وأما "الفصيدة"، فتمر يعجن ويشاب بدم. وهو دواء يداوى به الصبيان5.
ويقال للفصيد: "البجة" كذلك. و"البجة" دم الفصيد، يأكلونها في الأزمة. والبج الطعن غير النافذ، فقد كانوا يفصدون عرق البعير ويأخذون الدم يتبلعون به في السنة المجدبة. جاء في الحديث:"إن الله قد أراحكم من الشجة والبجة"، وورد "أراحكم الله من الجبة والسجة"6. أي قد أنعم عليكم بالتخلص من مذلة الجاهلية وضيقتها ووسع لكم الرزق وأفاء عليكم الأموال.
وكان أحدهم إذا نال شربة من اللبن الممذوق بالماء، وخمس تميرات صغار، ظن نفسه ملكًا، ودب إليه نشاطه، قال الشاعر:
1 بلوغ الأرب "1/ 371".
2 رسالة في الحنين إلى الأوطان "2/ 394".
3 المصدر نفسه.
4 كذلك.
5 تاج العروس "2/ 453"، "فصد".
6 تاج العروس "2/ 6"، "بج".
إذا ما أصبنا كل يوم مُذيقة
…
وخمس تميرات صغار كنائز
فنحن ملوك الأرض خصبًا ونعمة
…
ونحن أسود الغاب عند الهزاهز
وكم متمن عيشنا لا يناله
…
ولو ناله أضحى به حق فائز1
وأكل الجراد معروف مشهور عند الأعراب. يأكلونه نيئًا، وقد يطبخونه أو يحمصونه ويلقون عليه شيئًا من الملح. وقد يأكلونه بالتمر. وبغيره، وهو عندهم طعام لذيذ. يذكر بعضهم أن الإنسان قد يصاب بالشري من أكله، وقد يشكو من بطنة قد تصيبه2.
وغالب أكل الأعراب لحوم الصيد والسويق والألبان. وكانوا لا يعافون شيئًا من المآكل لقلتها عندهم. حتى أنهم كانوا يأكلون كل شيء تقع أيديهم عليه. ولا نجد من كتب أهل الأخبار ما يفيد تحريم العرب لأكل بعض الحيوان. بل نجد أن أغلبهم قد استباحوا أكلها جميعًا. مهما كان ذلك الحيوان صغيرًا أوكبيرًا حسن المنظر أو قبيحه، من ذات الأظلاف أو من غيرها. حيًّا كان أم ميتًا3.
وذلك لفقرهم ولشدة الجوع عندهم. فلما جاء الإسلام حرم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والمختنقة وحدد الذبح وما يمكن أكله من الحيوان، بسبب ما كان يصيب الناس من أكل لحومها من أضرار.
وقد أكلوا لحوم الحمر الوحشية والحمر الأهلية، فنهى الإسلام عن أكلها لما في ذلك من ضرر. وتمنى أحد الرجّاز لو اصطاد ضبًّا سحبلًا سمينًا، ليفوز بلحمه من شدة الفاقة والحاجة إلى اللحم4.
نعم لقد ورد أن بعض القبائل عافت أكل لحوم بعض الحيوانات، أو عابت أكل بعض أجزائها، إلا أن هذا لا يعتبر عامًّا، كما أنه من قبيل العرف والعادة أو مما له علاقة بالعقائد عندهم. فقد ذكر أن قبيلة "جعفي" كانت تحرم أكل "القلب"5، إلا أن هذا التحريم هو تحريم خاص بهذه القبيلة. أما القبائل الأخرى فقد كانت تأكله ولا تبالي، لأنه غير حرام عندها.
1 رسالة في الحنين إلى الأوطان "2/ 394".
2 تاج العروس "2/ 318 وما بعدها"، "جرد"، "8/ 311"، "رزم".
3 بلوغ الأرب "1/ 380".
4 تاج العروس "7/ 352"، "رمل".
5 نهاية الأرب "18/ 83".
وفي أيام الشدة وفي الأيام الأخرى أيضًا يرسل الأعراب أولادهم لجمع الحنظل، فإذا جمع نُقِف، لإخراج هبيدة، أي حَبّه، لطبخه، أو تحميصه لأكله.
وقد تفاخر "حسان بن ثابت" بالغساسنة، لأنهم كانوا في بحبوحة من العيش، وليسوا بصعاليك يرسلون ولائدهم لنقف الحنظل1. وإلى ذلك أشار "امرؤ القيس" بقوله:
كأني غداة البين حين تحملوا
…
لدى سمرات الحي ناقف حنظل2
وقد كانوا يقاسون من شدة الجوع والفقر في بعض السنين حتى يموت من يموت منهم من الجوع. قيل: "كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم بابًا وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعًا"، "ولقي رجل جارية تبكي فقال لها: ما لك؟ فقالت نريد أن نعتفد"، "والاعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل حتى يموت جوعًا"3. فالاعتفاد انتحار للتخلص من ألم الجوع.
قال بعض المدنيين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّات والعقارب والجعلان والخنافس؟ فقال: نأكل كل شيء إلا أم حُبين. فقال المدني: لتَهْنِ أم الحُبَينِ العافية4. فالفقر كافر، والجوع يدفع الإنسان إلى أكل كل شيء.
والعرب تكني عن الجوع بـ"أبي مالك". وتسمي الخبز جابرًا وعاصمًا وعامرًا5. وقد كنّت عنه وعن الإفلاس بـ"أبي عمرة"6.
وهو على فقر أكله وبساطته وجوعه يهزأ بأكل الحضر ويسخر منه، ويرى فيه طعامًا صعبًا لا يهضم. وأكلًا لا يناسب مزاج العرب. إذا أكله آكل أصيب بمرض. وهو محق في ذلك، فرجل ذو معدة فارغة، لا يذوق إلا القليل من الأكل والماء، لا تتمكن معدته من هضم طعام مهما كان بسيطًا، فإنه ثقيل بالنسبة
1 البرقوقي "ص310"، ديوان حسان "ص33""هرشفلد".
2 تاج العروس "6/ 260"، "نقف".
3 تاج العروس "2/ 426"، "عقد".
4 الحيوان "3/ 526"، "هارون".
5 الثعالبي، ثمار "6/ 249".
6 الثعالبي، ثمار "1/ 248".
إلى معدة الأعرابي، فإذا أقبل على أكل طعام أهل الحضر، وهو طعام غير مألوف عنده أصيب ببطنة تجعله يكره أكل الحضر، وطعام أهل القرى والمدن، ويعجب كيف يأكله أولئك ثم لا يصابون بمكروه. قال أعرابي قدم الحضر فشبع فأتخم:
أقول للقوم لما ساءني شبعي
…
ألا سبيل إلى أرض بها الجوع
ألا حيل إلى أرض يكون بها
…
جوع يصدع منه الرأس ديقوع1
وقد كان الجاهليون يأكلون كل ما وقع تحت أيديهم من حيوان مقتول أو ميت، فنزلت الحرمة عن ذلك في الآية:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} 2. وذكر أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها. وأنهم كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها. وذكر أن الموقوذة: هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصًا حتى تموت من غير تذكية. والوقذة شدة الضرب3.
وأما المتردية، فهي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت، كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه. وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها. وكانت الجاهلية تأكل المتردي، ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف.
فأما هذه الأسباب، فكانت عندها كالذكاة. فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة. وبقيت هذه كلها ميتة. وكذا النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل4. وكانت الجاهلية تأكل النطيحة الميتة كما تأكل الشاة التي يأخذها السبع فتخلص منه، وكذلك إن أكل بعضها5.
وقد كان الجاهليون يستحلون أكل المحرمات المذكورة التي حرمت في الإسلام، ويأكلون ما يذكى من الحيوان على الأنصاب للأصنام، وما يذكى على غير
1 تاج العروس "5/ 331"، "دقع".
2 المائدة، الآية3.
3 الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي "6/ 47 وما بعدها".
4 الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي "6/ 49".
5 المصدر نفسه "ص50".
الأنصاب على نحو ما يفعل القصاب. والذكاة في كلام العرب الذبح. فلما جاء الإسلام حدد الذبح، على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة، ولو بعض حياة. فأبطل ذكاة ما خمد نفسه من حيوان1. وهو بهذا خالف الجاهليين، إذ لم يشترطوا الشروط التي اشترطها الإسلام في الذبح.
وللأغنياء والحضر آداب في مآكلهم، تبدأ بغسل الأيدي في الغالب، لإزالة ما قد يكون قد علق بها من أتربة وأوساخ، فإذا انتهوا من غسل الأيدي، أكلوا بها. إذ قلما كانوا يستعملون السكاكين و"الملاعق" و"الشوكات" في أكلهم على نحو ما كان يفعله أغنياء العجم. وإذا انتهوا من طعامهم غسلوا أيديهم كذلك لتنظيفها من الدسم ومن المواد الأخرى التي تكون قد علقت بها من بقايا الطعام. والأكل باليد عادة شائعة بين الشعوب السامية، يرون لها مزايا على الاستعانة بأدوات الأكل في الأكل، حتى صارت في حكم العرف والعادات، بل جعل الأكل باليد من السنن المحببة في الدين.
وتستعمل "الربطة" وهي المنديل و"الفوطة" لمسح اليد وتنشيفها من الماء2. وقد استعمل الملوك والأغنياء المناديل المصنوعة من الحرير أو من الكتان، وهي غالية ثمينة. وذكر بعض علماء اللغة أن الربطة لا تكون إلا بيضاء3.
والمنديل الذي يتمسح به من أثر الماء وغيره4. ويظهر أن "الفوطة" و"الفوط" من الألفاظ المعربة، ذكر أنها من لغة سندية معربة "بوته".
وهي في الأصل ثياب تجلب من السند، غلاظ قصار تكون مآزر، أو هي مآزر مخططة يشتريها الجمالون والعراب والخدم وسفل الناس، فيأتزرون. ثم استعملت في معنى "منديل" و"مناديل"، يضعها الإنسان على ركبتيه ليقي بها ملابسه عند الطعام5.
وقد استخدم الملوك والأغنياء الخدم في تقديم الأطعمة والأشربة، وكما كان يفعل ملوك الفرس والروم وسراتهما، في كسو خدمهم أكسية خاصة نظيفة
1 الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي "6/ 50 وما بعدها".
2 البرقوقي "ص146".
3 تاج العروس "5/ 145"، "ريط".
4 تاج العروس "8/ 132"، "ندل".
5 تاج العروس "5/ 200"، "فوط".
وإلباسهم "سرابيل"، معتملة، كذلك فعل ملوك العرب وسراتهم ولا سيما عرب العراق وبلاد الشام، بخدمهم، وقد قرطوا آذانهم بالنطف -أي: الأقراط- أحيانًا مبالغة في تزيينهم، حتى يعطي جو المآدب والضيافة لونًا شعريًّا خاصًّا.
فإذا قدم شيئًا، وضع المنديل أو الديباجة على كتفه، ووضع تحت صحن الطعام شيئًا، ثم يقدمه إلى الضيوف1.
ويختلف الحضريّ عن الأعرابي في طريقة أكله. فإذا تناول الحضري لقمة صغرها وأكلها بأطراف الأسنان، وحاول جهده ألّا يملأ فمه بلقمة كبيرة، فيبدو الفم منتفخًا منها. وهذا ما يخالف مألوف الأعرابي. "قدم أعرابي على ابن عم له بمكة، فقال له: إن هذه بلاد مقضم وليست ببلاد مخضم". والخضم أكل بجميع الفم. والقضم دون ذلك2. وقيل: الخضم: ملء بالمأكول3.
ويعد أكل "اللحوم" من أطايب الحياة، ومن المفاخر التي يتباهى بها الناس على غيرهم، إذ لم يكن في ميسور كل إنسان الحصول على اللحم، ولا سيما "اللحم السمين". وإذا أضيفت إليها الخمور والطيب، والنساء، تمت بذلك مباهج الحياة. وقد عبر عن "الخمور واللحم والطيب"، بالأحامرة الثلاثة.
وكانت هذه تستنزف المال، لما ينفق الإنسان في الحصول عليها من ماله. قال الأعشى:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت
…
مالي وكنت بها قديمًا مولعًا
وقال:
الخمر واللحم السمين وأطلي
…
بالزعفران فلن أزال مولعا4
وكان من تنصر من العرب يأكلون لحم الخنزير، يأكلونه أشد الأكل، ويرغبون في لحمه أشد الرغبة5. وذكر أن غيرهم كانوا يأكلونه أيضًا. وزعم
1
وذا نطف يسعى ملصق خده
…
بديباجة تكفافها قد تقددا
البرقوقي "ص146".
2 تاج العروس "9/ 29"، "قضم".
3 تاج العروس "8/ 279"، "خضم".
4 اللسان "4/ 208 وما بعدها".
5 الحيوان "4/ 41 وما بعدها"، "هارون".
"أن العرب لم تكن تأكل القرود"، وروي أنهم كانو يأكلون كل شيء يقع بين أيديهم لشدة الفاقة والحاجة، ولا سيما الأعراب1. فأكلوا دم "الفصيد"، وكانوا يحبونه، ويرون أنه يورث القوة2.
وورد في ألسنة الناس "أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر". وورد أيضًا "أهلك النساء: الأحمران، الذهب والزعفران". وذلك لما كان الرجال والنساء ينفقونه من مال للحصول على هذه الأشياء3. وورد أيضًا: "الأحمران: الطيب والذهب"4.
وتسربت إلى أهل الحجاز وسائر جزيرة العرب مأكولات أعجمية أخرى، حافظت بعضها على أصالتها وعلى عجمتها. فذكر أن أهل المدينة، لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر، علقوا ببعض مأكولاتهم، فسموا السميط "الرزدق" والمصوص المزور، والبطيخ الحريز5، ومأكولات أخرى، أدخلها هؤلاء الفرس وأمثالهم بحكم نزولهم على العرب قبل الإسلام.
والثريد هو طعام محبوب مشهور عند العرب. وهو طعام يتكون من فت الخبز وتهشيمه ثم بله بالمرق. والغالب أن يكون بالمرق واللحم. وقد اشتهر "هاشم بن عبد مناف"، بتقديمه الثريد لقومه6.
ومن أكلات العرب المعروفة "الحريقة"، وهي أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب فيحتسى، وهي أغلظ من السخينة يبقى بها صاحب العيال على عياله وقت الشدة7. و"الحيسة" وهي تمر وسمن وأقط، وقد أهدت "أم سليم" حيسة إلى الرسول وضعتها في "برمة" في قدر من حجر، وأرسلتها إليه، لمناسبة دخوله بـ"زينب"8.
1 الحيوان "4/ 44 وما بعدها"، "هارون".
2 الحيوان "4/ 96"، "هارون".
3 تاج العروس "3/ 154"، "حمر".
4 اللسان "4/ 408"، "حمر".
5 البيان "1/ 19".
6 وفيه يقول مطرود بن كعب الخزاعي:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه
…
ورجال مكة مسنتون عجاف
معجم الشعراء "ص200".
7 بلوغ الأرب "1/ 383".
8 إرشاد الساري "8/ 68".
وعند العرب أكلات تعير بها من يأكلها، منها "السخينة"، وهي تتخذ من الدقيق، دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وإنما يأكلونها في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال. والظاهر أنها كانت أكلة معروفة عند قريش خاصة، لذلك عُيّرت بها. وقد عَيَّرها "حسان بن ثابت" بها، فدعاها "سخينة"1، كما سماها بهذه التسمية كعب2.
وقد مازح "معاوية""الأحنف بن قيس"، فقال: ما الشيء المُلفَفُ في البجاد؟ قال: هو السخينة يا أمير المؤمنين3. وإنما أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميّت من تميم
…
فسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتَمر أو بسمن
…
أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف في الآفاق حرصًا
…
ليأكل رأس لقمان بن عاد
وكان الأحنف من تميم، وإنما أراد الأحنف بالسخينة رمي قوم معاوية بالبخل، لأنهم كانوا يقتصرون عليها عند غلاء السعر حتى صار هذا اللفظ لقبًا لقريش4.
والشواء هو الطريقة الشائعة بين الأعراب وأهل الريف في طبخ اللحوم. فهو وطريقته سهلة: توقد نار، ثم يوضع اللحم عليها، ومتى نضج أُكل. فكان أهل الوبر إذا اصطادوا أو ذبحوا لضيف، أوقدوا نارًا، واشتووا اللحم وأكلوه.
ونجد في قصص أجواد العرب، مثل حاتم، أنهم كانوا ينحرون الإبل أو يذبحون فرسًا، ثم يوقدون نارًا فيشوون اللحم عليها. ويدعى الناس إلى الأكل، فإذا فرغوا منه، مَشوا أيديهم بكل ما يكون أمامهم، حتى أعراف الجياد. كما نجد ذلك في شعر لامرئ القيس5.
وللعرب أواني استخدموها لتقديم الطعام بها إلى الضيوف. منها: الفيخة والصحفة، وهي تشبع الرجل، ولمكتلة تشبع الرجلين والثلاثة، والقصعة تشبع
1
زعمت سخينة أن ستغلب ربها
…
وليغلبن مغالب الغلاب
اللسان "13/ 206"، "سخن"، تاج العروس "9/ 232"، "سخن"، ونسب.
2 هذا الشعر إلى "كعب بن مالك"، بلوغ الأرب "1/ 382".
3 اللسان "13/ 206"، "سخن"، تاج العروس "9/ 232"، "سخن".
4 بلوغ الأرب "1/ 382".
5
نمش بأعراف الجياد أكفنا
…
إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
الثعالبي، ثمار "219".