الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه ورث السيادة من وراثة، إذ أتته من والده، هذا صحيح، وليس في ذلك من شك، لكن قومه لم يسودوه ولم يعينوه مكان أبيه، لهذا السبب، وإنما سودوه لأنه كان يحمي حمى قبيلته ويذب عنها، ولأن فيه شروط السيادة وحقوقها، فهو سيد قومه، قبل أن تأتي السيادة إليه من والده:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر
…
وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر من وراثة
…
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي
…
أذاها وأرمي من رماها بمنكب1
وهذا "بشامة بن الغدير"، خال "أبي سلمى" والد زهير، يقول في شعر له:
وجدت أي فيهم وجَدّي كليهما
…
يطاع ويؤتى أمره وهو مُحْتبي
فلم أتعمّل للسيادة فيهم
…
ولكن أتتني طائعًا غير متعب2
فهو رئيس ابن رئيس قبيلة، أتته السيادة من أبيه طائعة، لفضل فيه واستحقاق لها، دون أن يعمل وأن يركض للحصول عليها. فالسيادة إذن عند العرب، تتبع نظام الإرث في الغالب، إلا إذا حدث حادث يجعل أهل بيت السيادة، يعرضون عن الابن الأكبر إلى غيره، كأن يكون الابن الأكبر معتوهًا أو سفيهًا أو ضعيفًا، وأخوته أو أقرباؤه أقوى منه.
1 الحيوان "2/ 95"، "هارون".
2 الحيوان "2/ 96"، "هارون".
الأمراء:
والأمير ذو الأمر، أي: الآمر. وأولو الأمر: الرؤساء وأهل العلم. وذكر أن الأمير الملك لنفاذ أمره، والجمع أمراء، وهو يأمر إمارة1. ولما كان
1 اللسان "4/ 27 وما بعدها"، "أمر"، تاج العروس "3/ 18 وما بعدها"، "1/ 41"، "2/ 189 وما بعدها".
الخليفة في الإسلام أميرًا على المسلمين، نعت بـ"أمير المؤمنين". ولم ترد اللفظة في النصوص الجاهلية بمعنى "ملك". ويظهر أنها كانت تعني عند أهل الحجاز الرئيس الآمر. وقد ورد في كتب التاريخ أن الأنصار لما اختلفوا مع المهاجرين بعد وفاة الرسول على "الإمارة" واجتمعوا في "سقيفة بني ساعدة" قالوا:"منا أمير ومنكم أمير"1. وفي استعمال الأنصار لهذه اللفظة، دلالة على وجودها عند الجاهليين واستعمال أهل الحجاز لها بهذا المعنى في أيام الجاهلية.
ويظهر من الموارد "البيزنطية" ومن روايات أهل الأخبار، أن الملوك الغساسنة والملوك من "آل نصر"، أي ملوك الحيرة، لم يكونوا ملوكًا بالمعنى العلمي الصحيح المفهوم من الكلمة، وإنما كانوا "عمالًا"، إذا كاتبهم الروم أو الفرس، لقبوهم بـ"عامل". إذ عينوهم عمالًا على الأعراب ولم يعينوهم "ملوكًا". فلقب "ملك" من الألقاب الخاصة بملوك الروم لم يمنحوه لغيرهم2.
وكذلك كان الشأن عند الفرس. نعم لقد ذكر المؤرخ "بروكوبيوس" Procopius أن القيصر "يسطنيانوس" Justinianus منح "الحارث بن جبلة" لقب "ملك" ولقب بعض الكتبة اليونان سادات غسان باللقب المذكور، غير أن هذا التلقيب لا يمكن أن يكون دليلًا على أن الدولة البيزنطية كانت تطلق عليهم بصفة رسمية وأنه كان لقبهم الرسمي المعترف به عند الدول الأجنبية. ومن هنا شك المستشرق "نولدكه" في صحة رواية "بوكوبيوس" بشأن منح الحارث لقب "ملك"، ذلك لأن لقب "ملك" كان خاصًّا كما ذكرت بقياصرة البيزنطيين، فلا يمنح لغيرهم، ولأن الوثائق الرسمية لم تطلق هذا اللقب عليهم3. ثم إن نص أبرهة الشهير الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن "أبرهة"، لم يلقب "المنذر" ولا "الحارث بن جبلة" بلقب "ملك"، بل لم يلقبهما بأي لقب، بما في ذلك لقب "عامل". وهذا مما يدل على أن "آل نصر" و"آل غسان" وإن لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" أو لقبهم العرب به، إلا أن ذلك التلقيب لم يكن
1 الطبري "3/ 218"، "ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الأمارة في سقيفة بني ساعدة".
2 غسان "ص12"، المشرق: السنة الأولى، الجزء11، حزيران 1898م، ص485"، جواد علي تاريخ العرب قبل الإسلام "4/ 129".
3 غسان "ص12"، جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام "4/ 129".
بصفة دولية رسمية، وإنما كان بصورة غير رسمية وعلى سبيل التجمل بهذا اللقب والتشبه بالملوك الأجانب، استعمله الناس من باب التزلف والتقرب إلى أولئك الحكام، أو أنهم نظروا إليهم من وجهة نظرهم الخاصة، فدعوهم ملوكًا، لأنهم كانوا رعيتهم وكانوا هم مالكي رقبتهم. ومن هنا اعترفوا بهم ملوكًا، أما الدول الأجنبية فقد اعتبرتهم مجرد عمال وسادات قبائل.
والذي صح إطلاقه على أمراء الغساسنة، وثبت وجوده في الوثائق الرسمية، هو لقب "بطريق" Patricius، ولقب "عامل" أو رئيس قبيلة Phylarcos = Phylarkos = Phylarchus مقرونًا بنعت من النعوت التابعة له، أو مجردًا منه، كالذي جاء عن المنذر الذي حكم بعد الحارث بن جبلة "فلابيوس المنذر البطريق الفائق المديح، ورئيس القبيلة"، و"المنذر البطريق الفائق المديح، وما ورد عن الحارث "الحارث البطريق ورئيس القبيلة"1.
ولقب "البطريق" من ألقاب الشرف الفخمة عند الروم، ولذلك فلم يكن يمنح إلا لعدد قليل من الخاصة، ولصاحبه امتيازات ومنزلة في الدولة حتى أن بعض الملوك كانوا يحبذون الحصول على هذا اللقب من القيصر، ويفضلونه على غيره من الألقاب2.
ويلاحظ أن بعض كتبة اليونان أطلقوا لقب "ملك" على الأمراء العرب، مثل "ماوية" فقد لقبوها بـ"ملكة". ولم يستعملوا كلمة "فيلارك" فيلارخ" "فيلاركس" "فيلاركوس" التي تعني "العامل" أو "سيد قبيلة" والظاهر أنهم نهجوا في ذلك نهج الكتبة "السريان"، فقد لقبوا سادات القبائل العربية بلقب "ملك" على نحو ما نجده في الشعر العربي3. ويظهر أن عرب العراق كانوا قد لقبوا حكام "الحيرة" بلقب "ملك" و"ملوك"، وأن عرب بلاد الشام لقبوا حكامهم الغساسنة بلقب "ملك" كذلك، وذلك على سبيل التفخيم والتعظيم كما ذكرت، وباعتبار أنهم حكاهم ومالكو أمرهم. كما لقب من خضع لـ"آل آكل المرار" حكامهم من هذه العائلة بلقب "ملك". وكما
1 غسان "ص12".
2 المشرق: السنة الأولى: الجزء11، حزيران 1898م "ص485".
3 غسان "ص12"، المشرق: السنة الأولى: الجزء11، حزيران 1898م "ص485".