الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان للملك "النعمان" قصر بالحيرة عرف بـ"القصر الأبيض"، لبياضه، يظهر أن جدرانه كانت مجصصة، فظهرت بيضاء. ويذكر أهل الأخبار أن النعمان، كان عنده دواوين شعر فيها ما مدح به، أو ما مدح به آله. ثم أمر فدفنها في قصره هذا، فلما كان "المختار" قيل له: إن تحت القصر كنزًا فأمر به فحفر، فاستخرج الكنز ثم صار إلى آل مروان أو ما صار منه. وكان هذا القصر دار ملكه ومقره في الحيرة، إذ لم يذكروا له قصرًا آخر له فيها.
وكان للأكاسرة القصر الأبيض بالمدائن، ذكر أنه كان من العجائب، ولم يزل قائمًا إلى أن نقضه "المكتفي بالله" العباسي في حدود سنة 290هـ. وبني بشرفاته أساس التاج الذي بدار الخلافة وبأساسه شرفاته. وقد ذكره البحتري1.
وذكر "الزبيدي"، اسم قصر دعاه "لحيان"2، زعم أنه "قصر النعمان بن المنذر بن ساوى" بالحيرة3. فهل قصد بذلك شخصًا آخر من أهل الحيرة؟
أم إنه وهم من أوهام عديدة نجدهم في "تاج العروس" في أمور تاريخية، قد يكون المسئول عنها نساخ الكتاب في بعض الأحيان.
ونسب بعض أهل الأخبار إلى "النعمان بن المنذر"ن دارًا، قالوا لها:"الزوراء"، ذكروا أن "أبا جعفر المنصور" هدمها4.
1 تاج العروس "5/ 10"، "بيض".
2 بالفتح.
3 تاج العروس "10/ 324"، "لحى".
4 تاج العروس "3/ 246"، "زور".
الحكم وأخذ الرأي:
ولم يكن الملوك في العربية الجنوبية أو في العربية الغربية ملوكًا مطلقين لهم سلطان مطلق وحق إلهي في إدارة الدولة على نحو ما يريدون، ولكن كانوا ملوكًا يستشيرون الأقيال والأذواء وسادات القبائل والناس وكبار رجال الدين فيما يريدون عمله، واتخاذ قرار بشأنه. وهو نظام تقدمي فيه شيء من الرأي والمشورة وحكم الشعب "الديمقراطية" بالقياس إلى حكم الملوك المطلقين الذي حكموا آشور وبابل ومصر وإيران1.
1 A. Grohmann. S. 128
أما الطبقات الضعيفة وبقية السواد من السوقة والفلاحين وما شاكلهم، فليس لهم رأي في تسيير الأمور، ولا يستثارون في البت في أي شيء حتى في المسائل الصميمة المتعلقة بمصيرهم، ولم يكن عالم ذلك اليوم يحفل بسواد الناس، أي: بالغالبية؛ لأن الرأي لأصحاب الوجاهة والسيادة والسلطان إذ ذاك، وفي كل مكان من أمكنة العالم.
وترينا الكتابات المعينية أن ملوك معين كانوا مقيدين في حالات معينة بأخذ رأي "المزود" عند اتخاذ قرار خطير، ولذلك يذكر "المزود" عند صدور التشريعات والقرارات الخطيرة في نص القوانين والقرارات، للتعبير عن موافقته عليها وعلى أنها صدرت بعد وقوفه عليها وأخذ الملك رأيه فيها1. ويؤخذ رأي المعبد أيضًا، فقد ذكر في قرار بشأن الضرائب، وذلك يدل على أن المعبد كان يستشار في المسائل الخطيرة أيضًا2.
وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك العربية الجنوبية، قد أخذوا برأي الجمعيات وأصحاب الحرف والعمل، حتى لا يبرموا أمرًا يظهر بعد تنفيذه أنه غير واقعي ولا عملي، وأنه سيلقى معارضة من بعض الفئات والطبقات. كما أخذوا برأي المستشارين وأصحاب الرأي من جماعة الـ"فقضت" والـ"بتل" و"طبنن""الطبن"، وهم الملّاكون، عند وضع القوانين3.
وقد تبين من النص: Rep. Epigr. 2771 أن ملك معين استشار "المزود" في فرض ضريبة. وتبين من النص: Rep. Epigr. 2774 أنه استشاره في فرض ضرائب خصصت بالمعبد. ولكننا نجد في نصوص أخرى، مثل النص: Rep. Epigr. 3699 أن الملك لم يستشر "المزود" حين أصدر أمره في موضوع زواج المعينين بأهل "ددن""ددان""ديدان". ولعله فعل ذلك لأن موضوع الزواج موضوع إداري ولا علاقة له بالسياسة العامة أو بفرض الضرائب أو بالمسائل الداخلية الخطيرة، وهي الأمور التي يأخذ فيها الملك رأي المجلس. كما نجد الملك يصدر قانونًا باسم "معن" "معين" أي: شعب "معين" دون أن يذكر اسم "المزود"4.
1 A. Grohmann، S. 128، REP. EPIG. 2771
2 REP. EPIG. 2774، 2458، A. Grohmann، S. 128
3 Glaser 1606، Grohman، S. 126. ff
4 REP. EPIGR. 2952، Grohmann، S. 128
وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك معين أصدروا تشريعات في أمور لم يأخذوا فيها رأي المزود، لعدم ورود إشارة فيها إليه. فلدينا قرار في تنظيم أمور الزواج بين المعينين وأهل "ددن""ديدان"، لم يرد فيه ذكر للمزود1.
ولدينا قرار آخر لم يذكر فيه اسم المزود أيضًا، غير أنه يشير إلى أنه صدر باسم شعب معين2، مما قد يبعث على الظن بأن الملوك لم يكونوا ملزمين دائمًا بالرجوع إلى رأي المزود ووجوب أخذ موافقته في كل قضية، بل في القضايا العامة الخطيرة التي تخص مصير الشعب.
ويتبين من الكتابات السبئية أن ملوك سبأ ولا سيما قدماؤهم كانوا يتبعون سُنَّة "معين" في الرجوع إلى رأي المزود في القضايا الخطيرة للدولة وإصدار القوانين.
فكان الملك إذا أراد إصدار تشريع، أحاله على المزود ليبدي رأيه فيه، وفي طليعة هذه المسائل القوانين الخاصة بالأرضين وبالزرع وبحصص الحكومة من الضرائب لما لها من صلة بمصالح رجال المزود. ومتى وافق المزود على القانون أحيل على الملك لتصديقه ولإعلانه.
وهنالك شبه كبير في موضوع التشريع بين القوانين القتبانية والقوانين السبئية العامة، الصادرة في سبأ، ولا سيما في أيام حكم قدماء الملوك، حتى ذهب بعض الباحثين إلى وجود ما يشبه حد الاتفاق بين قوانين المملكتين، إلا في القوانين الخاصة التي تتعلق بالتشريعات المحلية للمخاليف والمدن. فإنها شرعت على وفق الأحوال الملائمة لتلك الأمكنة3.
وقد يشار في التشريعات إلى قصور الملوك، مثل "قصر سلحن""قصر سلحين"، كما أشير إليها في كتابات مختلفة، تتعلق بأخبار الحروب والجباية، وذلك كناية عن مقر الحكم، على نحو ما يستعمل في الزمن الحاضر من قولهم:"صدر من قصرنا العامر" أو "صدر من قصر
…
" وذلك رمز إلى مقر الحكم وكناية عن الملك الذي يقيم في ذلك القصر. ومن تلك القصور: "قصر غمدن" أي: "قصر غمدان" و"قصر وعلن" "قصر وعلان" و"قصر ريدن".
أي "قصر ريدان" ومن هذه القصور تصدر الأوامر بالموافقة على القوانين والمراسيم، وفيها يوقع على ما يراد نشره ليكتسب صبغة رسمية مقررة.
1 REP. EPIG. 3699، a. Grohmann، S. 128
2 REP. EPIGG. 2952، A. Grohmann، S. 128
3 Handbuch I، S. 128، Bodenwirtschaft، S. 180، A. Grohmann، S. 129