الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم الملوك:
وتتلخص نظرة الجاهلية بالنسبة إلى حكم الملوك فيما يأتي: الملك مالك والتابع مملوك، واجبه تقديم حقوق الملك للملوك وحق الملك الطاعة وفي ضمن الطاعة: الإخلاص له، والعمل بما يفرضه على التابع من حقوق وواجبات. وليس للرعية الامتناع عن دفع ما في عنقها من حقوق لملوكها أو ساداتها: سادات القبائل.
وليس لأحد حق مطالبة ملكه بدفع مال له، لا بصورة ثابتة معينة مقررة، ولا بصور أخرى. إنما الملوك والسادات أحرار، لهم أن يعطوا ولهم أن يمسكوا، وما يدخل خزانتهم وما يأتيهم من ربح من تجارة أو مغنم من حروب أو من عشور ومكوس وضرائب أخرى، هو من حقهم وهو من ملكهم الخاص بهم. وكل ما يعود للحكومة، هو لهم. لأنهم هم الحكومة، والحكومة الرؤساء.
وفي الحديث: "ومأكول حمير من آكلها" المأكول: الرعية، الآكلون الملوك جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، أراد أن عوام أهل اليمن خير من ملوكهم1.
و"الآكال: مآكل الملوك. وآكال الملوك: مأكلهم وطعمهم: والأكل: ما يجعله الملوك مأكلة"2. والمأكولون إذن هم الرعية، يأكلهم ملوكهم، بما يأخذونه منهم من حقوق وبما يفرضونه عليهم من واجبات، والآكلون هم الملوك، لأنهم يأكلون ولا يعطون.
والحاكم ملك كان أو سيد قبيلة، هو حاصل المحيط الذي نشأ فيه، والبيئة التي عاش بين أهلها، لذلك نراه مستبدًّا إلى آخر حدّ من جهة، ونراه عطوفًا غافرًا للذنوب من جهة أخرى. وهو القانون والسلطة التنفيذية والتشريعية ولا راد لحكمه وقضائه، إلا التوسلات والوساطات وشفاعة الشفاع، فإن تأثر بالشفاعة غير رأيه وإن أصر على رأيه فلا راد لحكمه. وحكم هذا شأنه يكون خاضعًا لمزاج الحاكم ولدرجة هدوء أعصابه واتزانه، فإن كان الملك عاطفيًّا منفعلًا سريع التأثر، صار عهده عهد مشاكل ومؤامرات يكون قتل الأشخاص فيه من الأمور البسيطة. وما يومي البؤس والنعيم، إلا مثل على عقلية الحاكم في ذلك الوقت. وفي حكم كهذا تكثر فيه بالطبع الوشايات والمؤامرات، إذ يستغله الحساد وأصحاب الذكاء في
1 اللسان "11/ 21"، "أكل".
2 اللسان "11/ 21"، "أكل".
الإيقاع بخصومهم، كالذي فعلوه من الإيقاع بين النعمان والشاعر النابغة صديقه والمقرب إليه، وكالذي فعلوه من الإيقاع بين "عمرو بن هند" وهو ملك متهور قلق، وبين سادات القبائل مما سبب إلى غزوهم وإلى استهتار بعض القبائل بحكمه وخروجه على طاعته.
وقتل الأشخاص من أبسط الأمور بالنسبة إلى أولئك الحكام، فإذا أزعجهم شخص أو هجاهم شاعر أو انتقصهم أحد، فقد يكون القتل جزاء له في الغالب.
وإذا أمر الملك بقتل إنسان، قتل، ما لم يشفع له شفيع قويّ مؤثر. وإذا كان أمر الملك بقتل الشخص في الحال، قتل دون تأخير. ولا راد لحكمه. فهو الحاكم وهو المنفذ للأحكام. ولا اعتبار لمنزلة الشخص الذي سيقتل، والشيء الذي يؤجل الموت أو يبعده عن شخص ما، هو هروبه إلى رجل منافس لهذا الحاكم كاره له، أو له دالة عليه، فينقذ لجوؤه إلى ذلك الشخص رقبته من سيف الجلاد.
وللملك إحراق من يشاء إذا أراد، والتمثيل بجسم عدوه. وقد رأينا جملة ملوك من ملوك "آل لخم" و"آل غسان" وقد عرفوا "بمحرق"؛ لأنهم حرقوا أعداءهم بالنار. لم يحرقوا بيوتًا، بل بشرًا، وقد رأينا بعض الروايات، وهي تنسب إلى "المنذر بن ماء السماء" قتل راهبات وقعن في الأسر من غسان ليكنّ قرابين قربهن إلى العُزّى. ورأينا أمر "عمرو بن هند" بذبح تسعة وتسعين رجلًا من تميم على قمة "أوارة"، لأنه حلف يمينًا لينتقمن منهم بقتل مائة رجل منهم، وإحراقهم بالنار. فقيل له: المحرق. وضرب بفعله المثل في قصة يروونها عن هذا المثل: إن الشقي وافد البراجم1.
وقد اشتهر "الجلندي" ملك "عمان" بظلمه، حتى ضرب به المثل. فقيل:"أظلم من الجلندي" و"ظلم الجلنديّ". وقيل: إنه هو الذي ذكره الله في كتابه، فقال:{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} 2.
ويذكر أهل الأخبار أن الملوك إذا أرادت قتل شخص، لبست جلود النمر وجلست تتفرج على من يراد قتله. ويعبر عن ذلك بالتنمر3.
1 ثمار القلوب، للثعالبي "107 وما بعدها"، "وهو أول من عاقب بالنار"، حمزة "67".
2 سورة الكهف، الآية79، الثعالبي، ثمار القلوب "183"، الكشاف "2/ 578".
3 تاج العروس "3/ 587"، "نمر".