الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما المناسبات المحزنة كالموت والكآبة، فقد كانوا يستعملون فيها نغمات حزينة وهادئة للتخفيف من شدة الحزن والكآبة والألم. وقد كانت لهم في ذلك ألحان وأوزان ونغم.
وأما "الهزج"، فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف والمزمار، فيطرب ويستخف الحليم1.
وذكر أن الهزج من الأغاني ما فيه ترنم، وصوت مطرب، وقيل: هو صوت فيه بحح، وصوت دقيق مع ارتفاع. وكل كلام متدارك متقارب في خفة هزج2. فهو الخفيف المطرب من الغناء.
وكانت المناسبات المفرحة مثل الزواج تقترن بالعزف والغناء. روي أن رسول الله لما كان غلامًا يرعى غنمًا ومعه غلام من قريش يرعى معه كذلك قال له: "لو أنك أبصرت غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشباب، قال: أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أول دار من ديار مكة، سمعت عزفًا بالدفوف والمزامير. فقلت ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة بنت فلان.
فجلست أنظر إليهم"3. وذكر أن من عادة أهل مكة أن يفعلوا ذلك عند الزواج.
وفعل أهل يثرب ذلك أيضًا في مثل هذه المناسبات وفي مناسبات الفرح الأخرى4.
1 العمدة "2/ 314"، كتاب اللهو والملاهي، لابن خرداذبه "ص16 وما بعدها"، "المطبعة الكاثوليكية، بيروت".
2 تاج العروس "2/ 116"، "هزج".
3 نهاية الأرب "4/ 145".
4 رغبة الآمل من كتاب الكامل "6/ 908"، "للمرصفي".
الرقص:
والرقص وجه آخر من وجوه التسلية والتفريج عن النفس.
يرقصون في المناسبات، مثل الأعراس والأفراح الأخرى. وهو في الغالب ارتفاع وانخفاض، وقد يكون ذلك هو الذي حمل علماء اللغة على تفسير الرقص أنه ارتفاع وانخفاض1. والراقصون هم من الشباب في الغالب، أما الشيوخ، فكانوا لا يرقصون، لعدم ملاءمة الرقص مع جلال السن.
1 اللسان "7/ 42 وما بعدها"، تاج العروس "4/ 399"، "رقص".
وذكر علماء اللغة أن من الرقص نوع يقال له: "الدرقلة". وذكر بعض آخر أن "الدرقلة" الرقص. "قال محمد بن إسحاق: قدم فتية من الحبشة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يدرقلون، أي يرقصون". وقيل: الدرقلة: لعبة للعجم معربة1. وهي من الحبشة على بعض آراء علماء اللغة. ونطقت بـ"الدركلة" كذلك. وذكروا أن الرسول "مرّ على أصحاب الدركلة فقال: "جدّوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة" 2. قيل: إن الدركلة ضرب من الرقص ولعبة للعجم معربة.
وقد عرف الحبش بحبهم للرقص. وكان أهل مكة وغيرهم من أهل الحجاز إذا أرادوا الاحتفال بعرس أو ختان أو أية مناسبة مفرحة أخرى أحضروا الحبش للرقص والغناء على طريقتهم الخاصة. وورد في الحديث أنه قال للحبشة: "دونكم يا بني أرفدة". وقيل: هم جنس من الحبشة يرقصون. وقيل: "أرفدة" لقب لهم، هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به3.
وقد كان الرقص عند الشعوب السامية نوعًا من أنواع التعبير عن الفرح والشكر تجاه آلهتهم4. ويدخل في جملة الشعائر الدينية. ولا يستبعد أن يكون الجاهليون مثل غيرهم قد رقصوا لآلهتهم في المناسبات الدينية، تعبيرًا عن شكرهم للآلهة.
ولكن معارفنا عن ذلك قليلة جدًّا، فلا نجد في الكتابات الجاهلية أية إشارة إليه، أما أخبار أهل الأخبار عن الرقص عند الجاهليين، فهي قليلة. ولا أستبعد أن يكون السعي بين الصفا والمروة كان رقصًا في الأصل فكان الساعون يرقصون ويغنون أغاني دينية، في تمجيد رب البيت والتقرب إليه. كما كانوا يرقصون في المعابد الأخرى.
ويعدّ يوم وصول الملوك والأمراء والسادات إلى مكان ما، يومًا مشهودًا يجلب الفرح والسرور إلى قلوب الناس، ويعطي ذلك اليوم بهجة وسرورًا. وكانوا يستقبلون كبار الوافدين عند قدومهم بأصناف اللهو. ويخرج "المقلسون" بالسيوف والريحان وبالدفوف والغناء. ولذلك قيل:"القلس"، و"التقليس": الضرب
1 اللسان "11/ 244".
2 اللسان "11/ 244".
3 اللسان "3/ 183"، "رفد"، تاج العروس "2/ 356"، "رفد".
4 قاموس الكتاب المقدس "1/ 489"، "رقص".