الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التاجر أو المزارع أداؤها للملوك، وبعض آخر أخذ من كتب أهل الأخبار والتواريخ وكتب الشعر والنثر، وفيها نتف وردت عرضًا عن بعض حقوق الملوك وسادات القبائل في الجاهلية الملاصقة للإسلام.
والملك هو قائد شعبه أيام السلم وأيام الحرب، يرأس جيشه في القتال ويختار من يشاء لقيادة الجيش. وهو القاضي الأعلى والحاكم فيما يقع بينهم من خلاف.
وهو الرئيس الروحي لأمته وكاهنها في الأصل. غير أن الملوك تركوا هذه القيادة الروحية، أي: الزعامة الدينية لغيرهم، وهم رؤساء الدين، واحتفظوا بالسلطة الزمنية التي تشمل سلطة القيادة والحكم.
بيت المال:
والملك هو صاحب أرض الدولة والقيّم عليها. وله حق منح الأرض لمن يشاء وانتزاعها عمن يشاء، أو تأجيرها لمن يرى. والأرض عند العرب الجنوبيين هي ملك الآلهة، وليس على وجه الأرض ملك لإنسان. غير أن هذا لا يعني أن الأرض ومن عليها ملك لرجال الدين باعتبار أنهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض والممثلون لهم في هذا العالم، فهم وحدهم إذن لهم حق إدارة الأرض واستغلالها، وذلك لأن الملوك سلبوهم هذا الحق واستبدوا به ومارسوه ونصبوا أنفسهم خلفاء على الأرض، وصاروا أوصياء الآلهة على أموالها. وهكذا فسرت قاعدة "المال مال الآلهة" تفسيرًا يجعل حق الأشراف على "مال الآلهة" في هذه الأرض للملوك ولأصحاب السلطان الفعلي الحاكمين حكمًا بقانون القوة، أما رجال الدين الذين يجب أن يكونوا هم خلفاء الآلهة على الأرض والمنفذين لأوامرها، فقد خضعوا لحكم الواقع، ورضوا بما حصلوا عليه من حقوق وامتيازات، وصاروا إلى جانب الملوك في الغالب، لتشابه المصلحتين، وحصل التراضي على إعطائهم حقوقًا وامتيازات واسعة، واستقلالًا في إدارة أموال المعابد، بحيث لا يكون للحكومة أي سلطان عليها، وهي مستثناة من دفع الضرائب التي يجب على سائر الناس دفعها إلى الحكومة، فصار المعبد من ثم سلطة ذات ثراء وسلطان تلي سلطة الحكومة ولها ضرائب يدفعها المؤمنون المتقون1
1 Grohmann، Arabien، S. 125
والملوك هم من كبار أصحاب الملك في الدولة، فإلى جانب حقهم المتقدم في اعتبارهم خلفاء الآلهة على الأرض في إدارة ملكها، نجدهم يمتلكون أرضين واسعة وأملاكًا شاسعة ويتاجرون باسمهم، فيرسلون القوافل للتجارة. والأرض التي يمتلكها الملوك، هي أرضون خاضعة لهم مباشرة، لأنها ملكهم الخاص. ومعنى ذلك أن منفعتها تكون خاصة بهم. فلا يصرف منها على المصلحة العامة، إلا إذا أراد الملك أن يتبرع بذلك رضاء، وله بالطبع أن يهدي منها ما يشاء إلى من يشاء، كما يفعل أي مالك، وهو يؤجر أرضه لمن يريد، ويقال لما يدفع له في مقابل ذلك "نحلث"1.
والأرضون المفتوحة عنوة هي من حق الدولة، تضاف إلى أملاكها وتسجل باسمها، وتعد من "بيت المال"، ويكون حق النظر في أمرها والإشراف عليها واستغلالها للملك؛ لأنه رئيس الدولة وحاكمها، وله الخيار في كيفية التصرف بها. له أن يعطيها للأقيال في مقابل ضريبة حربية يقدمونها له تسمى "ساولت" أو في مقابل إيجار يتفق عليه يقال له:"ثوبت"، وله أيضًا أن يبيعها متى شاء، ويعبر عن ذلك بـ"شامت" أي: بيع2.
ويراد بضريبة "ساولت" أي: الضريبة الحربية، تعهد أصحاب الأرض بتقديم المحاربين إلى الدولة، ويتفق على العدد وعلى وقت التقديم، ويسجل ذلك في عقد الاتفاق. ويقوم أصحاب العقد بالإنفاق عليهم وبتقديم كل ما يحتاج المحارب إليه من عدة وسلاح. والغالب أن يقوم بذلك المحارب نفسه، لأنه رجل مسخر مأمور، فهو من أتباع صاحب الأرض، ينتزعه سيده من أرضه، ويرسله إلى الخدمة وقت الحاجة إليه.
ولما فتح "كرب إيل وتر" ملك سبأ أرض أوسان ودهس، وفتح عنوة كل أرض "عبدان" ومدنها وقراها وأوديتها وحصونها ومراعيها، صارت كل هذه الأرضين وما عليها من محاربين ومن مدنيين أحرار وعبيد ملكًا لدولة سبأ وسجلت في جملة مقتنياتها. ويلاحظ أن سلطنة العوالق العليا عدت "وادي عبدان" الذي هو في جنوب "نصاب" من "أرض الدولة" أي: من أملاك السلطان، ومن
1 Osiander 35، Arabien، S. 126
2 Arabien، S. 126
أرض "ربيت المال" ورقبتها بيد "سلطان العوالق"1.
وبالإضافة إلى الأرضين المفتوحة عنوة، ضم ملوك سبأ إلى أملاك الدولة أرضين اشتروها شراءً، واشتروا كل ما كان عليها من ناس وحيوان وزرع. فقد كان المشتغلون بالأرض يعدون تابعين لها فيباعون معها وهم ملك لها. وهم طبقة خاصة من طبقات عبيد الأرض.
ولم تتحدث الكتابات عن حقوق الملك وعن مدى صلاحياته في الحكم، ولكننا نستطيع أن نقول قولًا عامًّا إن سلطات الملك كانت كسلطات الملوك الآخرين في الأقطار الأخرى، تتوقف على شخصية الملك وسلطانه وقدرته، فهو ملك ذو سلطان واسع مطلق، أوامره قوانين، وإرادته مطاعة، يحد سلطانه المتنفذين ويخضعهم لحكمه إن كان الملك صاحب شخصية قوية وعزم، وهو مغلوب على أمره يحكم اسمًا إن كان ضعيفًا خائر العزم، وتحكم المملكة العناصر القوية صاحبة السلطان من أبناء الأسرة المالكة، أو من سادات القبائل أو رجال الدين، فعلى هذه الأحوال إذن كانت تتوقف سلطات الملك وأعماله في المملكة.
وللملوك حق يسمى "حق الإحماء". فإذا أعجب الملك بأرض أو بعشب، أعلن حمايته لتلك الأرض، أو لذلك العشب، فلا يسمح عندئذ لأحد بدخول "الحمى" أي: المكان المحمي دون إذن الملك أو الشخص المخول من الملك بهذا الحق. ويدخل في هذا الحق حق حماية الحيوان أو النبات. وكان ملوك الحيرة يحمون الأرضين والحيوانات، كالإبل والخيل والكباش، فتكون لهم، لا يسمحون لغيرهم بالانتفاع منها. ولما وثب "علباء بن أرقم اليشكري" على كبش للنعمان ابن المنذر، كان من أحماه، أي جعله حمى، فذبحه، حمل إلى النعما، فاعتذر إليه وعفا عنه2.
وكان "النعمان بن المنذر" يحمي مواضع عديدة قرب الحيرة وعلى مبعدة منها. ترعى فيها إبله وبهائمه، منها أرض "سحيل". أرض بين الكوفة والشأم3.
1 Beitrage، S. 56
2 معجم الشعراء "304".
3 تاج العروس "7/ 373"، "سحل".