الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنفسهم فداءً لنبيهم، فعلموا بذلك علوَّ قدره، وسُموَّ منزلته، فلم تكن أنفسهم لتسمح لأحد بعد ذلك بأن يقع فيه، فإذا ما سوَّلت لأحد نفسُه مِثلَ هذا السوء من الفعل؛ فوجئ بغضب هائج، وإعصار هادر؛ لا يتوقَّف حتى يثأر لصاحب الجناب الشريف.
ومن ذلك: أن غلمانًا من أهل البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة، وأسقف البحرين قاعد، فوقعت الأكرة على صدره، فأخذها، فجعلوا يطلبونها منه فأبى، فقال غلام منهم: سألتك بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا رددتها علينا، فأبى، وسبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم!
فأقبلوا عليه بصوالجهم، فما زالوا يخبطوا حتى مات.
فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فوالله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف، وقال:«الآن عزَّ الإسلام، إن أطفالا صغارا شُتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا» . وأهدر دم الأسقف
(1)
.
5 - تعظيم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه في نفوسهم، حتى لو كان على غير هواهم:
الصغير لا يميز بين الحلال والحرام، وشهوته وميله لفعل شيء يحبه لا ضابط له عنده، لكن المربي يزرع في نفسه منذ الصغر توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم أمره ونهيه، بربط ذلك بأفعاله وميوله، حتى يشب
(1)
أبو الفتح الأشبيهي، «المستطرف في كل فن مستطرف» (ص/ 471).
على الامتثال لما يأتيه لاحقًا بعد ذلك من أوامر، وإن خالفت هواه.
أتى عبدالله بن عمر لزيارة يحيى بن سعيد بن العاص يومًا، فدخل عليه وغلام من بنيه رابط دجاجة يرميها، فمشى ابن عمر إلى الدجاجة فحلَّها، ثم أقبل بها وبالغلام، وقال ليحيى: ازجروا غلامكم هذا عن أن يصبر هذا الطير على القتل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ينهى أن تُصبَر بهيمة أو غيرها لقتل، وإن أردتم ذبحها فاذبحوها»
(1)
.
ومرَّ ذات يوم بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر:«من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضا»
(2)
.
لن تفارق كلمات ابن عمر، وفعله، وحالته من التأثر والغضب ذهن غلام يحيى بن سعيد، ولا أذهان فتية قريش، بل ستنطبع في ذاكرتهم، وتُحفر في عقولهم، لتشكل مسارًا قادمًا في حياتهم للتعامل مع الأوامر والنواهي النبوية.
فإذا ما أراد أحدٌ أن يعترض على الأمر النبوي بعقله دون تقدير له؛ جاءه الرد من مُربِّيه ووليه عنيفًا، والتوبيخ شديدًا، لا سيما إن كان كبيرًا عاقلًا.
(1)
إسناده صحيح: أخرجه أحمد (5682).
(2)
«صحيح مسلم» (1958).
هذا ابن عمر أيضًا يحدِّث أمام أولاده ذات يوم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل» فقال ابن له: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دَغَلًا
(1)
. عندها ضربه ابن عمر في صدره، وزبره
(2)
، وقال: " أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا ندعهن
(3)
!
نعم، قد يكون ابن عبدالله بن عمر بالغًا عاقلًا، لكن أسلوب التربية هنا هو الذي يعنينا، وأنه إذا صدر هذا التعديل التقويم في حق البالغ؛ فهو في حق من دونه أولى وأهم.
ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "أُخِذ من إنكار عبدالله على ولده: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران"
(4)
.
(1)
الدَّغَل: هو الفساد والخداع والريبة.
(2)
أي: نَهَرَه.
(3)
«صحيح مسلم» (442).
(4)
ابن حجر، «فتح الباري» (2/ 349).