المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌النوعُ الأَول: في‌ ‌ الحذف والإثباتِ (*) فالحذفُ (1) إنَّما يجوزُ لقرينةٍ - تحقيق الفوائد الغياثية - جـ ١

[الكرماني، شمس الدين]

فهرس الكتاب

- ‌التّمهيد: التّعريف بالعضد الإيْجيّ وكتابه "الفوائد الغياثيّة

- ‌المبحث الأول التعريف بعضد الدّين الإيْجي

- ‌المبحث الثّانِي: التّعريف بكتابه "الفوائد الغياثيَّة

- ‌عنوانه:

- ‌سبب تأليفه:

- ‌مضمون الكتاب:

- ‌الفصل الأوّل: التّعريف بشمس الدِّين الكرمانيّ

- ‌التّمهيد: نبذةٌ موجزةٌ عن عصر الكرمانِيّ

- ‌1 - الحالةُ السّياسيةُ:

- ‌2 - الحالةُ الإجْتماعيّة:

- ‌3 - الحالةُ العلميَّة:

- ‌المبحث الأوّل: حياة الكرمانيّ

- ‌المطلب الأوّل: اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته

- ‌المطلب الثّاني:‌‌ مولده، ونشأته، ورحلاته

- ‌ مولده

- ‌نشْأته ورحلاته:

- ‌المطلب الثّالث:‌‌ عقيدته، وأخلاقه، وصفاته

- ‌ عقيدته

- ‌أخلاقه وصفاته:

- ‌المبحثُ الثاني شُيوخُه، وتَلاميذُه، ومكانتُه العلميّة

- ‌المطلب الأوّل: شيوخه

- ‌المطلب الثّاني: تلاميذه

- ‌المطلب الثالثُ: في مَكانته العلميَّة

- ‌المبحث الثَّالثُ: مصنّفاتُه ووفاتُه

- ‌المطلب الأوّل: مصنّفاته

- ‌المطلب الثانِي: وفاته

- ‌الفَصلُ الثّاني: التَّعريف بكتاب "تحقيق الفوائد

- ‌المبحث الأوَّل: اسمُ الكتابِ، وتوثيقُ نسبتهِ للمؤلّفِ، ومنهجُ المؤلّف فيه

- ‌المطلب الأوّل: اسم الكتاب

- ‌المطلبُ الثَّاني: توثيقُ نسبته للمؤلِّف

- ‌المطلبُ الثَّالثُ: مَنْهج المؤلِّف فيه

- ‌المبحث الثَّاني: مصادرُ الكتاب وشواهدُه

- ‌المطلب الأوّل: مصادرُ الكتاب

- ‌المطلب الثّاني: شواهدُ الكتاب

- ‌المبحث الثّالث: تقويم الكتاب

- ‌المطلبُ الأَوَّل: مزايا الكتاب

- ‌1 - حسن التّبويب والتنظيم:

- ‌2 - التَّوسُّط والاعتدال:

- ‌3 - اشتمال الكتاب على بعض الفوائد المهمّة:

- ‌4 - ظهور شخصيّة المؤلّف العلميّة بشكل واضح:

- ‌5 - اشتمال تحقيق الفوائد على بعض آراء الإيجيّ الّتي لم ترد في مختصره:

- ‌6 - اشتمال تحقيق الفوائد على أصحّ نسخ المختصر:

- ‌7 - وضوح المعنى، وسلامة الأسلوب غالبًا:

- ‌المطلب الثّاني: المآخذ عليه

- ‌1 - أخطاء عقديّة:

- ‌2 - أخطاء منهجيَّة:

- ‌3 - خطأ علمي:

- ‌4 - أخطاء أسلوبيّة:

- ‌المبحث الرّابع: وصف مخطوطات الكتاب، ومنهج التّحقيق

- ‌المطلبُ الأوَّل: وصفُ مخطوطاتِ الكِتابِ

- ‌أوّلًا: النّسخ المعتمدة:

- ‌1 - النّسخة الأصل:

- ‌2 - النُّسخة (أ):

- ‌3 - النُّسخة (ب):

- ‌ثانيًا: النسخ المهملة:

- ‌1 - نسخة مكتبة شهيد:

- ‌2 - نسخة مكتبة مشهد:

- ‌3 - نسخة المتن:

- ‌المطلبُ الثاني: منهجُ التحقيق

- ‌المقدّمة

- ‌الفصل الأوّلُ: في علْمِ المعاني والكلامِ في الخَبر والطّلبِ

- ‌القانونُ الأوّلُ: في الخبر

- ‌الفنُّ الأوّلُ: في الإسنادِ:

- ‌الفنُّ الثَّاني: في الْمُسْنَدِ والْمُسْنَد إليه

- ‌النوعُ الأَول: في‌‌ الحذفوالإثباتِ

- ‌ الحذف

- ‌الإثباتُ

- ‌النوعُ الثاني: في‌‌ التَّعريفبأَقْسامه (*)، والتَّنْكير

- ‌ التَّعريف

- ‌تنبيه:

- ‌تنبيه:

- ‌تَذْنِيب

- ‌التَّنكيرُ

- ‌النُّوعُ الثَّالثُ: في التَّوابع

- ‌الوصفُ

- ‌التَّوكيدُ

- ‌البيانُ

- ‌البَدَلُ

- ‌العطفُ

- ‌خاتمةٌ:

- ‌تذنيبٌ:

- ‌الفَنُّ الثَّالثُ: في وضع الطَّرفين (*) كُلّ عند صاحبه

- ‌ التَّقديم

- ‌النَّوعُ الأَوَّل: في التَّقديم والتَّأخير

- ‌تذنيباتٌ

- ‌النَّوعُ الثَّاني في الرَّبطِ والتَّعلُّق

- ‌تنبيهاتٌ

- ‌أدواته)

- ‌النوع الثالث (*): في القصر

- ‌ طرق القصرِ

- ‌خاتمةٌ:

- ‌الفنُّ الرّابعُ (*): في وضعِ الجملتينِ، والكلامِ في الوصلِ والفصل، وفي الإيجازِ والإطنابِ، وفي جعلِ إحداهما حالًا

- ‌النّوعُ الأوّلُ: في الفصلِ والوصلِ

- ‌الوصلُ

- ‌الفصلُ

الفصل: ‌ ‌النوعُ الأَول: في‌ ‌ الحذف والإثباتِ (*) فالحذفُ (1) إنَّما يجوزُ لقرينةٍ

‌النوعُ الأَول: في‌

‌ الحذف

والإثباتِ

(*)

فالحذفُ (1) إنَّما يجوزُ لقرينةٍ (2) حاليَّةٍ؛ كقولِ المُسْتهلِّ (3): "الهِلال واللهِ"(4)، أَوْ مقاليَّة؛ كقولِه -تعالى-:{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا (5)} (6) الآية.

(*) قدَّم هذا النَّوع على غيره؛ لأنَّ الحذف والإثبات يعرضان للطّرفين بالذّات من غير وساطة؛ بخلاف النَّوعين الآخرين.

(1)

استهلَّ حديثَه بالحذف؛ لأَنَّ الحذف يعني عدم الذِّكر، والعدم سابق الوجود الممكن؛ فهو مقدّم.

(2)

هكذا في الأَصل، ب، ف. وفي أ:"بقرينة".

وإنّما جوّز الحذف لقرينة؛ لأن الحكم المستفاد من الخبر لا يحصل إلا بمسند ومسند إليه وقد يكون معهما متعلّقات، فالأصل ذكرهما وما يتعلّق هما، ولا يجوز العدول عن شيء منها إلا لقرينة دالَّة على ذلك المحذوف.

(3)

المستهلّ: مَن رأى الهلال. ينظر: اللِّسان: (هلل): (1/ 702).

(4)

فالمحذوف المسند إليه؛ أي: هذا الهلال ودلّ عليه الحال المشاهد.

(5)

في ب: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ} .

(6)

سورة النّور: من الآية 36.

ولإيضاح الشّاهد بجلاء كان الأَوْلى ذكرَ الآية وما بعدها، والإشارةَ إلى أنّ ذلك في قراءة مَن قرأ الفعل {يُسَبَّحُ} بالبناء للمفعول.

فالآيتان: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37].

والشّاهد: حذف المسند المدلول عليه بالمقال؛ فكأن سائلًا سأل: من يسبحه؟ فجاء الجواب: يسبحه رجال لا تلهيهم

" وسيأتي -إن شاء الله- ما يشهد لذلك من كلام الشّارح نفسه ص (84 - 85).

ص: 282

ويجيءُ؛ أي: الحذف، في المسندِ (1) والمسندِ إليه (2)، وفي الفعلِ (3)، وإنَّمَا ذكرَه (4) وإنْ كانَ يدخُلُ (5) تحتَ المسند لتخصّصهِ بخَواصّ وأحكامٍ. والمفعولِ (6) وسائرِ المُتَعَلِّقَاتِ (7) سوى الفاعلَ؛ إذ الفعلُ وُضِع للإسناد المُحَصَّلِ أَوْ الموجود (8)، أي: المُعَيَّن الجُزْئِي لا المطلق الكُلّيّ، وهو (9) نسبةٌ لا تتحصَّلُ إلَّا بذكرَ المسندِ إليه؛ كـ "نصر" -مثلًا-؛ فإنَّه لم يُوضَع

(1) نحو: حذف الخبر في قول الشَّاعر:

نَحْن بِمَا عِنْدنا، وأَنْتَ بما

عندك راضٍ والرَّأيُ مُخْتلف

أي: نَحْن. مما عنْدنا راضون، حذف المسند من الأوَّل لدلالة الثَّاني عليه:"راض".

(2)

نحو حذف المبتدأ في قول الشّاعر:

قَال لي: كَيْف أَنْت؟ قُلْتُ: عَلِيلٌ

سَهرٌ دَائِمٌ، وحزنٌ طَويل

أي: أنا عليل، حالي سهر دائم.

(3)

نحو: حذف الفعل في قول الشّاعر:

وليسَ قَوْلك مَنْ هَذا بِضَائره

العُرْبُ تَعْرف مَنْ أنكرتَ والعجَمُ

أي: والعجم تعرفه.

(4)

الضَّمير يعود إلى الفعل.

(5)

في أ، ب:"داخلًا".

(6)

نحو حذف المفعول به في قوله سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [سورة يونس، من الآية: 25] أي: يدعو جميع النّاس.

ولم يقيد المفعول للإشارة إلى دخول الحذف في جميع المفاعيل سواء كان: مفعولًا مطلقًا، أو مفعولًا به، أو مفعولًا معه، أو فيه، أو له.

(7)

أي: باقي المتعلِّقات؛ كالحال، والتّمييز، والاستثناء.

(8)

قوله: "أو الموجود" ساقط من أ، ب.

(9)

أي: الإسناد.

ص: 283

لنسبةِ الحدث إلى شيءٍ ما، بَلْ لنسبتِه إلى أمرٍ مُعيَّنٍ؛ وهو ما يُذكرُ بعده. فما لَمْ يُذكرَ الفاعل لمْ يَتِمَّ مدلُولُه ومَعْناه، وإذا النِّسبة (1) لا تَسْتَقِلُّ بوجُودها، بل تحصّلها تبعٌ لتحصّل لحوقها للغير فتحصّلُها عبارة عن أنّ يُقْر (2) بها لُحُوقٌ للغير خَاصٌّ، وإطلاقُها بخلافه؛ كـ "ضرب زيدٌ"، و"الضّرب"؛ فالأَوَّل: يقالُ: إنَّها نسبةٌ مُحصَّلة، والثَّاني: مُطْلَقةٌ. وكـ "هذا النّصف" و"النّصف"، و"ظَرفيَّةُ الدَّارِ" و"الظرْفِيّة"، كما بُيِّن في علمِ الطَّبيعية (3).

فالحاصلُ: أنَّ "نَصَرَ" وُضِعَ لِكُلِّ نصرٍ خاصٍّ، كـ "نَصَرَ زَيْدٌ"، و"نصر بكرٌ"، فلو ذُكرَ بدون الفاعلِ لم يُفدْ شَيْئًا.

وهَهنا فائدةٌ جليلةٌ لا بدَّ من ذكرها، وهي: أنَّ اللَّفظَ قد يُوضعُ وضعًا عامًّا؛ لموضوع (4) له عَامّ؛ كـ "رجُل"، وقد يُوضعُ وضعًا خاصًّا؛ لموضوع (5) له خاصّ، كـ زيد"، وقد يوضع وضعًا عامًّا لأمورٍ مخصوصةٍ؛ كـ "هذا"؛ فإنَّ وضعه عامٌّ لكُلِّ مُشارٍ إليه مَخْصوص؛ أي: وضع لاعتبارِ (6) المعني العامّ

(1) هكذا الأَصل. وفي أ، ب:"وإذا النّسبُ" ولا اختلاف في المعنى.

(2)

في الأَصل: "القرآن". والصّواب من: أ، ب.

(3)

في الأَصل: "الطَّبيعيّ". والصّواب من: أ، ب.

(4)

في الأَصل: "فالموضوع" والصواب من أ، ب.

(5)

في الأَصل: "فالموضوع" والصّواب من أ، ب.

(6)

في الأَصل: "وضعت لاعتبار". وفي ب: "وضعت باعتبار". والصّواب من: أ، فهو المناسبُ للسِّياق.

ص: 284

للخُصوصِيَّاتِ (1) الَّتي تَحْته؛ فلا يُقالُ: "هذا" والمرادُ: أحدٌ مِمَّا (2) يُشارُ إليه (3). وكالحُروفِ كـ "مِنْ" فإنَّها وُضِعَتْ باعتبارِ معني عامّ؛ وهو نَوعٌ من النِّسْبة؛ كالابتداء لكلِّ ابتداء مُعَيَّن بخُصوصه (4)؛ فما لم يُذكرَ مُتَعلّقه لا يَتَحصّل فردٌ من ذلك النَّوع [الّذي](5) هو مدلولُ الحرفِ، لا في العقل ولا في الخارجِ، وإنَّما يتحصّل بالمَنْسُوب إليه، فيتعقّل بتعقّله.

وهكذا الفعل فإنّه وُضِع لنسبةِ الحدثِ إلى أمرٍ مُعيَّن، فما لم يُذكر ذلك الأمرُ لم يُفد.

فإن قلتَ (6): فما الفرقُ حينئذٍ بينه وبين الحرف؟.

قلتُ: لوجهين (7):

الأَوَّل: أنَّ معناه وإنْ لم يتحصَّل إلّا بذكر المتعلِّقِ؛ لكنَّه إذَا تحصَّل ففي نفسهِ بخلاف الحرف؛ فَإنَّه في غيرِه، والثَّاني (8): أنَّه بعد ذِكر مُتعلّقه يصير إسْنادًا تامًّا مُفيدًا (9) بخلافِ الحرف.

(1) في ب: "للمخصوصات".

(2)

في ب: "ما".

(3)

بل يقال: هذا، والمراد: المعين بالإشارة.

(4)

في الأَصل: "ونحو صَهْ" والصَّواب من أ، ب.

(5)

ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل، ب، ومثبت من أ.

(6)

اعتراض توقّع الشّارح توجهه إليه.

(7)

هكذا في الأَصل، ب. وفي أ:"بوجهين". وكلاهما جائز.

(8)

في ب: "الثَّاني"؛ بحذف حرف العطف.

(9)

في أو: "مقيدًا" وهو تصحيف.

ص: 285

وإن (1) قلتَ -أيضًا-: سلَّمنا أَنَّه لا يتحصّل إلّا بالمسند إليه، لكنّه أَعمُّ من أنْ يكون مَذْكورًا أو محذوفًا عند القرينة؟.

قلتُ (2): العللُ النَّحويّةُ تَعْليلاتٌ بَعْد الوقوع ولا تَوجيه للنَّقضِ عليها.

فإن قلتَ: فما تقولُ في فاعل المصدر؛ فإنه جائزُ الحذفِ؟.

قلتُ: لأنَّ المصدرَ وُضِع للنِّسبة المُطْلقة لا المقيّدةِ، والتَّقريبُ ظاهرٌ؛ كيف وبحثُنا في فاعل الفِعل لا مُطلقًا! (3).

وهذه المسألةُ زائدةٌ على "المفتاح"(4).

ثم إنَّه؛ أي: الحذف (5). يترجَّحُ (6)

(1) في أ، ب:"فإن".

(2)

في أ: "قلنا".

(3)

قوله: "فإن قلت: فما تقولُ في فاعل

لا مطلقًا" ساقطٌ من ب.

(4)

وهي: تعليل المصنّف عدم مجئ الحذف في فاعل الفعل" أَمَّا ما تقدّم ذلك من قوله: "فالحذف إنّما يجوز لقرينة حاليّة، ويجي في المسند والمسند إليه

، فغيرُ مرادٍ لأنَّ السَّكَّاكيَّ رحمه الله وإن لم يورد الحديث عنه إجمالًا مُجتمعًا في موضع واحد إلا أنَّه تعرّض له في ثنايا كتابه عند حديثه عن كلِّ مبحث من تلك المباحث على حِدَة.

(5)

مطلقًا؛ أي: في المسند إليه، والمسند، وغيرهما.

(6)

سبقت إشارة المصنِّف رحمه الله أن الحذف يجوز بقرينة حاليّة. ولمّا كان الكلام يقتضي -في أصل وضعه- إثباتَ المسند والمسند إليه وتوابعهما لتوقّف إفادة النِّسبة عليهما. والقرينة تُجوِّز الحذف. ولمّا لم يجز ترجيح أحد الجائزين (الإثبات، الحذف) على الآخر- شرع في بيان المرجِّحات لكلّ منهما؛ فبدأ بالحذف ثمَّ بالإثبات.

ص: 286

لوجُوهٍ (1): الأَوَّل: ضِيق المقَام (2)؛ كجوابِ المشْرف -أي: على الموتِ-: أمُوت؛ حيث يُقال له: كيف أنت؟، إذ الوقت لا يَسع أن يقُول: أنا أموتُ (3). وكعند (4) ملاقاةِ المحبِّ والمحبُوب في مضيق، فيُحذف خوفًا من تنبُّه الرُّقَباء. وكضَرُورة الشِّعْر. وقوله (5):

قَال لِي: كَيْفَ أَنتَ؟ قلتُ: عَلِيلٌ

سَهَرٌ دَائِمٌ، وَحُزْنٌ طَويلُ

يحتملُ الأخيرين لا الأَوَّل (6)؛ كما قال شارحُ "المفتاحِ"(7)؛ لأنَّ المِصْراعَ الأخير يَنْفيه (8).

(1) في الأَصل، أ:"بوجوه". والمثبت من: ب، ف.

(2)

أي: الحال الَّتي وقع الكلام فيها بأن لا يسع الوقت الذّكر. وأسبابه كثيرة؛ منها: الخوف، والضَّجر، وانتهاز فرصة، وإقامةُ وزنٍ، ونحو ذلك.

(3)

بإثبات المسند إليه.

(4)

في الأَصل: "وكما عند". والمثبت من أ، ب.

(5)

البيتُ من الخفيف، مشهور ولا يعلم له قائل، وقد ورد بدون نسبة في دلائل الإعجاز:(238)، والمفتاح:(176)، والإيضاح:(2/ 4)، والتِّبيان:(231)، وهو في معاهد التّنصيص:(1/ 100).

(6)

أي: الحذف خوفًا من تنبُّه الرُّقباء، وضرورة الشِّعر؛ لا ضيق الوقت.

(7)

ينظر: مفتاح المفتاح: (143).

(8)

هذا التَّعليلُ أَورده الكرمانيّ رحمه الله ردًّا على شارح المفتاح. وإيضاحُه: أنّ في مصراع البيت الثَّاني إطناب ومباثّة للشَّكوى؛ وفي ذلك ما يتنافى مع عدم سِعة الوقت -كما هو الحال في جواب المشْرِف-. =

ص: 287

الثَّاني: الاحْتراز عن العَبث (1)؛ نحو: {يُسَبِّحُ (2) لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ} (3)، إذ لو كُرِّر فعلُ التَّسْبِيح (4) لكان عبثًا؛ إذْ هو معلومٌ من الأَوَّل (5).

وفيه؛ [أي](6): في الحذفِ في هذا المثال مَع ذلك؛ مع الاحترازِ

= على أنّ هناك من ردّ هذا الوجه؛ وقال: "المصراع الثَّاني وإن تُصوّر بصورة الإطناب إلا أنّه في حقيقة الأمر إيجازٌ؛ لأنّ المقام مقام مُباثّة للشّكوى، وحديث مع مُحبٍّ؛ وهو خليقٌ بأطنبَ من هذا".

ينظر: شرح الفوائد الغياثيّة لمجهول: (ل 30/ ب، 31/ أ)

(1)

أي: عمّا لا فائدة فيه؛ لأنّ غرض المتكلِّم إفادة المخاطب؛ فمتي كان عارفًا بالقصد لم يكن في ذكره فائدة، وترجّح الحذف.

وقيّده صاحب المفتاح بقوله (ص 176): "بناء على الظّاهر"؛ لأنّ ذكر المسند والمسند إليه -في الحقيقة- ليس عبثًا؛ لكونهما من أجزاء الكلام، وجزء الشَّيء لا يكون مستغنًى عنه. ثم القرينة وإن كانت مغنية عن الذِّكر ظاهرًا لكِن يجوز أن يكون له فائدةٌ ملموسةٌ؛ كالتَّعجّب والتّعظيم وما إلى ذلك.

(2)

على قراءة مَن قرأ بالبناء للمفعول. وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر. وقرأ الباقون بكسر الباء بالبناء للمعلوم.

ينظر: النَّشر في القراءات العشر: (2/ 249).

(3)

سورة النّور من الآيتين: 36، 37.

(4)

فقال: "يسبحه رجال".

(5)

ومن هذا يعلم أنّ المحذوف في الآية الكريمة هو المسند إلى {رِجَالٌ} وقوعه في جواب سؤال مقدَّر، وكأنّه قيل: من يسبحه؟؛ فجاءت الإجابة: {رِجَالٌ} ؛ أي: يُسبّحه رجال.

(6)

ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ. وعليه درج الشّارح.

ص: 288

عن العبث تكثيرُ الفائدةِ بنيابته؛ أي: بنيابة ذلك الكلامِ عن ثلاثِ جُملٍ؛ إحْداها: المذكورةِ (1)، والثَّانية: مَنْ يُسبّح؟ (2). والثَّالثة: يُسبّحُ رجالُ (3)، ولو بَنَاه للفاعلِ لكان جُمْلةً واحدةً. ولا شُبْهة أنَّ الكلامَ متى كان أجمعَ للفوائدِ كان أبلغ، وفوائدُ ثلاثِ جُملٍ أكثرُ من فوائدِ جملةٍ؛ فيكون الكلامُ ببناءِ المفعولِ أبلغ، ويكون؛ عطفٌ على قوله:"بنيابتهِ"، {يُسَبَّحُ لَهُ} و {رِجَالٌ} مقصودَين [بالذِّكر] (4)؛ لأنّهما حينئذٍ من أركان الكَلامِ لا من الفَضَلات؛ وفيه أدنى مُخالفةٍ للمفتاح؛ لأنَّه قال في قوله:"يُكتبُ القرآنُ لي زيدٌ"(5): أنَّ "كُلَّ واحدٍ من لفظي: (القرآن) و (زيد) مقصودٌ إليه في الذِّكرِ غير مستغنىً عنه؛ بخلافِه في التَّركيب الآخر (6)؛ فإن لفظ (القرآن) يُعدُّ فيه فَضْلة"(7). فالموافِق له (8) أن يُقَال: [ويكون المسبّح (له) و (رجال)

(1) وهي قوله: {يُسبَّحُ لَهُ} .

(2)

السّؤال المقدَّر النَّاشيء من بناء الفعل للمفعول.

(3)

الإجابة المترتّبة على السّؤال المقدَّر.

(4)

ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. وأثبت من: ب؛ حيث ورد ضمن كلام الشَّارح. أمَّا في أفإِنَّه ورد ضمن كلام المصنِّف، وليس في ف.

(5)

المفتاح: (227) واختلاف اللّفظ يسير جدًّا.

(6)

أي: بناء الفعل للفاعل؛ (يكتُبُ القرآنَ لي زيدٌ).

(7)

لكونه حينئذٍ مفعولًا به؛ بخلاف التَّركيب الأوَّل؛ فإنّه نائب عن الفاعل. وما ناب عن العمدة فهو عمدة.

(8)

في أ، ب زيادة:"أي المصنّف" والسِّياق تامٌّ بدونها.

ص: 289

مقصودين؛ اللهم إلّا أَنْ يُقال:] (1) المراد من قوله: {يُسَبّحُ لَهُ} لفظة: "له". وفي بعض النُّسخِ لم تُوجد لفظة: "يسبّح"، لكنَّ المقروء على المصنِّف هو المشْرُوحُ.

وبذكرِ الشَّيءِ عطفٌ على [قوله](2)"بنيابته" مُجْمَلًا ثُمَّ مفصَّلًا؛ وهو (3) أوقعُ في النَّفسِ؛ لتكرار (4) الإسناد (5)، وأَنَّهُ (6) إذا ورد (7) عليها المجْمَل (8) انتقَش فيها واشْتاقت -أيضًا- إلى تفصيله؛ ثمّ إذا ذُكر بعده المُفَصَّل (9) تمكَّن فيها. والمحصُولُ بعد الطَّلبِ أعزُّ من المنساق بلا تَعب (10).

(1) ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأَصل. ومثبت من: أ. وفي ب: "ويكون المسبح له مقصودًا؛ اللهم أن يقال:".

(2)

ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل ومثبت من: أ، ب. وبه يتَّضح المعنى.

(3)

"وهو" ساقط من ب.

(4)

هكذا في الأَصل. وفي أ، ب:"تكرّر".

(5)

وذلك لأنّ إيراد الفعل "يُسبَّح"؛ مبنيًّا للمفعول يقتضي استناد التَّسبيح إلى فاعل ما؛ وهذا هو الإسناد الأَوَّل. وإيراد {رِجَالٌ} مرفوعًا يقتضي وجود فعل يستند إليه؛ وهو {يُسَبِّحُ} المقدَّر؛ وهذا هو الإسناد الثَّاني.

(6)

في أ: "ولأنّه".

(7)

في أ، ب:"أورد".

(8)

يقصد به الإسناد الأوَّل؛ الَّذي لم يُعيِّن فيه الفعل المذكور {يُسَبّحُ} فاعله.

(9)

يقصد به الإسناد الثَّاني؛ الَّذي عيَّن فيه الفعل المحذوف {يُسَبّحُ} فاعله.

(10)

يشعر هذا التَّعقيب بأن الشَّارح يُخالف السَّكَّاكيّ -رحمهما الله- في عدّه =

ص: 290

الثّالث: تَخييلُ (1) التَّعويلِ، أي: الاعتماد على شهادة العقلِ دون اللّفظِ (2)، وكم بَينهما!، لأنَّ الاعتمادَ على شهادةِ العقلِ لو حُذِف، وعلى شهادةِ اللّفظِ لو ذُكر. وكم بين الشَّهاديتن من الفرق!؛ فإنَّ شهادة العقلِ أَقْوى وأدلُّ.

= أنّ من فوائد نحو هذا التَّركيب: أنّ أوّله لما لم يكن مطمعًا في ذكر فاعله كان وروده على السَّامع كمن تيسّر له غنيمة من حيث لا يحتسب بخلاف ما إذا كان الفعل مبنيًّا للفاعل. ينظر: الفتاح: (228).

ويبدو لي: أنّ رأي الكرمانيّ أقرب إلى الصَّواب؛ إذ أنّ بناء الفعل للمفعول -وإن قطع الطرّيق إلى الفاعل- لا يمنع من تطلّع النّفس إلى الفاعل، واستشرافها إلى معرفته، ومتى عرفته أدركت حاجتها، وشفت غلَّتها. يؤكّد هذا ما ذكره السَّكَّاكيُّ نفسه في الفائدة الأولى من أنّ الجملة المبنيّة للمفعول تنوب عن ثلاث جمل؛ ذكر منها: الجملة الدلول عليها بالفاعل؛ (المفتاح: 227) وهي في شاهدنا: من يسبّحه؟ المدلول عليها بـ {رِجَالٌ} ولم يكن لهذا التّساؤل أن ينبت سريعًا -دون غيره- لولا استشراف المخاطب إلى معرفة الفاعل. والله أعلم.

(1)

التخييل: من خال الشَّيء إذا ظنَّه؛ ومنه المثل: "مَن يَسمع يَخَلْ"؛ أي: يظنّ. ينظر: اللِّسان: (خيل): (11/ 226).

"وإنّما قال: "تخييل" لأنّ الدّال حقيقة عند الحذف هو اللّفظ المدلول عليه بالقرينة، وهذه نكتة فلسفيّة أتى بها السَّكَّاكيُّ في أغراضِ الحذف

". بغية الإيضاح. للصّعيديّ: (56).

(2)

قيّده السَّكَّاكيُّ بقوله (المفتاح: 176): "من حيث الظّاهر" لأنَّ شهادة اللَّفظ لا تتمُّ بدون مساعدة العقل.

ص: 291

الرَّابعُ: تَطْهيرُ اللِّسان عَنه (1)؛ لغاية دَناءته وخِسَّته؛ فلا يَليق ذكره باللِّسانِ (2)، ويقرُب منه؛ من تَطْهيرِ اللِّسان، من حيثُ إنَّه لا يَليقُ بالذِّكر الحياءُ من التَّصريح (3)؛ أي: ما يُسْتَحى من التَّصْريح بذِكْره؛ كما قالتْ عائشة -رضِى الله عنها- (4): (مَا رَأَى مِنِّي وَمَا رَأَيْتُ مِنْه)، أي: ما رأى رسُول الله- صلى الله عليه وسلم العورةَ منّي (5)، وما رأيتُ العورةَ منه.

الخامسُ: تَطْهيرُه عن اللِّسان، لغاية شرفهِ وعظمتهِ (6).

(1) في المفتاح (ص 176): "وإما لإيهام أنَّ في تركه تطهيرًا للسان عنه

" وإنّما حذف هنا قيد (الإيهام) بناءً على ظهور حمل التّطهير على الوهم؛ إذ أنّ اللّفظ -في حدّ ذاته- لا يلوّث اللِّسان.

(2)

ومثاله قول الشّاعر:

قومٌ إذا اسْتنبحَ الأَضْيَافَ كَلْبُهم

قَالُوا لأمّهم بُولِي عَلَى النَّارِ

أي: هم قومٌ. فقد حذف المسند إليه تطهيرًا للِّسان عنه، وتنكير "قوم" للتّحقير.

(3)

علَّل طاش كبرى زاده قولَ المصنِّف: "ويقرب منه الحياء من التّصريح" دون قوله: "ومنه

" مع أن كلًّا منهما على اختيار الحذفِ لتلوّث المحذوف بقوله (شرح الفوائد: 43): "إن مدارَ الحياء على الاحترازِ عن الأسماع ومدارَ التَّطهير على الاحتراز عن التَّكلم من غير ملاحظة الأسماع".

(4)

تقدّمت ترجمتها ص (254) من هذا البحث. أمَّا قولها فلم أو جده في كتب الحديث المعتمدة، وأشار إليه شارح الجامع الصّغير في كتابه المسمّى:"التيسير في شرح الجامع الصّغير": (1/ 250). وهو موجود في الطّراز؛ للعلويّ: (3/ 303).

(5)

في ب وردت العبارة هكذا: "ما رأى الرَّسول منّي العورة".

(6)

ومثالُه قول الشّاعر: =

ص: 292

السَّادسُ: إمكانُ الإنكارِ إن احْتيج إليه، كما تقول عند وجودِ القرينة:

يُعْطي ويَمْنعُ لا بُخلًا ولا كَرَمًا.

ولا تذكر المُسْند إليه لتتمكّنَ من الإنكار؛ أي: إن احتجت إليه، وكما قال الصدِّيق [رضي الله عنه] (1) -في جوابِ سُؤالِ الكفّار: مَنْ هَذا؟ - (2): (رَجُلٌ يَهْدِيني السَّبِيلَ)، قريبٌ منه (3).

= أضاءَتْ لهم أحْسابُهم ووجوهُهمْ

دُجى اللَّيل حتَّى نظّم الجزع ثاقِبُه

نجومُ سماءٍ كلَّما انقضَّ كَوْكَبٌ

بَدا كَوْكَبٌ تأوي إليه كَواكِبُه

أي: هم نجوم. فقد حذف المسند إليه تطهيرًا له عن اللِّسان.

(1)

ما بين المعقوفين ساقط من الأَصل. ومثبت من: أ، ب.

والصِّدِّيق هو: أبو بكر؛ عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر التّيميّ القرشيّ؛ لُقّب بالصّدِّيق وبالأوّاه. خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأبو زوجه عائشة أمّ المؤمنين. أوّل الرجال إسلامًا، ولد بعد مولد النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر، وتوفّي سنة 13 للهجرة عن عمر يناهز (63) عامًا.

ينظر في ترجمته: السِّيرة النّبويّة لابن هشام: (1/ 249)، الطّبقات الكبرى لابن سعد:(3/ 169 - 202)، تاريخ الطّبريّ:(3/ 420 - 431).

(2)

صحيح البخاريّ: (5/ 161) وإحدى روايتي ابن سعد في الطبقات: (1/ 235) بتصرّف طفيف. أَمَّا الرِّواية الأخرى (1/ 234) فبلفظ: "هَادٍ يَهْدِيني".

(3)

إنّما قال: "قريبٌ منه" ولم يقل: "منه" لاختلاف بينهما؛ فإنّ الدّاعي إلى الإنكار في الأوَّل ما نشأ عن الحذف؛ وهو عدم التّصريح بالمسند إليه؛ ليتأتى الإنكار -إن احتيج إليه- فيما بعد بالقول: ما عنيت فلانًا بل غيره. أَمَّا الثَّاني فإن الدّاعي إلى =

ص: 293

السّابعُ: تعيُّنُه للخبرِ حقيقةً أو ادِّعاءً؛ أي: يكون المسندُ إليه مُتَعيِّنًا لهذا الخبرِ لا يُشاركه فيه غيرُه، ولا يَصلُح الخبرُ إلَّا له (1). حقيقةً؛ كقولك:"خالق لما يشاء [فاعل لما يريد (2)] (3) "، أو ادّعاءً من المتكلّمِ؛

= الإنكار فيه ما نشأ عن الكناية في قوله: "يهديني السّبيل" فإن ظاهره أنَّه دليل الطّريق، وباطنه أنَّه دليل الخير والرّشاد؛ كما أفصحت عنه روايتا البخاريّ وابن سعد المتقدمتان:"فيَحْسِب الحاسبُ أنَّه إنّما يعني الطّريق، وإنّما يعني سبيل الخبر" والمعنى الثَّاني هو الَّذي يتأتّى به الإنكار إن احتيج إليه.

(1)

قصَر الشّارح رحمه الله الحذفَ في هذا الغرض على المسند إليه، وجعله في بابه دون غيره؛ عندما قال: "أي: يكون المسند إليه متعيّنًا لهذا الخبر

" ويبْدو أنّ السَّبب في ذلك فهمه للخبر في قول المصنِّف: "تعينه للخبر" على أنّ المراد به الخبر النّحويّ "خبر المبتدأ".

وأُرجِّح ما ذهب إليه طاش كبرى زاده في شرحه للفوائد: (42) من "أنَّه أراد بالخبر: معني الإخبار الحاصل من الإسناد لا خبر المبتدأ؛ إذ المصنِّف عمّم الكلام للمسند والمسند إليه معًا؛ فالمراد بالمحذوف ما يعمّهما"، والله أعلم.

(2)

فإنَّ هذين الخبرين لا يَصلُحان إلا لله سبحانه وتعالى، وكلاهما مُسْتوحى من التَّنزيل الحكيم.

أَمَّا أوّلها فمُسْتقى من قوله تعالى: {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45]، وقوله تعالى:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] وغير ذلك من الآيات الَّتي تضمَّنت مثل هذا المعنى.

أَمَّا ثانيهما فمُسْتقى من قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: من الآية 253]، وقوله:{فَعَّالٌ لِمَّا يُرِيدُ} [البروج: الآية 116] وغير ذلك من الآيات الَّتي تضمنت مثل هذا المعنى.

(3)

ما بين المعقوفين غير موجود في الأَصل، ب. ومثبت من: أ.

ص: 294

كقولِ الشَّاعرِ -في حقِّ ممدوحِه- (1):

الوَاهِبُ المائةَ الهِجانَ وعبدَها

عوذًا تُزَجِّي خَلفَها أَطْفالها

الثَّامنُ: اتباعُ الاستعمالِ (2)؛ فإنَّه إِذا كان الاستعمالُ واردًا على الحذفِ منه (3) أو من أمثاله ونظائِره (4) -كما قال في "المفتاح"(5) -، وقامت القرينةُ لا بُدَّ من حذفه؛ كما في (6):(نِعم الرَّجلُ زيدٌ!)، على قول من يرى أصل (7) الكلامِ:"نِعمَ الرَّجلُ هو زيدٌ"(8)،

(1) البيت من الكامل، وقائله أعشى قيس؛ قاله يمدح قيس بن معدي يكرب، وهو في ديوانه:(152). طبعة دار صادر.

(2)

أي: الاستعمال الجاري عند العرب في كلامهم.

(3)

يقصد به: السّماعيّ.

(4)

يقصد به: القياسيّ.

(5)

ينظر ص: (176).

(6)

هكذا ورد قوله: "كما في "ضمن كلام المصنِّف في الأَصل، ف. وورد في: أ، ب، ضمن كلام الشّارح، وزِيدَ بعده كلمة:"نحو" مُوردةً ضمن كلام المصنِّف.

(7)

كلمة: "أصل" ساقط من ب.

(8)

يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه لَمّا قيل: نعم الرَّجل!، سئل: من هو؟ فقيل: زيدٌ؛ أي: هو زيد. فحذف المسند إليه، وينقاس على هذا القول نظائره.

بخلاف من يرى أنّ أصل الكلام جعل المخصوص مبتدأَ خبره ما تقدّمه من الجملة؛ كأنّ الأَصل: زيد نعم الرَّجل، فإنَّه لا حذف فيه. وإنّما فيه تقديم وتأخير.

ينظر: إعراب مخصوص نعم وبئس في: الأصول في النَّحو؛ لابن السّراج: (1/ 112)، المفصّل:(362 - 363)، أوضح المسالك:(3/ 251)، شرح الأشمونيّ =

ص: 295

وكما في: "ضرب زيدًا قائمًا"؛ فإن التَّقديرَ -على الأصحِّ-: "ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا"(1)، وكما في قولهم (2):(سُقيا)؛ إذ التَّقدر: "سقاك الله سُقيا"، وكذا:(عجبًا)، إذ التَّقدير:"عجبتُ عجبًا"(3)، وكما في قولها (4):"إلا حَظَّةٌ فلا أَليَّةٌ"؛ حَظِيَّةٌ: فَعِيلة من حظيت المرأةُ عند زَوْجها حُظِوة (5). وأَليّةٌ: فعيلة من الأَلْو؛ وهو التَّقْصِير؛ بمعني فاعله؛ أي: إن لا يكن لك في النِّساءِ حَظيّة؛ لأنَّ طبعك لا يُلائم طبعهنّ -فإنّي غيرُ مُقَصِّرةٍ،

=: (2/ 378 - 379).

(1)

وعليه يكون المحذوف خبر المصدر وهو: "حاصل" لقيام غيره مقامه، ثمَّ حذف:"إذا كان" لقيام الحال مقام الظّرف. كما نصّ عيه أكثر المحقّقين من أهل البصرة. وإنّما قال: "على الأصحِّ" تبعًا لاختلاف النّحويين في هذه المسألة وسلوكهم تقديرات شتّى؛ منها: "ضربي زيدًا أضربه قائمًا"، ومنها:"ضربي زيدًا قائمًا حاصل"، ولمزيد من البيان ينظر: حذف الخبر في المصادر التّالية: المفصّل: (46)، أوضح المسالك:(1/ 204).

(2)

في أ: "قوله".

(3)

وهذان المثالان: "سقيًا"، "عجبًا" حذف المسند فيهما حذفًا سماعيًّا.

(4)

المثل في: الأمثال؛ لأبي عبيد: (157)، جمهرة الأمثال؛ للعسكري:(1/ 59)، مجمع الأمثال؛ للميداني:(1/ 30)، فصل المقام في شرح كتاب الأمثال؛ للبكري:(137)، المستقصى في أمثال العرب؛ للزّمخشري:(1/ 373)، اللِّسان: مادة (إلَّا). والشّاهد فيه: حذف المسند من الشرط، والمسند إليه من الجزاء؛ اتباعًا للاستعمال. وأصل الكلام:"إن لا يكن لك حظيّةٌ فإنِّي لا أليّةٌ".

ويُروى المثلُ بالنَّصب: "إلا حظيةً فلا أَليّة" على تقدير: "إن لا أكن حظيّةً فأنا لا أكون مقصِّرة"؛ فيكونان خبرين لـ "كان" المحذوفة.

(5)

بضم الحاء وكسرها. والْحُظِوةُ: المكانة والمنزلة. اللِّسان: (حظا): (14/ 185).

ص: 296

و (كان) هي (1) تامَّة.

وموردُ المثل: أن رَجلًا كان (2) لا تَحْظَى عنده امرأة، فلمَّا تزوَّج هذه (3) لم تَأْل جهدًا في أن تَحْظى عنده؛ ومع ذلك لم تَحْظ، بلْ طَلَّقها؛ فقالت (4).

ومَضْرِبُه: كلُّ قضيَّةٍ كان الإنسانُ أهلًا لها، مُجْتهدًا فيها، ولكنَّها امتنعت عليه لعارضٍ عرضَ من غير جِهته.

التّاسعُ: اختبارُ السّامعِ هلْ يتنبّه للمحذوفِ مع وجودِ القرائن، واختبارُ قَدْرِ تَنبّهه عند وجودها -أيضًا- (5). يُحكى أنّ واحدًا -من خُلفاء بغداد- (6) ركِب مع واحدٍ من نُدمائهِ في سفينةٍ

(1) في أ: "هذه". وكان الأولى بالسّياق حذفها؛ إذ لا فائدة في إيرادها؛ ضميرًا أو إشارةً.

(2)

في الأَصل زيادة "أي" ولا وجهَ لها.

(3)

في أ: "بهذه".

(4)

أي: قالت الكلام السَّابق الّذي صار مثلًا يضرب.

(5)

مَثَّل بعضُ البلاغيّين المحدثين لأولهما (اختبار تنبّه السّامع)؛ بقوله: "هذا كأنْ يزورك رجلان سبقت لأحدهما صُحبة لك؛ فتقول لمن معك: وفيّ". ولثانيهما (مقدار تنبّهه)؛ بقوله: "هذا كأنْ يزورك رجلان أحدهما أقدم صُحبة من الآخر؛ فتقول لمن معك: جديرٌ بالإحسان تريد الأَقدم صُحبة

" بغية الإيضاح: (1/ 56).

(6)

في أ: "بغداذ" بذال أخيره مُعْجمة، وهو من أسماء بغداد -أيضًا-. ينظر: اللِّسان: (بغدذ): (3/ 478). وفي ب طمس بقدرها.

ص: 297

ذات يومٍ (1)، فبينا هما كذلك إذْ سَأَل من نديمه: أيُّ طعامٍ أشهى عندك، وألذُّ لديك؟، فقال: مُخُّ البيضِ المسلوق (2). فعبرا، حتّى اتَّفَق عودُهما هنالك في العام القَابل. فقال: مع أيْشٍ؟ (3)، فأجاب النّديمُ: مع الملحِ؛ فتعجَّب من استحضارِه، وكمالِ تنبهّهِ وتيقُّظِه؛ فخلع عليه، وقرَّبه من نَفْسه.

العاشرُ: تَكثير الفائدة باحْتمال الأمرين (4)؛ من حَمل المذكُور تارةً على

(1) العبارة في أ، ب هكذا: "يُحكى

بغداد مع واحد من ندمائه ركبا في السّفينة

".

(2)

مُخُّ كلِّ شيءٍ: خالصُه. اللِّسان: (مخخ): (3/ 252). وأَراد به هنا: صفار البيض.

(3)

كذا في الأَصل، أ. وفي ب:"أي شيء؟ ". وهذا هو أصل الكلمة لكن حذفت الياء الأخيرة وسكنت الوسطى وأُدغمت الكلمتان فصارتا كلمة واحدة. والكلمة في استعمالها الجديد مقيسة؛ فقد استعملها ابن مالك إذْ قال (الاعتماد في نظائر الظّاء والفاء: 34): "ولعلّ قائلًا يقول: المراد من هذا أيشٍ"؛ بل إنَّها وردت في زمن الاحتجاج على لسان الكميت بن زيد في قوله (المسائل البصريّات؛ لأبي علي الفارسيّ: 1/ 393): "أيشٍ تقول".

ولمزيدٍ من الإيضاح حول هذه الكلمة؛ أصلها، تطوراتها، خلاف العلماء فيها -تراجع رسالة (الماجستير) المعنونة بـ "شهاب الدّين الخفاجي وجهوده في اللُّغة" للباحث عبد الرَّزَّاق بن فرّاج الصّاعدي ص:(255).

(4)

هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب زيد بعد هذا -ضمن كلام المصنِّف-: "ومنه".

"وإنّما عدّ احتمال الأمرين تَكْثيرًا للفائدة؛ لأنّ نفس السّامع تذهب كل مذهب ممكن، وتقدّر كلّ أمرٍ مناسبٍ.

ص: 298

ترك مُسنده، وحمله أخرى على تَرك المسند إِليه؛ كما في الآيتين؛ نحو (1) قوله -تعالى- (2):{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} (3)، و {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} (4) لحملهما (5) تارةً على:"فصبرٌ جميلٌ أجملُ"، و "طاعةٌ معروفةٌ أَمْثل"(6)، وحملهما أُخرى على:"فأمري صَبْرٌ جميل"، و"طاعتُكم طاعةٌ معروفةٌ"(7) بالقولِ دون الفعل والنِّيَّة.

الحادي عَشَر: أن يقصدَ بحذفِ المفعولِ تعميمَ الفعل؛ احْترازًا عن أنْ يَقْصر (8) السَّامعُ الفِعل على المفعُول المذكور لو ذُكر؛ كقولك: "فلانٌ يُعْطي ويَمْنع"؛ فإنَّه أعمُّ تناولًا من قولك: يُعْطي الدِّرهم (9)، ويَمْنَعه (10).

(1) هكذا -أيضًا- في ف .. وفي ب: "أي".

(2)

كلمتا: "قوله تعالى" وردت ضمن كلام الشّارح في: أ.

(3)

سورة يوسف: من الآيتين 18 و 83.

(4)

سورة النّور: من الآية 53.

(5)

في الأَصل: "تحملها". وفي ب طمس بقدرها. والمثبت من: أ؛ وهو المناسب للمعطوف الوارد عَقِب ذلك؛ وهو قوله: "وحملها أخرى".

(6)

فيكون المحذوف -في كلا المثالين- هو المُسْند.

(7)

فيكون المحذوف -في كلا المثالين- هو المسند إليه.

(8)

في الأَصل: "يقتصر"، والصّواب من: أ، ب.

(9)

في ب: "الدَّراهم"؛ بالجمع؛ وهو تحريف بالزّيادة؛ يَدلُّ عليه قوله عقب ذلك مباشرة: "ويمنعه" لدلالته على الإفراد.

(10)

وفي بيان بلاغة الحذف في هذا الغرض يقول السَّكَّاكيّ (المفتاح: 228): "وأنّه أحد أنواع سحر الكلام؛ حيث يتوصّل بتقليل اللَّفظ إلى تكثير المعنى".

ص: 299

أو إطلاقَه؛ أي (1): يقصد به الإطلاق، ونفس الفعل، بتنزيل المتعدِّي منزلةَ اللّازم ذهابًا في:"فلانٌ يُعطي" إلى معنى: أنَّه يفعلُ الإعطاء، ويُوجد هذه الحقيقة إيهامًا للمُبالغة (2). والغالبُ أنَّ الأَوَّل يُستعمل (3) في النَّفي، والثَّاني في الإثبات؛ كما في الآيتين قال (4) -تعالى-:{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)} (5)، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (6).

الثَّاني عَشَر: رعايةُ فواصل الآي؛ أي: أواخر الآيات. والفواصل لعلّها أُخِذت من قوله -تعالى-: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (7). نحو: {مَا

(1) في ب زيادة: "أَوْ" والسِّياق تامٌّ بدونها.

(2)

والفرْق بين التّعميم والإطلاق: أنّ الأوَّل حذف للمفعول باعتبار تعلّق الفعل به دون غيره، وأمّا الثَّاني فحذفٌ للمفعول من غير ملاحظة تعلّق الفعل به.

(3)

في الأَصل: "مُستعمل". والمثبت من: أ، ب. وهو الأَولى، لأنّ الفعل المضارع يدلّ على الحدوث والتّجدّد بخلاف الاسم فإنَّه يدلُّ على الثُّبوت والدَّوام.

(4)

هكذا في الأَصل. وفي أ، ب زيد لفظ الجلالة مُورَدًا ضمن كلام الشَّارح.

(5)

سورة البقرة: من الآية 17.

والمراد أنّهم لا يبصرون ما حولهم. فحذف مفعوله لئلّا يقصر السّامع الفعل عليه، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيجعلهم لا يبصرون شيئًا.

(6)

سورة النّحل: من الآية 67.

والمراد يتّصفون بالعقل مطلَقًا من غير ملاحظة متعلّق للتعقّل.

(7)

سورة فصّلت: من الآيتين: 3، 44.

ص: 300