الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النَّوعُ الثَّاني في الرَّبطِ والتَّعلُّق
(1)، وهو لا يَخْلو إمَّا أن يكونَ بين الجملتين، [أولًا يكون بين الجملتين](2)؛ وحينئذٍ إمّا بين المفردين (3) أو بين مفردٍ وجملة (4).
أَمَّا الثَّاني -وهو: أن لا يكون بين الجملتين- (5)؛ فالتعلُّقُ (6) والرَّبطُ بينهما لا يكون إلَّا بالحَمْل (7) والإسناد، ثمَّ (8) الحملُ قد يكونُ وحده؛ أي: مُجرّدًا؛ كما قال: إمَّا بين المفردين (9) أو مفردٍ وجملةٍ؛ فبالحملِ وحدَه.
أو مؤكَّدًا؛ أي: وقد لا يكون مُجرَّدًا؛ وذلك إمَّا أن يكونَ مؤكَّدًا بالفصل -أي: بضمير الفَصل-؛ نحو: (زيدٌ هو القائِمُ)(10) أو (هو قامَ)؛ أو (هو أحسنُ من بكرٍ) أو (خيرٌ منه).
(1) في أ: "التّعليق". والمراد بالرّبط والتَّعلُّق: اتّصال أحد طرفي الكلام من المحكوم عليه والمحكوم به بالآخر.
(2)
ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ولا بدّ منه لإقامة السِّياق.
(3)
نحو: "زيد منطلق".
(4)
نحو: "زيد أبوه منطلق".
(5)
عبارة: "وحينئذٍ. . . بين الجملتين" ساقطةٌ من ب.
(6)
في أ: "فالتّعليق".
(7)
الحمل هو الحكم بحصول أحد الطّرفين للآخر.
(8)
في ب "و" بالعطف بالواو.
(9)
هكذا -أيضًا- في أ، ف. وفي ب:"مفردين".
(10)
في الأصل: "العالم". والصَّواب من أ، ب، ف. ويدلّ عليه ما بعده.
ويُفيد: أن مَا دخلَ عليه خبرٌ لا صفةٌ؛ ولهذا سُمِّي ضمير الفصل؛ لأنَّه يفصلُ بين كونِه خبرًا وصفةً؛ إذ لا يجوزُ الفصلُ بين الصِّفةِ والموصوفِ.
والحاصلُ: أن ضميرَ الفصلِ ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مطابقٌ للمبتدأ يتوسَّطُ بينه وبين الخبرِ إذا كان معرفةً؛ نحو: (زيدٌ هو القائم)؛ إذ لا يلتبس بأنَّه صفةٌ إذا كان نكرةً؛ نحو: (زيدٌ قائمٌ). أو كانَ فعلًا؛ نحو: (زيدٌ هو قامَ) أو (يقومُ)، أو كان للتَّفضيل؛ إمَّا بصيغةِ أفعل؛ نحو:(زيدٌ هو أحسنُ من بكرٍ)، وإمَّا بِغيرها؛ نحو:(زيدٌ هو خيرٌ منه).
أمَّا في الفعلِ فلأنَّه يُشبه المعرفةَ من حيثُ اللَّفظُ؛ لامتناع دُخولِ اللَّام عليه. ولا يَرِدُ (1): (غلام رجل)؛ لأنَّ الامتناع في الفعل ذاتيٌّ (2)، وفيه عرضيٌّ (3)؛ فلا اعتداد بهِ (4). وأما في صيغة التَّفضيل (5)؛ فلأنَّها تُشبَّه بالمعرفةِ من حيثُ المعنى؛ لأنَّ معنى قولك:(أفضلُ من كذا): الأفضلُ؛ باعتبار أفضليّةٍ (6) معهودةٍ؛ فالتَّعريفُ يمسُّه مَسًّا قويًّا (7).
(1) في ب: "ويرد" وهو خطأ ظاهر.
(2)
أي: امتناع دخول الَّلام على الفعل غير متحقّق أصلًا؛ إذ لا يجوز دخولها مطلقًا.
(3)
لأن امتناع دخول الّلام على (غلام) عارض للإضافة؛ إذ لا يجوز الجمع بينهما.
(4)
في ب: "فيه".
(5)
في الأصل: "التَّفضيليّ". والصَّواب من أ، ب.
(6)
في الأصل: "أفضليّته" وهو تحريف بالزِّيادة. والصَّواب من أ، ب.
(7)
في الأصل: "قربا" وفيه تصحيف وتحريف. والصَّواب من أ، ب.
وقد (1) يُقصدُ به (2) الحَصْرُ في المبتدأ وتخصيصهِ به، وفيه نوعُ مخالفةٍ لما (3) في "المفتاح"، لأنَّه قال (4):"وأمَّا الحالةُ الَّتي تقتضي الفصلَ فهي: إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسند إليه"؛ وهو يدلُّ على أنَّه كُلَّما أورد ضميرَ الفصل قصد به الحصرَ والتَّخصيصَ. وعبارةُ الأستاذِ أسدُّ (5)؛ لعدم وُجوبِ (6) كونهِ للحصرِ (7).
(1)"قد" -هنا- للتقليل.
(2)
"به" ساقطة من ب، والضمير في "به" عائدٌ إلى ضمير الفصل.
(3)
في أزيادة: "قال"، والسِّياق لا يستدعيها وبخاصَّة مع ورودها فيما بعد.
(4)
"المفتاح": (191).
(5)
أي: أَصْوب. ينظر: اللِّسان: (سدد): (3/ 207، 208).
(6)
في الأصل: "وجود" وهو تحريف. والصَّواب من: أ، ب.
(7)
ردَّ طاش كبرى زاده قولَ الكرمانيّ: "وفيه نوع مخالفة لما في المفتاح. . ." وقال (شرح الفوائد / 115): "وأقول لا دلالة في المفتاح على هذا الوجوب؛ بل فيه ما يدلّ على خلافه؛ حيث قال: (وأمّا الحالة الّتي تقتضي الفصل إذا كان المراد التّخصيص) إذ لا يلزم من إيراد الضمير عند إرادة الحصر أن لا ينفك عن الحصر؛ كما لا لجزم من تقديم المسند إليه عند إرادة الحصر أن لا يفيد التَّقديم غير ذلك.
وإنّما لم يذكر السَّكَّاكيّ إفادة الضّمير الفصل بين الخبر والنعت لكونه مذكورًا في علم النّحو، وإن أمكن البحث عنه في المعاني على قياس ما مرّ في أسماء الإشارة أو لكون اسمه منبئًا عن إفادة الفصل فلا حاجة لذكره".
وفي نظري أن هذا الرأي هو الأرجح؛ إذ لا ينتظر من السَّكَّاكيّ -مع موفور علمه ودقة فهمه- أن يقصر ضمير الفصل على الحصر؛ وبخاصّة أنّ الحصر بالضّمير لا يرد=
أو داخلًا عليهِ فعلٌ؛ عطفٌ على قوله: "مؤكدًا"(1)؛ أي: أو لا يكون (2) مؤكَّدًا. وحينئذٍ إمَّا أن يكونَ داخلًا عليه فعلٌ؛ وهو إمَّا أن (3) يفيد حالًا للحكم؛ من دوام، أو حدوثٍ (4)، أو انتقالٍ إليه عن غيره، أو نفيٍ؛ نحو:"لا زال"(5)؛ مثال للدَّوامِ، و"كان" للحدُوثِ. و"صارَ" للانتقال، و"ليس" للنَّفي، أو قُربٍ؛ عطفٌ على دوامٍ؛ وذلك القُربُ والدُّنوُّ للخبر [إمَّا] (6) رجاءً؛ نحو:(عسى)، أو حُصُولًا؛ نحو (7)(كاد).
أو لاعتقادك (8)؛ عطفٌ على قوله: "للحكم"؛ أي: أو يفيدُ
= إلَّا نادرًا وفي النَّزر اليسير من الأحوال. ثم كيف لنا أن نجمع بين ما أورده في قسم النّحو ص: (115) ممّا يدل على أنّ ضمير الفصل يؤتى به للفصل بين الخبر والنّعت وبين ما أورده هنا من إفادة الحصر؛ إن قصر عليه؟!. وكلا القولين في كتاب واحد!.
(1)
فيكون المعنى: الرّبط بين المفردين أو بين الفرد والجملة، إمّا أن يكون بالحمل مجردًا، أولًا؛ فإن لم يكن مجردًا؛ فإمّا بالحمل مؤكّدًا بضمير الفصل، أو بالحمل داخلًا عليه فعل.
(2)
في الأصل: "يكون". والصَّواب من أ، ب.
(3)
" أن" ساقطة من: أ.
(4)
في الأصل: "حَدَث". والمثبت من أ، ب، ف.
(5)
في أ: "ما زال".
(6)
ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(7)
في أ، ب وردت كلمة:"نحو" ضمن كلام المصنِّفِ، وليست في ف.
(8)
ويلحظ أنّه أعاد حرف الجرّ مع صحّة العطف بدون إعادته؛ لئلّا يتوهّم كونه =
حالًا، لاعتقادك لي [أي للحكم](1)؛ من قُوَّةٍ أَوْ ضعفٍ (2)، نحو (علمتُ)؛ مثالٌ للقوّة، و (ظننتُ) للضَّعف.
أو حرفٌ، عطفٌ على "فعل"، أي: أو أن يكونَ داخلًا عليه حرفٌ يُفيدُ حالًا للحكم، وهو لا يفيد حالًا للاعتقاد بالاستقراء من كونه، أي: الحكم محقّقًا، كـ (إنّ) - بالكسر، أو مُشارًا إليه كـ (أَن) - بالفتح، أو مُشبَّهًا كـ (كأنّ)، أو مرجوًّا كـ (لعلّ)، أو متمنًّى (3) كـ (ليت)، وهنا (4) في بعض النُّسخ. أو منفيًّا [بلا عموم](5) كـ (ما)، ولا المشبَّهتين بليس أو مع عمومٍ، أي: منفيًّا مع عموم كـ (لا) الجنسيّة؛ أي: كـ (لا) الَّتي لنفي الجنسِ، فإنّها تُفيدُ النَّفيَ والتَّعميمَ كليهما (6).
= معطوفًا على "دوام".
(1)
ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من أ، وعليه درج الشَّارح.
(2)
جملة: "من قوّة أو ضعفٍ" وردت ضمن كلام الشَّارح في الأصل.
(3)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "متمنيًّا".
(4)
في ب: "وهذه". والمشار إليه باسم الإشارة هو ما وردَ في آخر عبارة المصنّف؛ من كون الحكم متمنًّى. وإنَّما أُهمل ذكره في بعض النُّسخ لأنّ بحث المصنّف الآن في الخبر، وما دخله التَّمنّي ليس بخبر بل إنشاء.
(5)
ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ف، ومثبت من أ، ب. ويدلّ عليه قوله بعدَه:"أو مع عموم".
(6)
في أ: "كلاهما"، خلافًا للمشهور عند العرب؛ حيث جعل المثنّى وما أُلحق به بالألف مطلقًا: رفعا، ونصبًا، وجرًّا، وهي لغة كنانة، وبني الحارث، وبني العنبر، وبني هجيم، وبطون من ربيعة، وزبيد، وخثعم، وهمدان، وعذرة.
وهذه المباحثُ مِمَّا زادها (1) على "المفتاح"، ولا بُدَّ منها.
وإمّا (2) بَينَ غيرهما؛ أي: وإمّا الأَوَّل -وهو (3) ما يكونُ بين غيرِ القسمين-، أي: المفردين أو المفرد والجُملة؛ كجُملتين أُخرِجتا بإدخالِ حرف (4) الشّرطِ أو التَّرديد؛ أي: حرفِ التَّرديدِ عليهما. عن الحمَليَّة (5)؛ فبالشَّرطِ؛ أي: فالرَّبطُ بينهما بالشَّرْط أو بالتَّردِيد (6) - كمَا سيأتِي-، لأن الرَّبطَ الحمليَّ لا يُمكَن بينَ (7) النِّسْبتين؛ فهو إِمَّا بالاتّصالِ أو بالانفصال.
مثالُ حرفِ الشّرطِ: (إن كانت الشّمسُ طالعة فالنّهارُ موجودٌ).
(1) في أ، ب:"زاد". والزّائد هو المصنِّف المدلول عليه بالسِّياق.
(2)
أي: الرّبط.
(3)
في أ: "فهو".
(4)
كان الأَولى بالمصنِّف رحمه الله أن يقول: "أداة" لتعمّ الأسماء المتضمّنة معنى الشّرط؛ نحو: (إذا)، و (ما). واعتذر أحد الشرّاح عن المصنّف رحمه الله بأنّ مرادَه بالحرف الكلمة بقرينة قوله بعد هذا:"فالشّرط أدواته".
وقال: "كثيرًا ما يجيء الحرف بمعناها (أي: الكلمة) يقولون: حروف التّهجّي للأسماء الّتي يعبّر بها عن الحروف المبسوطة".
ينظر: شرح الفوائد الغياثية. مجهول المؤلّف: (ل: 94).
(5)
هكذا -بالحاء المهملة- في الأصل، ب. وفي ف: بالجيم. وفي أ: أشار النّاسخ إلى كليهما بوضع رأس حاء صغيرة تحت الجيم. وسيأتي التّصريح بوردهما عن المصنّف، وتوجيه كلّ منهما.
(6)
في ب: "التّرديد" بحذف الباء.
(7)
في ب: "في ".
ومثالُ حرف التَّرديدِ: (العددُ إمّا أن يكونَ زوجًا أو فردًا)، وأنَّهما (1) أُخرجتا بهما (2) عن الحَمْليّة؛ ولهذا لا يحتملان الصِّدْقَ والكذبَ.
والحمليّةُ -بالحاءِ المهملةِ-، وهي المناسبُ لقوله:"فبالحملِ"، وبالجيم؛ وهو الملائمُ (3) لاصطلاحاتِ الفنِّ [-كما سيأتي- و](4) كلٌّ منهما قرئ على الأستاذِ (5).
وأدواتُه -أي: الشّرط-: (إنْ) للاستقبال مع عدمِ الجزمِ بوقوع الشَّرطِ ولا وقوعِه، كما يقولُ القائلُ:(إنْ تكرمني أُكرمك)؛ وهو لا يَعلم أتكرمه أم (6) لا.
وقد يكون؛ أي: عدم (7) الجزمِ لجهل المخاطب، أي: استعمال "إِنْ"
(1) في أ: "فانهما". والمراد الجملتين.
(2)
أي: بالشّرط والتّرديد.
(3)
في ب: "يلائم".
(4)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب.
(5)
أي: الحملية والجملية؛ أمّا الأُولى فقد تقدّم توجيه الكلام عليها ضمن كلام الشَّارح.
وأمّا الثَّانية (الجمليّة)؛ فلأنّ الربط بالشّرط أو التّرديد يخرج الجملتين عن الجمليّة؛ إذ الشّرط يحكم بسببيّة الأُولى للثّانية، والتّرديد يحكم بمنافاة الأُولى للثّانية. وبالتالي يخرجان عن ما تستلزمه الجملة من احتمال الصّدق والكذب. ويصيران في حكم المفردين وتصير الجملة مجموعهما.
(6)
في أ، ب:"أو".
(7)
في الأصل: "عند" والمثبت من أ، ب. وهو الأَولى؛ لأنّ مرادَ المصنِّف إخراج الكلام على خلاف مقتضى ظاهره؛ ليجيء للدلالة على عدم جزم المخاطبَ به.
أمّا لفظة "عند" فوجه قبولها ضعيف؛ يتحقّق بصرف الجزم إلى المتكلّم؛ والسِّياق فيما بعد بخلافه.
في مقامِ الجزمِ يكونُ لنكتة، وهي إمّا:
لجهلِ المخاطبِ به (1) وعدم جزمه [به](2)؛ كما تقولُ لمن يكذِّبُك فيما أنت تُخْبره: (إن صدقتُ فقل لي ماذا تَعمل؟)(3).
أو تجهيلِه، أي: تَنْزيلِ المخاطبِ العالمِ ممنزلةَ الجاهلِ؛ لعدم جريِه على مُوجبِ العلم؛ كما تقولُ لابنٍ لا يُراعي حقّ أبيهِ: (إنْ كانَ أباكَ فلا تؤذه)؛ فإنَّ الابنَ لَمّا لم يراعِ حقَّ أبيهِ فكأنّه جاهلٌ به.
أَو للتَّجاهلِ (4)، كتجاهلِ الغُلامِ في جواب من يَسْألُه (5) عن سيّده: أهو في الدّار؟؛ وهو يعلمُ أنّه فيها: (إذْ كان فيها أخبره بأنك على الباب)(6).
فيُغلِّب المسْتقبلُ لفظًا إلا لنكتةٍ، أي: لعدمِ الجزمِ بتحقُّقِ الجزاءِ؛ الّذي عُلِّق بالشَّرط، الَّذي عُدم الجزم -أيضًا- فيه (7) يُغلّب
(1) أي: بوقوع الشَّرط ولا وقوعه.
(2)
ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(3)
وعليه؛ فإنّ المتكلّم لا يبنى كلامه على اعتقاده الَّذي يجزم به، وإنّما على اعتقاد المخاطب.
(4)
في أ: "التَّجاهل". والمرادُ به: إظهار المتكلّم الجهل بالشَّيء مع أنّه عالم به لاستدعاء المقام إيّاه.
(5)
في أ: "يسال".
(6)
وبهذا سَتر على سيّده فلم يكشف عنه بقوله: "نعم"، ونجا من الكذب فلم يقع فيه بقوله:"لا".
(7)
في الأصل: "فيه- أيضًا". والمثبت من: أ، ب. وهو الأَولى.
المستقبلُ لفظًا (1). وقلّما يُتركُ في بليغ الكلامِ إلى الماضي المؤذنِ بالتّحقّق (2) نظرًا إلى لفظه- من غير نكتةٍ؛ نحو: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} (3) إشارة إلى تحقُّقِ المودّةِ بدون الشّرَط؛ إذ القياس أن يقُولَ (4): "ويودّوا".
قال في "المفتاح"(5): "تركَ (يودّوا) إلى لفظ (6) الماضي؛ إذ لم تكنْ تحتمل ودادتهم -لكفرهم- من الشُّبهةِ ما كان يحتملها كونهم: إن يثقفوهم أعداءً لهم وباسطي الأيدي والألسنِ إليهم للقتل والشَّتْم".
وقال في "الكشّاف"(7): "فإن قُلتَ: كيفَ أوردَ جوابَ الشّرطِ مُضارعًا مثله، ثم قال:{وَوَدُّوا} (8) بلفظِ الماضي؟، قلتُ: الماضي
(1) لأن المستقبل لم يقع بعد؛ فلم يُؤذن بالتَّحقق بخلاف الماضي. وإنّما قال "لفظًا"؛ لأن (إن) تجعل الفعل بعدها مستقبليّ المعنى دائمًا، وإن ورد بصيغة الماضي؛ لما تقدَّم من أنّ (إن) للاستقبال.
(2)
في الأصل: "بالتّحقيق". والمثبت من: أ، ب.
(3)
سورة الممتحنة، الآية:2.
(4)
في أ: "يقال".
(5)
ص: (240).
(6)
هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ: "لفظة".
(7)
(4/ 512).
(8)
في ب: "ودّوا" وهو تحريف بالنّقص.
وإنْ كانَ يجري في بابِ الشّرط مجرى المضارِع في علم الإعرابِ فإن فيه نكتةً؛ كأنَّه قيل: ودُّوا قبلَ كلِّ شيء كفرَكُم وارتدادَكُم؛ يعني (1): أنهم يُريدونَ أن يلحِقوا بكم مضارَّ الدُّنيا والدِّين جميعًا؛ من قتلِ الأَنْفس، وتمزيق الأعراضِ، وردِّكم كفّارًا. وردُّكم كفّارًا أسبقُ المضارِّ عندهم، وأوَّلُها، لعلمهم: أن الدِّين أعزُّ عليكم من أرواحِكُم، لأنكم بذّالُون لها دونه. والعدوُّ أهمُّ (2) شيءٍ عنده أن يقصدَ أعزَّ شيءٍ عندَ صاحبه".
وقال في "الإيضاح": وفي كونِه من هذا البابِ "نظرٌ؛ لأن ودادَتَهم أن يرتدّوا كفّارًا حَاصِلةٌ وإن لم يظفروا بهم، فلا يكونُ في تقييدها بالشّرط فائدةٌ"(3).
و (إذا) له؛ أي: للاستقبالِ، مع الجزم والقطع بوقوع الشَّرط، ولو ادّعاء؛ أي: الجزم به إمَّا تحقيقًا؛ كما [إذا](4) قلتَ: (إذا طَلعتِ الشّمسُ فإنّي أفعلُ كذا)، أو ادّعاءً؛ كما إذا قُلتَ:(إذا جاء محبِّي فإني أفعلُ كذا)، فإنَّ مجيءَ المحبِّ ليس قطعيًّا تحقيقيًا، بل ظنيًّا وادّعاءً؛ فإنَّ المحبّ لمن يهواه زوَّار. فيغلّب الماضي لفظًا لكونِ الماضى أقربُ إلى القطع من المستقبلِ -في الجملةِ- نظرًا إلى اللّفظِ.
(1) هكذا -أيضًا- في الكشّاف. وفي أ، ب:"بمعنى".
(2)
في ب: "أتم" وهو تحريف.
(3)
ينظر: الايضاح: (2/ 124).
(4)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب. وبه يستقيم السِّياق، كما هو الحال في القسم المقابل القادم.
ونحو: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (1) بلفظِ: "إِنْ" مع المرتابين دُون "إِذا" مع أنّه القياسُ؛ إشارةً إلى أنَّه (2) ليس من شأنه أن يتحقق (3)؛ لاشتمالِ المقام على ما يقلعُ الرِّيبة عن أصلها؛ وهو قدرةُ اللهِ والدَّلائلُ الدّالةُ على البَعثِ والتَّنزيل. أو للتَّغليب (4)؛ عطفٌ على قوله: "إشارةً"؛ أي: أو لفظ: (إنْ) مع المُرتابين (5) يكونُ لتغليبِ غير المرتابين -ممّن خُوطبوا- على مُرتابيهم (6).
(1) سورة البقرة، من الآية:23.
(2)
أي: الإرتياب.
(3)
في أزيادة: "الارتياب"، وبها يخرج الكلام عن الفصاحة لعود الضّمير قبلها عليها وهي متأخّرة لفظًا ورتبة. اللهمّ إلّا إذا قدّم قبلها (أي) التّفسيريّة. وعلى مثلها درج الشَّارح رحمه الله.
(4)
والتّغليب: ترجيح أحدِ المعلومين على الآخر وإطلاقُ لفظهِ عليهما. التّبيان في البيان: (428).
(5)
قوله: "يكون
…
المرتابين" ساقط من ب.
(6)
وهنا يرد إشكال؛ وهو أنّ التّغليب جمع بين مرتاب يقينًا وغير مرتاب يقينًا.
وعلى كلا التَّغليبين لا يصحّ استعمال (إن)؛ وإن الشّرط لا يخلو إمّا قطعيّ الوقوع، أو قطعيّ عدم الوقوع.
فإن قيل: إنّ التّغليب ينزلهما بمنزلة بين المنزلتين؛ بحيث لا يقطع بارتيابهم ولا بعدم ارتيابهم.
قلنا: إن سلوك ذلك ليس من التّغليب في شيء.
فإن قيل: الشّرط إنَّما هو وقوع الارتياب في المستقبل؛ وهو محتمل الوجود والعدم.
قلنا: المعنى ظاهر في أن الارتياب ليس حاصلًا مستقبلًا؛ ولهذا زعم الكوفيّون وكثيرٌ من النّحاة أن (إن) هنا بمعنى (إذا)، واستدلّوا على ذلك بأنَّه متى أريد إبقاء معنى =
كـ {إلا إِبْليسَ} ؛ أي: كالتّغليب الَّذي في قوله -تعالى-: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إلا إِبْلِيسَ} (1)؛ فإنّ إبليسَ (2) عُدّ من الملائكة؛ مع أنَّه كان من الجنِّ تغليبًا؛ وإن حملَ الاستثناء على المتّصلِ (3) هو الأَصل. و (للذُّكور)؛ أي: وكالتّغليبِ الَّذي يكونُ للذّكور على الإناثِ، كقوله -تعالى-:{وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (4).
و (العُقلاء)؛ أي: وكالتَّغليب الَّذي [يكون](5) للعقلاءِ على غيرهم؛ كقوله -تعالى-: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ
= الماضي مع (إن) جعل الشّرط لفظ (كان) نحو قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} .
فلم يبق إلّا أن يجعل من تغليب من يشك في ارتيابه كالمنافقين على غيرهم. أو أن يجعل من تغليب غير المرتابين على المرتابين. فصار الشّرط -بعد التغليب- قطعيّ الانتفاء فاستعمل (إن) فيه على سبيل الفرض والتّبكيت. وفي الوجه الأخير ما فيه من التكلّف.
ينظر: المطوّل: (158)، شرح الإيضاح للدكتور عبد المنعم خفاجي:(2/ 120)، بغية الإيضاح للشيخ الصّعيدي:(144).
(1)
سورة الحجر، الآية: 30 وبعض الآية 31. وسورة ص من الآية 73 وبعض الآية 74.
(2)
قوله: "فإن إبليس" ساقطٌ من ب.
(3)
في ب: "على التّفصيل" وهو خطأ ظاهر.
(4)
سورة التّحريم، من الآية:12. وكان القياس أن يقال: (من القانتات)؛ لأنَّه الخاصّ بالإناث؛ ولكنّه أجرى الخطاب على صيغة الذكور؛ تغليبًا للذكر على الأنثى.
(5)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبث من أ. وناسب السِّياق إثباته؛ كما هو الحال في التّغليب السّابق.
أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ (1) فِيهِ} (2) خِطابًا شاملًا للعقلاءِ والأنعام، فغُلِّب المخاطبون (3) على الغُيَّبِ (4)؛ ولهذا جئَ بالكاف لا بالهاء (5)، وغُلِّبَ العقلاءُ (6) على غيرهم (7)، ولهذا جيء بالميمِ دون النُّون (8). وكـ (الأبوين)؛ للأب والأمِّ. [و (القمرين)؛ للشّمس والقمرِ](9)، و (العمرين)؛ لأبي بكر وعمر [رضي الله عنهما](10) تغليبًا [لأخفِّ اللّفظين](11).
ولو لم يكنُ الواو في (12) قوله: "كالأبوين" يكونُ هو والقمرين
(1){يَذْرَؤُكُمْ} : يخلقكم. غريب القرآن وتفسيره: (330).
(2)
سورة الشّورى، من الآية:11.
(3)
أي: المدلول عليهم بقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} .
(4)
أي: المدلول عليهم بقوله: {وَمِنَ الأَنْعَامِ} .
(5)
فقال: {يَذْرَؤُكُمْ} ولم يقل: (يذرؤها).
(6)
أي: المدلول عليهم بقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} .
(7)
أي: المدلول عليهم بقوله: {وَمِنَ الأَنْعَامِ} .
(8)
فقال: {يَذْرَوُكُمْ} ولم يقل: (يذرؤهن).
(9)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبتٌ من أ، ب، وسيرد ما يدلّ على وجوده.
وهو -أيضًا- في المفتاح. كما أنّ لفظة "القمرين" واردة في ف.
(10)
ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(11)
ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ب، ومثبتٌ من: أ. وناسب المقام إثباته لما فيه من إيضاح مطلوب.
(12)
في ب: "وفي" وهو تحريف بالزِّيادة.
مِثالين لتغليبِ الذُّكورِ. وينبغي أن لا يكون حينئذٍ لفظة (1) العُمرين فيه (2)، كما ليس في المفتاح، وهكذا في بعض النُّسخ.
اعلمْ: أنَّ في هذه الصَّفحةِ اختلفت (3) النُّسخُ بحسبِ تقديمِ بعضٍ وتأخيره، لكنَّ النُّسخة الصّحيحةَ والموافِقة للمفتاح كما شرحناه.
و (إذا ما) للتَّعميم في الأزمنة؛ فإنَّ (إذا) بمعنى: وقت، و (إذا ما) بمعنى: كلّ وقت، قال في "المفتاح" (4):"لا فرق بين (إذا) و (إذا ما) في باب الشّرطِ من حيثُ المعنى إلا في الإبهامِ في الاستقبال"(5)"وليس فيه (6) ذكرُ التَّعميم، كما ليسَ في "المختصر" (7) ذكرُ الاستقبالِ، اللَّهمَّ إلّا أن يُقال: لفظة قوله: "في الاستقبال" في بحث (متى ما)(8) يتعلّقُ به-
(1) في ب: "لفظ".
(2)
لأنَّه لا يصدق عليه حينئذٍ أن يكون مثالًا لتغليب الذّكور.
(3)
في أ، ب "اختلف" وكلاهما جائز.
(4)
ص: (243).
(5)
مراده أنّ في (إذا ما) إبهامًا في الوقت المستقبليّ، بخلاف (إذا) فمتى قلت لشخص ما:(آتيك إذا طلعت الشَّمس) ولم تأته في أوّل الطّلوع؛ فأنت مخلف للوعد؛ وإن جئت فيما بعد من وقت الطّلوع. أمّا إذا قلت له: (آتيك إذا ما طلعت الشَّمس) ولم تأته في أول الطّلوع فأنت لا تعدّ مخلفًا للوعد وإن تأخّرت فيما بعد من وقت الطّلوع.
(6)
أي: في المفتاح.
(7)
أي: مختصر الإيجي "الفوائد الغياثيّة" الَّذي نحنُ بصدد تحقيق شرحه.
(8)
سيرد مباشرة بعد بحث (إذا ما) وهذا ما جعل الشَّارح رحمه الله يربط في الاستقبال بينهما.
أيضًا، أو يكونُ المراد بالأزمنةِ: الأزمنةَ (1) المتن تدلُّ (إذا) عليها وهي الإستقباليّةُ.
و"متى ما" لتعميمِ الأوقاتِ في الاسْتقبال؛ قال في "المفتاح"(2): و (متى)(3) لتعميم الأوقاتِ في الاستقبالِ؛ أي (4): وقتٍ من الأوقات الاستقباليّة، و (متى ما) أعمُّ منه (5) "؛ أي: كلّ وقت منها (6)؛ فالأَوَّل: التَّعميمُ على سبيل البدلِ، والثَّاني: على سبيلِ الاستغراق؛ ولهذا قال الفقهاء: لا (7) يتكرّرُ الطّلاقُ المعلّقُ على (متى)، ويتكرّرُ في (متى ما)(8).
(1) كلمة (الأزمنة) ساقطة من أ.
(2)
ص: (243).
(3)
"ومتى" ساقطة من ب. وفي أ، سقط منها الواو.
(4)
في أ: "إلى"، وهو تحريف بالزِّيادة.
(5)
في ب: "عنه"، وهو تحريف.
(6)
في الأصل: "منهما"، والصَّواب من أ، ب.
(7)
في الأصل: "لم"، والصَّواب من أ، ب، مصادر القول.
(8)
يوحي قول الشَّارح رحمه الله: "ولهذا قال الفقهاء
…
متى ما" أن الفقهاء مجمعون على الحكيم الذي نصّ عليه، أو على أقل تقدير اتفاق غالبيَتهم عليه، وليس الأمر كذلك؛ إذ إنّ من تعرّض لـ "متى ما" من الفقهاء أدار الحكم معها كما أداره مع "متى" كسائر أدوات الشّرط الأخرى. ولم يتحقق تكرار الطلاق عن فقهاء المذاهب الأربعة بشيء من تلك الأدوات إلَّا مع "كلَّما" فقد نصّ الجميع على تكرار الطلاق معها، ولم يشذّ عن ذلك إلا أبو بكر الحنبلي؛ حيث قال: "في (متى) ما يقتضي تكرارها"، وقوله مرجوح ردّه أهل المذهب قبل غيرهم. ينظر المسألة في: حاشية ابن عابدين: (3/ 352)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدّقائق للزيلعي:(2/ 233، 234)، الخرشي على خليل:(4/ 37)، المجموع =
و "حيثُما" و "أينما" في الأمكنةِ؛ أي: للتّعميمِ في الأمكنة، قال في "المفتاح" (1): و (أين) لتعميمِ الأمكنة، والأحياز (2)؛ أي (3): مكان من الأمكنة؛ و (أينما) أعمّ؛ أي: كلّ مكانَ [كان](4)، و (حيثما) نظيرُ (أينما)(5).
= شرح المهذّب للنوويّ: (18/ 298)، شرح جلال الدّين المحلى على منهاج الطالبين:(3/ 352)، الكافي لموفّق الدّين قدامة المقدسيّ:(4/ 472).
هذا؛ وقد عوّل الشَّارح في قوله المتقدّم على الشّيرازيّ الّذي نقل ما قاله صاحب العزيز في شرح الوجيز حكاية عن أبي الحناطي قائلًا: "وحكى أبو عبد الله الحناطيّ وجهًا غريبًا وهو أنّ (متى ما) تقتضي التكرار مثل (كلّما) دون (متى) ". ينظر: المفتاح للشّيرازيّ: (479).
وقد ساق هذا الوجه النوويّ عن الحناطيّ -أيضًا-، ووجهًا آخر عنه هو أنّ (متى) مثل (متى ما) تقتضي التّكرار. ثم وصف هذين الوجهين بأنهما شاذّين ضعيفين. ينظر: روضة الطالبين: (8/ 128).
ورحم الله الكرماني كيف نسب هذا الوجه -مع غرابته ومناهضته أقوال الفقهاء- إلى الفقهاء؟!.
(1)
ص: (243)؛ بتصرّف بالزِّيادة والنَّقص.
(2)
الأحياز: جمح حيِّز؛ وهو الناحية، وجمعه على أحياز نادرٌ على غير قياس. ينظر: اللِّسان: (حوز): (5/ 342).
(3)
في أ: "إلى"؛ وهو تحريف بالزِّيادة.
(4)
ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل، ومثبت من: أ، ب.
(5)
كلمتا: "نظير أينما" سقطتا من ب.
و "مَن" في العقلاء؛ أي: للتَّعميمِ فيهم؛ نحو قوله -تعالى-: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا} (1).
و"ما" أعمُّ منه؛ أي: للتعيم في العقلاءِ وغيرهم؛ نحو قوله -تعالى-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} (2).
قال في "المفتاح"(3): " (من) لتعميمِ أولي العلم"؛ وهو أعمُّ من العقلِ؛ لأنَّ العلمَ يُطلقُ على الله؛ بخلافِ العقلِ؛ فإنَّه لا يُطلق عليه.
و"مهما" أعمُّ [منه](4)؛ أي: من كلمة (ما)؛ نحو قوله -تعالى-: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا} (5)، وإذا قلنا: أصلُه (ما ما)؛ أي: هي (6) مرّكّبةٌ من (ما) الشّرطيّة، و (ما) الزَّائدة لتأكيدِ معنى الشّرطيّة، وقلبت الألفُ (7) هاءً تخفيفًا؛ لاجتماع
(1) سورة النّساء؛ من الآية: 100. وفي أ؛ استشهد بالآية إلى نهاية قوله تعالى: {وَسَعَةٍ}.
(2)
سورة البقرة، من الآية: 197، ومن 215. وسورة النّساء، من الآية 127.
وجزء الآية المستشهد به، وقول الشَّارح قبله:"نحو قوله" ساقط من أ.
(3)
ص: (243) بتصرفٍ بالزّيادة والنّقص.
(4)
ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ، ف.
(5)
سورة الأعراف؛ من الآية: 132.
(6)
"هي" ساقطة من أ.
(7)
في أ: "ألفها"، والمثبت هو الأَولى؛ دفعًا لما قد يتوهّم أنّ الضمير عائد إلى (ما) الزّائدة المؤكّدة.
المثلين (1)، فظاهرٌ (2)، وإن قُلنا: إنَّه اسمٌ مفردٌ موضوعٌ للعمومِ؛ فكونه أعمّ أظهر؛ نظرًا إلى أن زيادةَ اللَّفظ تدلُّ على زيادة المعنى؛ كالشُّقُنْدُف والشُّقُنْدَاف (3).
و"أي" فيما تُضاف أليه؛ أي: "أيّ"(4) لتعميمِ ما تُضاف إليه من أُولِي العِلْم، نحو:(أيُّ رجلٍ)، وغيرهم كانحو (أيُّ شَجرٍ).
و"أنَّى" في الأحوالِ؛ أي: للتّعميمِ (5) في الأحوالِ الرّاجعةِ إلى الشَّرطِ؛ كما تقول: (أَنَّى تقرأ أقرأ)(6)؛ أي: على أيِّ حالٍ توجدُ القراءة (7) - من جهرِها وهمسِها، أو غيرِ ذلك - أوجدُها أنا.
وكلُّه؛ أي: كلّ واحد من هذه المعمّمات لتركِ تفصيل ممتنعٍ؛
(1) في الأصل: "مثلين" والمثبت من أ، ب، على اعتبار أنّ المثلين معلومان.
(2)
أي: وجه العموم ظاهر؛ من حيث إن زيادة الثَّانية زيادة في العموم -كما سبق أن بيّنه الشَّارح في أثناء حديثه عن (إذا ما)، والفرق بينهما وبين (إذا).
(3)
قال الزّمخشريّ موضّحًا ذلك (الكشّاف: 1/ 50): "ومما طنّ على أذني من ملح العرب أَنَّهم يسمّون مركبًا من مراكبهم بالشّقدف؛ وهو مركب خفيف ليس في ثقل معامل العراق؛ فقلت عن طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقيّ. فقال: أليس ذلك اسمه الشّقدف؟ قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشّقنداف. فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمّى".
(4)
كلمة "أي" الثَّانية ساقطة من أ.
(5)
في ب: "لتعميم".
(6)
كلمة: "أقرأ" ساقطة من ب. ولا بدّ منها لتمام السِّياق.
(7)
في ب وردت الجملة هكذا: "على حال القراءة" والمعنى واحد.
لكونه غيرِ وافٍ بالحصرِ، أو مملٍّ (1)؛ إلى الاجمالِ؛ نحو قوله -تعالىَ-:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (2).
ثمَّ الطّرفانِ (3) لا ثبوتَ لهما؛ فلا يكونان اسمين ولا ماضيين.
لمّا كان الشّرطُ والجزاءُ تعليقَ حصول أمرٍ بحصولِ ما ليسَ بحاصلٍ - أستلزَم ذلك في جُملتيهما إمتناعَ الثّبوتِ؛ فامتنعَ أن يكونا اسمين أو أحدَهما (4)، وكذا امتناعَ المُضيّ؛ فامتنعَ أن يكونا ماضيين أو أحدهما (5).
قوله: (لا ثبوتَ لهما)؛ معناه: لا ثبوتَ لكلِّ واحدٍ (6) منهما؛ فلا يكونان؛ أي: لا يكون كلُّ واحدٍ منهما اسمين؛ فيشمل امتناعَ كونهما اسمين. وامتناعَ كونِ (7) أحدهما كذلك، وكذا في الفعلِ.
فإن وقعَ في كلامِ البليغ أن يكونا [اسمين أو ماضيين](8) أوْ يكون
(1) في الأصل: "مهمل" وهو خطأ ظاهر. والصَّواب من: أ، ب، ف.
(2)
سورة النّور؛ الآية: 52.
(3)
أي: الشَّرط والجزاء في الجملة الشّرطيَّة. والكلام عطف على قول المصنِّف: "فالشّروط وأدواته".
(4)
لدلالة الاسم على الثّبوت والدَّوام.
(5)
لدلالة الماضي على الحصول والانتهاء.
(6)
في أ: "لا ثبوت لشيء أو لكلّ واحد".
(7)
كلمة: "كون" ساقطة من ب.
(8)
ما بين المعقوفين ساقطٌ من الأصل، ومثبت من أ؛ وبه يتَّضح المعنى.
أحدُهما اسمًا أو ماضيًا، فللادِّعاء؛ أي: فعلى سبيلِ الادّعاءِ، ولا يُصارُ إليه إلَّا لنكتةٍ؛ مثل: إرادةِ إبرازِ غيرِ الحاصلِ في معرض الحاصل لتأخُّذِ الأسباب، أو لأنَّ المتوقَّع كالواقع؛ أي: إمّا لقوةِ الأسباب المتآخذةِ المتظاهرةِ في وُقوعه، نحو:(إن اشترينا كذا) حال انعقادِ الأسبابِ في ذلك الشِّرَى، وإمّا لأنَّ ما هو للوقوع ومتوقّعٌ (1) كالواقع؛ نحو:(إِنْ (2) متّ).
والفرق بين الصّورتين: أن الأوْلى (3) بنفسها ليستْ معلومةَ الوقوع بل بالأسباب، والثانيةَ بنفسها معلومة؛ نحو:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (4) فإنَّه -أيضًا- ورد على فرض ما هو للوقوع واقعًا؛ لكون هذا النّداءُ ضروريَّ الوقوع كالموتِ، وإلّا يجبُ أنَّ يقال:(يُنادى)؛ لأنه في يومِ القيامةِ.
أوْ للتعريض؛ عطفٌ على قوله: "لتآخُذِ" لا على قوله (5): "للادّعاء"؛ لأنه من أقسامه. وهو أن يكونَ الخطابُ
(1) في الأصل: "والتّوقّع". وفي ب: "متوقّع" والصَّواب من أ.
(2)
في الأصل: "أفأن مّتّ" بالاستفهام؛ وبه خرج المثال عن الاستشهاد. والصَّواب من: أ، ب، وعليه لفظ المفتاح.
(3)
في الأصل: "الأَول" والصَّواب من: أ، ب.
(4)
سورة الأعراف، من الآية:44. والاستشهاد بالآية الكريمة في غير المبحث؛ حيث وقع الماضي فيه موقع المستقبل في غير الشّرط، لتحقق وقوع الخبر لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره.
(5)
قوله: "على قوله" ساقط من ب.
لواحدٍ والمرادُ غيرُه؛ مثلُ قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} (1)؛ تعريضًا بأنَّ قومَه اتّبعوا أهواءهم فيما مضى من الزّمانِ؛ لأنَّ الرّسولَ لم يتّبع، فأبرز غيرَ الحاصل في معرض الحاصل ادّعاءً.
والتَّعريضُ يكونُ لدواعٍ منها:
أن لا يصرّوا؛ أي: أن لا يصرَّ المعرَّضُون به على ما هم عليه، ولا يزيد غَضَبُهم عند إسْمَاعه (2) الحقَّ، بخلاف ما لو صُرِّح بنسبتِهم إلى ارتكابِ الباطل. وعليه؛ أي: وعلى التَّعريض للأمرِ المذكورِ. ورد {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (3)، وإلّا نحقُّ النَّسقِ من حيثُ الظَّاهر:"لا تُسألون عمَّا عملنا، ولا نُسألُ عما تُجرمون"، وما قبلَه؛ أي: وكذا وردَ عليه ما قبله؛ أي: ما قبل قوله: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ
…
} الآية، وهو قوله:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (4)، حيثُ ردَّدَ الضَّلال (5) بينهم وبين نفسِه. والمرادُ: إنَّا على هدىً وأنتم في ضلالٍ، ولم يُصرِّح به لئلّا يُصِرّوا.
(1) سورة البقرة؛ بعض الآية: 120، وبعض الآية: 145، سورة الرّعد؛ بعض الآية 37.
(2)
كلمة "اسماعه" ساقطةٌ من ب.
(3)
سورة سبأ؛ الآية: 25. والاستشهاد بالآية ليس من قبيل الشّرط المسوق فيه الكلام.
(4)
سورة سبأ؛ من الآية: 24. والاستشهاد بجزء الآية في غير الشّرط -أيضًا-.
(5)
في ب "الضّلالة".
قال شارحُ "المفتاح"(1): "خولف بين (على) و (في) في (2) الدّخولِ على الحقِّ والباطلِ؛ لأنَّ صاحبَ الحقِّ كأنَّه على فرسٍ جوادٍ يرتكضُ به حيث أرادَ، وصاحبَ الباطل كأنَّه مُنغَمِسٌ في ظلامٍ لا يَدري أين يتوجّه".
ويُسمَّى مثلُه؛ أبي: مثلُ هذا الكلام وهو إسماعُ الحقِّ على الوجه المذكورِ؛ كلام (3) المنصفِ؛ لأنّه يُوجبُ أن يُنصفَ المخاطبُ إذا رجعَ إلى نفسه، [أو لإنصاف المتكلِّم من نفسِه حيث حطّ مرتبته عن مرتبةِ المخاطبِ، ويُسمّى](4) -أيضًا- استدراجًا؛ لاستدراجهِ الخصمَ إلى الإذعانِ والتَّسليم، وهو شبيهٌ بالجدلِ؛ لأنَّه (5) تصرُّفٌ في المغالطاتِ البرهانيّةِ (6)؛ وهذا في المغالطاتِ الخطابيّةِ (7).
(1) مفتاح المفتاح للشّيرازيّ: (491) وفيه "يركص" مكان "يرتكص".
(2)
حرف الجرِّ "في "ساقط من ب. ولا بدّ منه لتمام السِّياق.
(3)
في الأصل: "وكلام" بالعطف بالواو. ولا وجه له، والصَّواب من أ، ب، ف.
(4)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت من أ، ب، وبه يستقيم السِّياق ويتّضح المعنى. على أنّ قوله:"عن مرتبة" ساقطة من ب.
(5)
أي: الجدل.
(6)
أي: التعريض لعدم الإصرار.
(7)
سار المصنِّف والشَّارح -رحمهما الله- على مسلك المفتاح فلم يذكرا من دواعي التّعريض شيئًا غير ما ذكر السَّكَّاكيّ رحمه الله وزاد أحد شراح الفوائد الغياثيَّة (مخطوط ل: 102/ ب) ما يلي:
"التفخيم كما في قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة؛ من الآية: 1253]؛ أراد به محمّدًا عليه السلام، أبي: هو العَلَم في ذلك لا يشتبه ولا يلتبس. =
أو للتفاؤلِ (1)؛ نحو: "إن وصلتُ إلى حبيبي".
أو لإظهارِ الرّغبةِ بوقوعهِ؛ نحو: "إن ظفِرتُ بحسنِ العاقبةِ"؛ فإنَّ الطّالبَ إذا عظُمت رغبتُه في حُصولِ أمر، ويبالغ حرصُه فيما يطلب؛ ربَّما انتقشت في الخيَالِ صُورتهُ لكثرةِ ما يُناجي به نفسَه؛ فيخيّلُ إليه غيرُ الحاصلِ حاصلا، وبينهما (2) عُمومٌ وخُصُوصٌ من وجهٍ.
وأمَّا نحو: (إِنْ أكرمتني اليومَ فقد أكرمتك أمس) بدخول (إن) على الفعل (3) الماضِي لا على سبيل الادّعاءِ لا بدَّ له مِن تأويل؛ فمؤوّلٌ بأنَّ المرادَ به: إن تعتدَّ أو تُخبر بإكرامك إيّاي اليومَ فاعتدَّ أو أخبر بإكرامي إيّاك أمس؛ وإن المقدَّرَ في معرضِ الملفوظِ به حين انصبابِ الكلامِ إلى معناه.
= ومنها الاستحياء؛ كقول عائشة رضي الله عنها: (كان يقبِّل بعض نسائه وهو صائم). ومنها: الاستعطاف؛ كما يقول المحتاج: (جئتك لأسلّم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم). ومنها: الاحتراز عن المخاشنة، كقولك في عُرض من يؤذي مسلمًا:(المسلم لا يوذي أخاه).
هذا، ويلحظ على جيع ما تقدَّم من أمثلة: أنها واردة في غير الشّرط.
(1)
عطف على قوله: "لتآخُذِ" فيكون من الأمور المقتضية لإبراز غير الحاصل في معرض الحاصل.
(2)
في أ: "أو بينهما" ولا وجه للعطف بأو. وضمير التّثنية في "بينهما" عائد إلى: التّفاول، وإظهار الرَّغبة.
(3)
كلمة "الفعل" ساقطة من: أ.
و "لَوْ" لامتناع الشّيءِ لامتناع غيره؛ أي: لامتناع الجزاءِ لامتناع الشَّرطِ (1)؛ كما تقولُ: (لو جئتني أكرمتك) معلّقًا امتناعَ إكرامِك بما امتنعَ من امتناع (2) مجئِ مخاطبكَ؛ ولهذا امتنعت جُملتاها عن الثّبوتِ، فيغلّب الفعل (3) الماضي؛ أي: فلزمَ أن يكونا فعليتين (4) ليخلوا عن الثّبوتِ، والفعلُ يكونُ ماضيًا غالبًا لتناسب معنى لو (5)؛ اللَّهمَّ إلّا لنكتة؛ فإنَّه
(1) هذا هو الرَّأيُ المشهور بين الجمهور؛ بمعنى: أن الجزاء منتف بسبب انتفاء الشَّرط (ينظر: الأصول في النّحو: 2/ 211)، شرح ابن عقيل (2/ 353).
ويرى ابن الحاجب أنّها على العكس من ذلك؛ أي: أنّها لامتناع الأَوَّل لامتناع الثَّاني؛ بمعنى أن الشّرط منتفٍ بسبب انتفاء الجزاء (الإيضاح في شرح المفصّل: 2/ 241).
ورأيه هذا -وإن استحسنه المتأخّرون- لا يثبت على أساس سليم للمتأمّل البصير وليس هذا مقام تفنيده ودفعه، ولمزيد إيضاح ينظر: المطوّل: (167)، وشرح الإيضاح لعبد المنعم خفاجي:(2/ 125 - 126)، والمنهاج الواضح للشَّيخ حامد عوني:(4/ 282 - 284).
وخروجًا من الخلاف كان الأولى أن يؤخذ بتعريف سيبويه إذ عرّف (لو) بأنها (الكتاب: 4/ 224): "حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وهو ما رجّحه شيخي أ. د عبد العزيز فاخر في كتابه توضيح النحو:(م 2: ج 4/ 293).
(2)
كلمة: "امتناع" ساقطة من ب.
(3)
هكذا -أيضًا- في ف. والكلمة ساقطة من: أ.
(4)
في الأصل، ب:"فعلين" والصَّواب من: أ.
(5)
في الأصل: "له" والصواب من أ، ب. وناسب المضى معنى (لو) لما سبق تقريره من أن (لو) لتعليق شيء في الزّمن الماضي.
حينئذٍ يجوزُ أن يُصارَ إلى المضارع؛ نحو قوله -تعالى-: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} (1) إدخالًا له في سلكِ المقطوع به؛ لصُدُوره عمَّن لا يكذبُ ولا خلافَ (2) في إخباره، وتنزيلًا له منزلة الماضي المعلوم، و {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} (3) أي: يستمرّ امتناعُه؛ أي: إنَّما قال: (يُطعُكُمْ) ولم يقل: (أطاعكم)، لتصويرِ أن إطاعتَه مستمرُّ الامتناع فيما يمضي وقتًا فوقتًا، إذ المعنى: لو استمرّ إطاعته وقتًا بعد وقت لعنتّم؛ لكن يمتنعُ عنتكُم لاستمرارِ امتناعه عن إطاعتكم؛ لا لامتناع استمراره عن إطاعتكم؛ كما ظنَّ بعضٌ (4)؛ فإنَّه بعضُ الظّنّ (5).
(1) سورة السّجدة؛ من الآية: 12.
(2)
في أ: "أي: لا خلاف".
(3)
سورة الحجرات؛ من الآية: 7.
(4)
يعني بقوله: "كما ظنَّ بعض" ما يشعر به قول الزّمخشري في كشّافه؛ (4/ 364): "فإن قلت: فلم قيل {يُطِيعُكُمْ} دون (أطاعكم)؛ قلت: للدّلالة على أنَّه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونَه. وأنّه كلَّما عنّ لهم رأى في أمر كان معمولًا عليه، بدليل قوله: {فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ} " من أنَّ المراد به امتناع الاستمرار عن الإطاعة.
(5)
يعني بقوله: "فإنَّه بعض الظَّنَ" موقفه من القول المظون وهو أنّ المراد: امتناع العنت لامتناع الاستمرار عن الطاعة؛ بأن له وجهًا من الصَّواب وموقعًا من القبول.
لا الصَّواب المطلق، والقبول التّام.
ورأيُ الكرمانيّ هذا امتدادٌ لرأي السَّكَّاكيِّ وعليه سار بعض البلاغيّين من أمثال بدر الدين بن مالك في المصباح: (57)، والطّيبيّ في التّبيان:(274). =
أو هما (1)؛ أي: الآيتانِ الشَّريفتانِ، يجوزُ أن تكونَا لاستحضار الصُّورةِ؛ أي: صُورةِ رؤيةِ المجرمين ناكسي الرُّؤوس قائلين لما (2) يقولون في الأولى (3)، وصورةِ إطاعتِه لهم في كلِّ ما عن لهم في الثَّانيةِ؛ نحو:
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} (4)؛ إذْ لم يقل: "فأثارتْ" كـ "أرسل"(5)، استحضارًا لتلكَ الصّورةِ البديعةِ الدَّالَّةِ على القدرهّ الباهرة؛ من إثارةِ السَّحابِ مُسخّرًا بينَ السّماء والأرض. ونحو
= أمَّا البلاغيّون المحدثون من أمثال الشّيخ حامد عوني والشّيخ عبد المتعال الصعيدي فيميلون إلى رأى الزمخشريّ ويرجّحونه من وجهين:
"الأوَّل: أنّ القياس أن يعتبر الامتناع واردًا على الاستمرار؛ لأنَّ الفعل يوجد أولًا ثمّ يراد النَّفي عليه، واستفادة المعاني من الألفاظ إنَّما تكون على وفق ترتيبها.
الثّاني: أنّ العلَّة في نفي عنتهم إنَّما هي نفي استمراره عليه الصلاة والسلام على طاعتهم، لا استمرار نفي الإطاعة الّذي أفاده الوجه الثَّاني؛ ذلك أنَّ استمرار نفي الإطاعة يقتضي نفي الإطاعة أصلًا بخلاف نفي الاستمرار على الإطاعة؛ فإنَّه يفيد ثبوتها، ومعلوم أنّ أصل الإطاعة لا يترتَّب عليه عنت؛ بل يبني عليه مصلحة هي استجلابهم، واستمالة قلوبهم". المنهاج الواضح:(4/ 286).
(1)
هكذا -أيضًا- في ف. وفي ب: "وهما" والسِّياق يأباه.
(2)
هكذا في الأصل، المفتاح. وفي أ، ب:"بما".
(3)
في الأصل: "الأوَّل". والصَّواب من: أ، ب.
(4)
سورة فاطر، من الآية:9. والواو في بداية الآية ساقط من النّسخ كلّها.
(5)
في ب: "كما أرسل" وهو تحريف بالزِّيادة.
قوله -تعالى-: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1) دون "كن فكان"؛ استحضارًا لصورةِ تكوّنهِ (2). قال في "المفتاح" بعدَ ذكر الآيتين وبعدَ ذكرِ قوله -تعالى-: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (3)، وقوله:(لو تُحسن إِليّ لشكرت)(4): "ولك أنَّ تردّ الغرضَ، من لفظ (5): (ترى) و (يودّ)، و (تحسن) إلى استحضار الصّورةِ"؛ فبتعداده (6) الألفاظ دون لفظِ (يطيعكم) موهمٌ (7) بأنّه ليسَ للاستحضارِ.
وقد وقعَ في بعض النُّسخ مسألة: (إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس) ها هنا، لكنّ ذلك (8) الموقعَ الَّذي وقع هو الموقعُ، والموافقُ للمفتاح.
(1) سورة آل عمران؛ الآية: 59.
(2)
في أ، ب:"بكونه" وهو تصحيف.
(3)
سورة الحجر، من الآية:2.
(4)
ص: (247)؛ باختلاف يسير في اللَّفظة الأخيرة.
(5)
هكذا -أيضًا- في المفتاح. وفي أ، ب:"لفظة".
(6)
في أ: "فتعداده".
(7)
في أ، ب:"يوهم".
(8)
كلمة: "ذلك" ساقطة من ب.