الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ الذُّهُولِ]
فَصْلٌ:
[الْمَخْرَجُ الْخَامِسُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ الذُّهُولِ وَنَحْوِهِ]
الْمَخْرَجُ الْخَامِسُ: أَنْ يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ مُخْطِئًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ مُتَأَوِّلًا، أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ تَقْلِيدًا لِمَنْ أَفْتَاهُ بِذَلِكَ، أَوْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ طَلُقَتْ فَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي طَلَاقِهَا شَيْئًا.
[الذُّهُولُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّسْيَانِ]
فَمِثَالُ الذُّهُولِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا هُوَ مُعْتَادٌ لِفِعْلِهِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ وَالْغَفْلَةُ فَيَفْعَلَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّاسِي أَنَّ النَّاسِيَ يَكُونُ قَدْ غَابَ عَنْهُ الْيَمِينُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ذَاكِرًا لَهُ عَامِدًا لِفِعْلِهِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَأَمَّا الْغَافِلُ وَالذَّاهِلُ وَاللَّاهِي فَلَيْسَ بِنَاسٍ لِيَمِينِهِ، وَلَكِنَّهُ لَهَا عَنْهَا أَوْ ذَهَلَ كَمَا يَذْهَلُ الرَّجُلُ عَنْ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ أَوْ حِجْرِهِ بِحَدِيثٍ أَوْ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى - وَهُوَ يَخْشَى - فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: 8 - 10] .
يُقَالُ: لَهِيَ عَنْ الشَّيْءِ يَلْهَى كَغَشِيَ يَغْشَى إذَا غَفَلَ، وَلَهَا بِهِ يَلْهُو، إذَا لَعِبَ؛ وَفِي الْحَدِيثِ «فَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ» أَيْ اشْتَغَلَ بِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «إذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ فَالْهُ عَنْهُ» .
وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَمَّا يَجِدُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْبِلَّةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ، فَقَالَ " الْهَ عَنْهُ "، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ لَهَا عَنْ حَدِيثِهِ، وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لِرَجُلٍ بَعَثَهُ بِمَالٍ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ:" تَلَهَّ عَنْهُ ثُمَّ اُنْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ بِهِ ".
وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ
…
لَا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
أَيْ لَا أَشْغَلُك عَنْ شَأْنِك وَأَمْرِك، وَفِي الْمُسْنَدِ «سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُعَذِّبَ اللَّاهِينَ مِنْ أُمَّتِي» وَهُمْ الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: هُمْ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِفُوا ذَنْبًا.
فَصْلٌ:
[النِّسْيَانُ ضَرْبَانِ]
وَأَمَّا النَّاسِي فَهُوَ ضَرْبَانِ: نَاسٍ لِلْيَمِينِ، وَنَاسٍ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي: كَمَا إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَفَعَلَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِيَمِينِهِ، لَكِنْ نَسِيَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ كَذَا وَكَذَا، فَنَسِيَهُ، ثُمَّ أَكَلَهُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِيَمِينِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا
هُوَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَهَذَا إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ هُوَ فَهُوَ خَطَأٌ.
فَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ كَوْنَهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرَهُ فَهُوَ نِسْيَانٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا غَيْرِهِ فَهُوَ نِسْيَانٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْمُخْطِئِ أَنَّ الْجَاهِلَ قَصَدَ الْفِعْلَ وَلَمْ يَظُنَّهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَالْمُخْطِئَ لَمْ يَقْصِدْهُ كَمَا لَوْ رَمَى طَائِرًا فَأَصَابَ إنْسَانًا.
[الْمُكْرَهُ نَوْعَانِ]
وَالْمُكْرَهُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ لَكِنْ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: مُلْجَأٌ لَا فِعْلَ لَهُ، بَلْ هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ.
[الْمُتَأَوِّلُ]
وَالْمُتَأَوِّلُ كَمَنْ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَكَاتَبَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُكَاتَبَتَهُ لَيْسَتْ تَكْلِيمًا، وَكَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ خَمْرًا فَشَرِبَ نَبِيذًا مُخْتَلَفًا فِيهِ مُتَأَوِّلًا، وَكَمَنْ حَلَفَ لَا يُرَابِي فَبَاعَ بِالْعِينَةِ، أَوْ لَا يَطَأُ فَرْجًا حَرَامًا فَوَطِئَ فِي نِكَاحِ تَحْلِيلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالتَّأْوِيلُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ وَمُتَوَسِّطٌ، وَلَا تَنْحَصِرُ أَفْرَادُهُ، وَالْمُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ تَقْلِيدًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُفْتِي مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ خَرَجْت مِنْ بَيْتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا تَخْرُجِينَ مِنْ بَيْتِي، فَأَفْتَاهُ مُفْتٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا يَلْزَمُ بِهَا الطَّلَاقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ لَغْوٌ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَلَّى، فَقَالَ: وَالطَّلَاقُ بِالصِّفَةِ عِنْدَنَا كَالطَّلَاقِ بِالْيَمِينِ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ.
[الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ]
وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ كَمَنْ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي حَالِ سُكْرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ بِشُرْبِ دَوَاءٍ أَوْ بَنْجٍ أَوْ غَضَبٍ شَدِيدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[ظَنُّ الطَّلَاقِ]
وَاَلَّذِي يَظُنُّ أَنَّ امْرَأَتَهُ طَلُقَتْ فَيَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحِنْثِ، كَمَا إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ امْرَأَتَك قَدْ كَلَّمَتْ فُلَانًا، فَاعْتَقَدَ صِدْقَ الْقَائِلِ، وَأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، فَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّ الْمُخْبِرَ كَاذِبٌ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ لَهُ: قَدْ كَلَّمَتْ فُلَانًا، فَقَالَ: طَلُقَتْ مِنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهَا لَمْ
تُكَلِّمْهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ قِيلَ لَهُ: إنَّ امْرَأَتَك قَدْ مُسِكَتْ تَشْرَبُ الْخَمْرَ مَعَ فُلَانٍ، فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُ الْمُخْبِرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ شَيْءٌ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِطُ.
فَنَذْكُرُ أَقْوَالَ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي ذَلِكَ؛ إذْ هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ أَلْفَاظُهَا وَأَقْيِسَتُهَا وَاعْتِبَارُهَا، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ وَالْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ نَظِيرُ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ فَعَلَ الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الشَّارِعِ وَنَهْيِهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا، فَأَوْلَى فِي بَابِ الْيَمِينِ أَنْ لَا يَكُونَ حَانِثًا.
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ مَا يَمْلِكُهُ، وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ وَالْخَطَأُ وَالْإِكْرَاهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَمَا فَعَلَهُ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ، فَإِلْزَامُهُ بِالْحِنْثِ أَعْظَمُ مُؤَاخَذَةً لَمَّا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَجَاوَزَ لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْأَحْكَامِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ النَّائِمِ فِي عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَلِهَذَا هُوَ عَفْوٌ لَا يَكُونُ بِهِ مُطِيعًا وَلَا عَاصِيًا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَلْفَاظِ؛ لِدَلَاتِهَا عَلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا، وَإِرَادَتِهِ، فَإِذَا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ قَصَدَ كَلَامَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ مَعَانِيَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ مُخَالَفَةَ مَا الْتَزَمَهُ وَلَا الْحِنْثَ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَا يُلْزِمُهُ بِمَا لَمْ يَقْصِدْهُ، بَلْ قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَقْصِدْهُ مِنْ ذَلِكَ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ عَلَى الْقَصْدِ، فَاعْتُبِرَ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمْنَا يَقِينًا خِلَافَ الْمَدْلُولِ لَمْ يَجُزْ أَنْ نَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى مَا تَيَقَّنَّا خِلَافَهُ.
وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ بِيَدِهِ مُبَاشَرَةً إذَا لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ بَلْ قَتَلَهُ خَطَأً، وَلَمْ يُلْزِمْهُ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ، بَلْ حَمَلَهَا غَيْرُهُ، فَكَيْفَ يُؤَاخِذُهُ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ؟ هَذَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ عَلَى الشَّارِعِ.
وَقَدْ رَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُؤَاخَذَةَ عَمَّنْ أَكَلَ وَشَرِبَ فِي نَهَارِ رَمَضَانِ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، مَعَ أَنَّ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، فَكَيْفَ يُؤَاخِذُهُ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا وَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَيُخَرِّبُ بَيْتَهُ وَيُشَتِّتُ شَمْلَهُ وَشَمْلَ أَوْلَادِهِ، وَأَهْلِهِ وَقَدْ عَفَا لَهُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ نَاسِيًا؟
وَقَدْ عَفَا عَمَّنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ عَمْدًا غَيْرَ نَاسٍ لَمَّا تَأَوَّلَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ بِالْحَبْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ حَتَّى تَبَيَّنَا لَهُ وَقَدْ طَلَعَ النَّهَارُ، وَعَفَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَضَاءِ، لِتَأْوِيلِهِ، فَمَا بَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ لَا يُعْفَى لَهُ عَنْ الْحِنْثِ بَلْ يُخَرِّبُ بَيْتَهُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَبِيبَتِهِ وَيُشَتِّتُ شَمْلَهُ كُلَّ مُشَتَّتٍ؟ وَقَدْ عَفَا عَنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي صَلَاتِهِ عَمْدًا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ لَمَّا كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُخَالَفَةَ حُكْمِهِ، فَأَلْغَى كَلَامَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ، فَكَيْفَ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَيُلْغَى قَوْلُ الْجَاهِلِ وَفِعْلُهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَلَا يُحَنِّثُهُ كَمَا لَمْ يُؤَثِّمْهُ الشَّارِعُ؟ وَإِذَا كَانَ قَدْ عَفَا عَمَّنْ قَدَّمَ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْمَنَاسِكِ مِنْ الْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالنَّحْرِ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا فَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِتَرْكِ تَرْتِيبِهَا نِسْيَانًا، فَكَيْفَ يَحْنَثُ أَنْ قَدَّمَ مَا حَلَفَ عَلَى تَأْخِيرِهِ أَوْ أَخَّرَ مَا حَلَفَ عَلَى تَقْدِيمِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا؟ ، وَإِذَا كَانَ قَدْ عَفَا عَمَّنْ حَمَلَ الْقَذَرِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِهِ، فَكَيْفَ يُؤَاخِذُ الْحَالِفَ وَيَحْنَثُ بِهِ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ أَوَامِرُ الرَّبِّ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ دُونَ مَا الْتَزَمَهُ الْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؟ وَكَيْفَ يَحْنَثُ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا بِمَنْزِلَةِ تَأْثِيمِهِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْإِثْمَ وَتَكْفِيرِهِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْكُفْرَ؟ وَكَيْفَ يُطَلِّقُ أَوْ يُعْتِقُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ، وَلَمْ يُطَلِّقْ عَلَى الْهَازِلِ إلَّا لِتَعَمُّدِهِ فَإِنَّهُ تَعَمَّدَ الْهَزْلَ، وَلَمْ يُرِدْ حُكْمَهُ، وَذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِ بَلْ إلَى الشَّارِعِ، فَلَيْسَ الْهَازِلُ مَعْذُورًا، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولُهَا تَقْتَضِي أَلَّا يَحْنَثَ الْحَالِفُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا وَلَا يَطَّرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَيَسْلَمُ مِنْ التَّنَاقُضِ إلَّا هَذَا الْقَوْلُ.
وَأَمَّا تَحْنِيثُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَهُ وَإِنْ سَلِمَ مِنْ التَّنَاقُضِ لَكِنَّ قَوْلَهُ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا، وَأَدِلَّتِهَا.
وَمَنْ حَنِثَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ تَنَاقَضَ، وَلَمْ يَطَّرِدْ لَهُ قَوْلٌ، وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ دَلِيلٌ عَنْ الْمُعَارَضَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ؛ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إحْدَاهَا: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالنِّسْيَانِ وَلَا الْجَهْلِ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ النِّسْيَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَيْمَانِ الْمُكَفَّرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيَمِينُهُ بَاقِيَةٌ لَمْ تَنْحَلَّ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ
مَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَمَا لَمْ يَتَنَاوَلْ حَالَةَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحِنْثِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِرِّ؛ إذْ لَوْ كَانَ فَاعِلًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِرِّ لَكَانَ فَاعِلًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحِنْثِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّالِثَةُ: يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الَّتِي لَا تُكَفَّرُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفِّرَةِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابِهِ. وَاَلَّذِينَ حَنَّثُوهُ مُطْلَقًا نَظَرُوا إلَى صُورَةِ الْفِعْلِ، وَقَالُوا: قَدْ وُجِدَتْ الْمُخَالَفَةُ. وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا قَالُوا: الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَ الْمَشْرُوطُ، سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا لِوُجُودِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
كَمَا لَوْ قَالَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ " فَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَهَلْ هُوَ كَالنَّائِمِ فَلَا يَحْنَثُ أَوْ كَالنَّاسِي فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ،، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالنَّائِمِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى مَنْ يَقْصِدُ مَنْعَهُ كَعَبْدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَجِيرِهِ فَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، هُوَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَكَذَلِكَ هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ مَنْعَهُ لِمَنْ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ كَمَنْعِهِ لِنَفْسِهِ؛ فَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ فَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ فَإِنْ لَمْ نُحَنِّثْ النَّاسِيَ فَهَذَا أَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَالنَّاسِي قَدْ قَصَدَ التَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَنَّثْنَا النَّاسِيَ هَلْ يَحْنَثُ هَذَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي؛ إذْ هُوَ جَاهِلٌ بِكَوْنِهِ مَعَهُمْ.
وَالثَّانِيَةُ: - وَهِيَ أَصَحُّ - أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، قَالَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ أَعْذَرُ مِنْ النَّاسِي، وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ.
وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَيْمَانِ، وَلَكِنْ تَنَاقَضُوا كُلُّهُمْ فِي جَعْلِ النَّاسِي فِي الصَّوْمِ أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ الْجَاهِلِ، فَفَطَّرُوا الْجَاهِلَ دُونَ النَّاسِي، وَسَوَّى شَيْخُنَا بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: الْجَاهِلُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْفِطْرِ مِنْ النَّاسِي، فَسَلِمَ مِنْ التَّنَاقُضِ.
وَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي فِيمَنْ حَمَلَ النَّجَاسَةَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَجَعَلُوا الرِّوَايَتَيْنِ وَالْقَوْلَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءً، وَقَدْ سَوَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ:«إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» فَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا.
فَصْلٌ:
[فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُكْرَهًا]
وَأَمَّا إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُكْرَهًا فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ، إحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ
فِي الْجَمِيعِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَخَرَّجَ أَبُو الْبَرَكَاتِ رِوَايَةً ثَالِثَةً أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَيْمَانِ مِنْ نَصِّهِ عَلَى الْفَرْقِ فِي صُورَةِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي، فَإِنْ أُلْجِئَ أَوْ حَمَلَ أَوْ فَتَحَ فَمَهُ وَأُوجِرَ مَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَشْرَبَهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَوَجْهَانِ، وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ فَاسْتَدَامَ مَا أُلْجِئَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أُلْجِئَ إلَى دُخُولِ دَارٍ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْصِدُ مَنْعَهُ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ فَفَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ مُلْجَأً فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ سَوَاءٌ.
فَصْلٌ:
[حُكْمُ الْمُتَأَوِّلِ]
أَمَّا الْمُتَأَوِّلُ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا لَمْ يَأْثَمْ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَقْبِضَ حَقَّهُ فَأَحَالَهُ بِهِ فَفَارَقَهُ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ، وَأَنَّهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، فَحَكَوْا فِيهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ، وَطَرَدَ هَذَا كُلُّ مُتَأَوِّلٍ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمَا فَعَلَهُ؛ فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِالْحِنْثِ، وَفِي الْجَاهِلِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُتَأَوِّلِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ أَوْلَى، فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يُكَلِّمَ فُلَانًا أَوْ لَا يَدْخُلَ دَارِهِ فَأَفْتَاهُ مُفْتٍ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ، اعْتِقَادًا لِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَطَاوُسٍ وَشُرَيْحٍ، أَوْ اعْتِقَادًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَفَّالِ فِي صِيغَةِ الِالْتِزَامِ دُونَ صِيغَةِ الشَّرْطِ، أَوْ اعْتِقَادًا لِقَوْلِ أَشْهَبَ -، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ - أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِ الزَّوْجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِهَا، أَوْ اعْتِقَادًا لِقَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ لَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَالْوَقْفُ الْمُعَلَّقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، لَمْ يَحْنَثْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَلَوْ فُرِضَ فَسَادُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُتَأَوِّلًا مُقَلِّدًا ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ، فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ مِنْ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي، وَغَايَةُ مَا يُقَالُ فِي الْجَاهِلِ إنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَسْتَقْصِ، وَلَمْ يَسْأَلْ غَيْرَ مَنْ أَفْتَاهُ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يُقَالُ فِي الْجَاهِلِ إنَّهُ مُفَرِّطٌ حَيْثُ لَمْ يَبْحَثْ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْفَرْقُ لَبَطَلَ عُذْرُ الْجَاهِلِ أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ وَالْمُتَأَوِّلُ مُطِيعٌ لِلَّهِ مَأْجُورٌ إمَّا أَجْرًا وَاحِدًا أَوْ أَجْرَيْنِ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُؤَاخِذْ خَالِدًا فِي تَأْوِيلِهِ حِينَ قَتَلَ بَنِي جَذِيمَةَ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ أُسَامَةَ حِينَ قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِأَجْلِ
التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ مَنْ أَكَلَ نَهَارًا فِي الصَّوْمِ عَمْدًا لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ أَصْحَابَهُ حِينَ قَتَلُوا مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَأَخَذُوا غَنِيمَتَهُ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ الْمُسْتَحَاضَةَ بِتَرْكِهَا الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ عُمَرَ رضي الله عنه حِينَ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَمَّا أَجْنَبَ فِي السَّفَرِ، وَلَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَمْ يُؤَاخِذْ مَنْ تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ كَتَمَعُّكِ الدَّابَّةِ وَصَلَّى لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُسْتَقْصَى.
وَأَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ أَوْ دَمٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ هَدَرٌ فِي قِتَالِهِمْ فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ أَوْ دَمٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ هَدَرٌ، أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه حِينَ رَمَى حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ الْمُؤْمِنَ الْبَدْرِيَّ بِالنِّفَاقِ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ بِقَوْلِهِ لِسَعْدٍ سَيِّدِ الْخَزْرَجِ:" إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ " لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ مَنْ قَالَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِْ:" ذَلِكَ الْمُنَافِقُ نَرَى وَجْهَهُ وَحَدِيثَهُ إلَى الْمُنَافِقِينَ " لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه حِينَ ضَرَبَ صَدْرَ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ ذَهَبَ لِلتَّبْلِيغِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَمْرِهِ فَمَنَعَهُ عُمَرُ وَضَرَبَهُ وَقَالَ:" ارْجِعْ "، وَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فِعْلِهِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ لِأَجْلِ التَّأْوِيلِ.
وَكَمَا رَفَعَ مُؤَاخَذَةَ التَّأْثِيمِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهَا رَفَعَ مُؤَاخَذَةَ الضَّمَانِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْقَضَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ لِأَمْرٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ وَقَوْلُهُ الَّذِي قَلَّدَ فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ تَأَوَّلَ وَقَلَّدَ مَنْ أَفْتَاهُ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَانِثٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ، بَلْ هَذِهِ فِرْيَةٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَلَى الْحَالِفِ، وَإِذَا وَصَلَ الْهَوَى إلَى هَذَا الْحَدِّ فَصَاحِبُهُ تَحْتَ الدَّرْكِ، وَلَهُ مَقَامٌ، وَأَيُّ مَقَامٍ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُهُ شَيْخُهُ وَلَا مَذْهَبُهُ وَمَنْ قَلَّدَهُ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِأَجْلِ كَلَامِك لِزَيْدٍ وَخُرُوجِك مِنْ بَيْتِي " فَبَانَ أَنَّهَا لَمْ تُكَلِّمْهُ، وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ لَمْ تَطْلُقْ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ فَإِنْ قَالَ:" أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ " بِنَصْبِ الْأَلِفِ، وَالْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ، فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ لَهَا دُخُولٌ إلَى تِلْكَ الدَّارِ قَبْلَ الْيَمِينِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْمَاضِي مِنْ الْفِعْلِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَدْخُلْهَا قَبْلَ الْيَمِينِ بِحَالٍ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ الْيَمِينِ إذَا كَانَ الْحَالِفُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ الْفِعْلَ الْمَاضِي دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ كُنْت دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ جَاهِلًا بِاللِّسَانِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْيَمِينِ الدُّخُولَ
الْمُسْتَقْبَلِ فَمَتَى دَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ الْيَمِينِ طَلُقَتْ بِمَا حَلَفَ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ لَهَا دُخُولُ الدَّارِ قَبْلَ الْيَمِينِ فَهَلْ يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ الْمَاضِي أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا يَحْنَثُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إذَا عَلَّلَ الطَّلَاقَ بِعِلَّةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ انْتِفَاؤُهَا فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ، وَعِنْدَ شَيْخِنَا لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ التَّعْلِيلِ بِلَفْظِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِعِلَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي اللَّفْظِ أَوْ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ انْتِفَاؤُهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالْمَذْهَبِ غَيْرُهُ، وَلَا تَقْتَضِي قَوَاعِدُ الْأَئِمَّةِ غَيْرَهُ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: امْرَأَتُك قَدْ شَرِبَتْ مَعَ فُلَانٍ أَوْ بَاتَتْ عِنْدَهُ، فَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنَّهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِهَا قَائِمَةً تُصَلِّي فَإِنَّ هَذَا الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِهِ قَطْعًا، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ:" إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا " فَرْقٌ أَلْبَتَّةَ، لَا عِنْدَ الْحَالِفِ وَلَا فِي الْعُرْفِ وَلَا فِي الشَّرْعِ، فَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ بِهَذَا وَهْمٌ مَحْضٌ؛ إذْ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقَ مَنْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ طَلَاقَ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ - مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُمَا الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلَى الْمَكَّاسِ بِرَقِيقٍ لَهُ فَيُطَالِبُهُ بِمَكْسِهِمْ فَيَقُولُ:" هُمْ أَحْرَارٌ " لِيَتَخَلَّصَ مِنْ ظُلْمِهِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي عِتْقِهِمْ، أَنَّهُمْ لَا يُعْتِقُونَ، وَبِهَذَا أَفْتَيْنَا نَحْنُ تُجَّارَ الْيَمَنِ لَمَّا قَدِمُوا مِنْهَا وَمَرُّوا عَلَى الْمَكَّاسِينَ فَقَالُوا لَهُمْ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ بِمَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الْعِوَضَ فَقَالَ:" اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ " بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ لَهُ الْعِوَضَ فَظَهَرَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا وَرَجَعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ، وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ، وَصَرَّحُوا أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِشَرْطٍ فَظَنَّ أَنَّ الشَّرْطَ قَدْ وَقَعَ فَقَالَ:" اذْهَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ "، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فَبَانَ أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَوْ قَالَ " حَلَفْت بِطَلَاقِ امْرَأَتِي ثَلَاثًا أَلَّا أَفْعَلَ كَذَا "، وَكَانَ كَاذِبًا ثُمَّ فَعَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي: إذَا قَالَ: حَلَفْتُ، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هِيَ كِذْبَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ، وَعَنْهُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ حَكَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ كَذَبَ فِي الْخَبَرِ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ:" مَا صَلَّيْت " وَقَدْ صَلَّى.
قُلْت: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: بَابُ الْقَوْلِ فِي إخْبَارِ الْإِنْسَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ كَاذِبًا، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إذَا قَالَ: " حَلَفْت بِيَمِينٍ "، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَإِنْ قَالَ:" قَدْ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ "، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ بِهَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَيَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ: فَهِيَ
كِذْبَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ، إحْدَاهَا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ -: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ - قَالَ عَقِيبَ حِكَايَةِ الرِّوَايَتَيْنِ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الطَّلَاقِ: يَلْزَمُهُ وَفِيمَا لَا يَكُونُ مِنْ الْأَيْمَانِ: لَا يَلْزَمُهُ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ حَيْثُ أَلْزَمَهُ أَرَادَ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَحَيْثُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَقِيَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَفْقَهُ، وَأَطْرُدُ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فَصْلٌ:
وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْخَطَإِ وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَالْعَجْزِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ كَلَامَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ.
قَالُوا: مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَلَ حَنِثَ بِحُصُولِ الْفِعْلِ، عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ خَطَأً، وَاخْتَارَ أَبُو الْقَاسِمِ السُّيُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا نَسِيَ الْيَمِينَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، قَالُوا: وَلَوْ أُكْرِهَ لَمْ يَحْنَثْ.
فَصْلٌ:
فِي تَعَذُّرِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَعَجْزِ الْحَالِفِ عَنْهُ.
قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ لَيَفْعَلَنَّهُ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِهِ، فَإِنْ أَجَّلَ أَجَلًا فَامْتَنَعَ الْفِعْلُ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَذَهَابِهِ كَمَوْتِ الْعَبْدِ الْمَحْلُوفِ عَلَى ضَرْبِهِ أَوْ الْحَمَامَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَى ذَبْحِهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ مَنْصُوصٍ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْفِعْلُ لِسَبَبِ مَنْعِ الشَّرْعِ كَمَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فَوَجَدَهَا حَائِضًا فَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْت: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى وَطْءٍ يَمْلِكُهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْوَطْءُ الَّذِي لَمْ يُمَلِّكْهُ الشَّارِعُ إيَّاهُ، فَإِنْ قَصَدَهُ حَنِثَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ: لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى وَطْءٍ يَمْلِكُهُ، وَهَكَذَا فِي صُورَةِ الْعَجْزِ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِعْلَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَا تَدْخُلُ حَالَةَ الْعَجْزِ تَحْتَ يَمِينِهِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَدْ قَالُوهُ فِي الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ، وَالتَّفْرِيقُ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ؛ فَاَلَّذِي يَلِيقُ بِقَوَاعِدِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي صُورَةِ الْعَجْزِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَجْزُ لِمَنْعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مَنْعٍ كَوْنِيٍّ قَدَرِيٍّ، كَمَا هُوَ قَوْلُهُ فِيمَا لَوْ كَانَ الْعَجْزُ لِإِكْرَاهِ مُكْرَهٍ، وَنَصُّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ أُصُولِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ التَّخْرِيجِ، فَلَوْ وَطِئَ مَعَ الْحَيْضِ وَعَصَى فَهَلْ يَتَخَلَّصُ مِنْ الْحِنْثِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا: يَتَخَلَّصُ، وَإِنْ أَثِمَ بِالْوَطْءِ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَشْرَبَنَّ هَذِهِ الْخَمْرَ فَشَرِبَهَا فَإِنَّهُ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ، وَالثَّانِي
لَا يَبَرُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِ وَطْءٍ مُبَاحٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ الْمُحَرَّمَ، فَيُقَالُ: إذَا كَانَ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى وَطْءٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا لَمْ تَتَنَاوَلْ يَمِينُهُ الْمُحَرَّمَ فَلَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ بِعَيْنِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الدَّلِيلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ لَا شَرْعًا وَلَا قَدَرًا فَلَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَ الِامْتِنَاعُ بِمَنْعِ ظَالِمٍ كَالْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ أَوْ غَيْرِ ظَالِمٍ كَالْمُسْتَحَقِّ فَهَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ قَالَ أَشْهَبُ: لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا ذُكِرَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ بَاقٍ، وَإِنَّمَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ فِيهِ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مَا فِي هَذِهِ الْإِدَاوَةِ غَدًا فَأُرِيقَ قَبْلَ الْغَدِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَعَلَى قَوْلَيْ الْإِكْرَاهِ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ، وَإِنْ حَنَّثْنَا الْمُكْرَهَ لِعَجْزِهِ عَنْ الشُّرْبِ وَقُدْرَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَجَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَاجِزَ أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنْ الْمُكْرَهِ، وَسَوَّى غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولَهَا تَشْهَدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مِنْ الشَّارِعِ نَظِيرُ الْحَضِّ وَالْمَنْعِ فِي الْيَمِينِ، وَكَمَا أَنَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ مَنُوطٌ بِالْقُدْرَةِ فَلَا وَاجِبَ مَعَ عَجْزٍ وَلَا حَرَامَ مَعَ ضَرُورَةٍ فَكَذَلِكَ الْحَضُّ وَالْمَنْعُ فِي الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِالْقُدْرَةِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْحَالِفَ يَعْلَمُ أَنَّ سِرَّ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ فِعْلَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ الْمَغْلُوبُ عَلَى الْفِعْلِ بِنِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَلَا مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ إلَيْهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَزَائِلِ الْعَقْلِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ خِلَافَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ: إذَا حَلَفَ أَنْ يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ فَانْصَبَّ فَقَدْ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ رَغِيفًا فَجَاءَ كَلْبٌ فَأَكَلَهُ فَقَدْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى غَرِيمِهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مَالَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ مُخَاتَلَةً فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَهَذَا، وَأَمْثَالُهُ مِنْ نُصُوصِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَالْجَاهِلِ " إنَّهُ يَحْنَثُ " كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ فَحُمِلَ كُرْهًا فَأُدْخِلَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَى حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فَقَدْ جَعَلَ النَّاسِيَ وَالْجَاهِلَ وَالْمُكْرَهَ وَالْعَاجِزَ بِمَنْزِلَةٍ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ فَحُمِلَ كُرْهًا فَأُدْخِلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ: وَالذُّبَابُ يَدْخُلُ حَلْقَ الصَّائِمِ وَالرَّجُلِ يَرْمِي بِالشَّيْءِ فَيَدْخُلُ حَلْقَ الْآخَرِ وَكُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَتَوَاتَرَتْ نُصُوصُهُ فِيمَنْ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ