الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنّ
[بناء الاسم المفرد على الفتح ونصب المضاف]
قال ابن مالك: (إذا لم تكرّر «لا» وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها غير معمول لغيرها، عملت عمل «إنّ» إلّا أنّ الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها، وبني على ما كان ينصب به، والفتح في نحو «ولا لذّات للشّيب» أولى من الكسر. ورفع الخبر إن لم يركّب الاسم مع «لا» بها عند الجميع، وكذا مع التّركيب على الأصحّ. وإذا علم كثر حذفه عند الحجازيين، ولم يلفظ به عند التميميين، وربّما أبقي وحذف الاسم.
ولا عمل لـ «لا» في لفظ المثنّى من نحو «لا رجلين فيها» خلافا للمبرد، وليست الفتحة في نحو «لا أحد فيها» إعرابيّة، خلافا للزّجّاج والسّيرافي، ودخول الباء على «لا» يمنع التّركيب غالبا، وربّما ركّبت النّكرة مع «لا» الزّائدة. وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب، ونزع التّنوين والنّون إن وليه مجرور بلام معلّقة بمحذوف غير خبر، فإن فصلها جارّ آخر أو ظرف؛ امتنعت المسألة في الاختيار خلافا ليونس. وقد يقال في الشّعر:«لا أباك» وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل فينزع تنوينه).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): إذا قصد بلا نفي الجنس على سبيل الاستغراق ورفع احتمال الخصوص؛ اختصت بالأسماء، لأن قصد ذلك يستلزم وجود (من) الجنسية لفظا، أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ «لا» عند ذلك القصد عمل فيما يليها من نكرة (2)، وذلك العمل إما جرّ، وإما نصب وإما رفع، فلم يكن جرّا لئلا يتوهم أنه من المنويّة، فإنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر: -
(1) شرح التسهيل (2/ 53).
(2)
ينظر المقرب (1/ 104)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 71)، وحاشية الخضري (1/ 142).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
1042 -
فقام يذود النّاس عنها بسيفه
…
وقال ألا لا من سبيل إلى هند (1)
ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعموله، ولا يستحق التصدير، «ولا» المذكورة بخلاف ذلك، ولم يكن عملها فيما يليها رفعا، لئلا يتوهم أن عامله الابتداء، فإن موضعها موضع المبتدأ (2). ولأنها لو رفعت ما يليها عند قصد التنصيص على العموم لم يحصل الغرض (3) لأنها على ذلك التقدير بمنزلة المحمولة على «ليس» وهي لا تنصيص فيها على العموم، فلما امتنع أن تعمل فيما وليها جرّا ورفعا مع استحقاقها عملا تعين أن يكون نصبا، ولما لم يستغن بما يليها عن جزء ثان عملت فيه رفعا، لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل. وأيضا فإن إعمال لا [2/ 139] هذا العمل إلحاق لها «بإنّ» لمشابهتها في التصدير والدخول على المبتدأ والخبر، وإفادة التوكيد، فإن «لا» لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات، ولفظ «لا» مساو للفظ «إنّ» إذا خففت. وأيضا فإن «لا» تقترن بهمزة الاستفهام ويراد بها التمني (4)، فيجب إلحاقها «بليت» في العمل، ثم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني (5)، ولا يجب أن تعمل «لا» هذا العمل مع القصد المذكور إذا كررت بل إذا كررت جاز إعمالها وإلغاؤها (6)، فجواز -
(1) البيت من الطويل لقائل مجهول وهو في التذييل (2/ 838)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 71)، والتصريح (1/ 239)، والهمع (1/ 146)، والدرر (1/ 125)، والأشموني (2/ 3)، والعيني (2/ 332)، وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل (1/ 142)، والبهجة المرضية (40)، وعمدة الحافظ (ص 154).
والشاهد قوله: (ألا من سبيل إلى هند) حيث ظهرت من التي تضمنتها «لا» .
(2)
ينظر الكتاب (2/ 274).
(3)
ينظر الأشموني (2/ 3).
(4)
ذكر الأزهري في شرح التصريح أوجه المشابهة بين «إنّ» «ولا» ، فقال: قال أبو البقاء: وإنما عملت «لا» عمل «إنّ» لمشابهتها من أربعة أوجه: أحدها: أن كلّا منهما يدخل على الجملة الاسمية، والثاني: أن كلّا منهما للتأكيد، فلا لتأكيد النفي و «إن» لتأكيد الإثبات، والثالث: أن «لا» نقيضة «إن» والشيء يحمل على نقيضه كما يحمل على نظيره، والرابع: أن كلّا منهما له صدر الكلام. اه.
التصريح (1/ 235). وبذلك نجد أن عبارته لم تتضمن وجهين من عبارات ابن مالك في شرح التسهيل هنا، وهما مساواة لفظ «لا» للفظ «إنّ»
واقتران لا بهمزة الاستفهام فتلحق بليت إلا أن الشيخ خالدا الأزهري زاد شرطا لم يذكره ابن مالك وهو أن «لا» نقيضه «إنّ» .
(5)
ينظر المقتضب (4/ 382)، وشرح الجمل لابن بابشاذ (2/ 5).
(6)
ينظر شرح الألفية للمرادي (1/ 362)، ومعاني الحروف للرماني (ص 81 - 82)، وشرح الألفية للمكودي (ص 63)، والجامع الصغير لابن هشام (ص 69).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إعمالها لعدم تغير حالها وحال مصحوبها، وجواز إلغائها لشبهها بالمكررة مع المعرفة فلجواز الوجهين مع التكرير شرطت انتفاءه في وجوب العمل، فقلت: إذا لم تكرر «لا» وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها، فعلم بهذا أنها لا تعمل في معرفة (1)، ولا في منفصل (2)، واحترزت بقولي:(غير معمول لغيرها) من نحو قوله تعالى:
لا مَرْحَباً بِهِمْ (3)(4) ثم أشرت إلى أن اسمها ينقسم إلى مفرد وإلى مضاف وإلى مشبه به، وخصصت المفرد بالتركيب والبناء فعلم بذلك أن الآخرين منصوبان نصبا صريحا، نحو: لا صاحب برّ مذموم، ولا راغبا في الشر محمود (5)، وتناول قولي:
«بني على ما كان ينصب به» المبني على فتحة (6) نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [الصافات: 35]، [وقوله تعالى]: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ (7) والمبني على «ياء» مفتوح ما قبلها كقول الشاعر:
1043 -
تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا
…
ولكن لورّاد المنون تتابع (8)
-
(1) ينظر الكتاب (2/ 275، 286)، وقد حمل فيه سيبويه عمل «لا» على «ربّ» ، ورب لا تعمل إلا في نكرة، وينظر أيضا الكتاب (1/ 427)، ورصف المباني (ص 261)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 255).
(2)
ينظر الكتاب (2/ 298)، والمقرب (1/ 190)، ففيهما أن «لا»: إذا فصل بينها وبين ما تعمل فيه بطل عملها وقد جاء في التصريح أن أبا عثمان المازني يخالف اجماع النحاة في هذه المسألة. يقول صاحبه:
(وأن تكون النكرة متصلة بها) خلافا لأبي عثمان، فإنه أجاز أن تعمل مع فصلها، ولكنه لا يبنى وقد جاء في السعة: لا منها بدّ بالبناء مع الفصل وليس مما يعول عليه. اه. شرح التصريح (1/ 236).
(3)
سورة ص: 59.
(4)
احترز المصنف بهذه الآية، لأن قوله (مرحبا) معمول لغير «لا» ، فهو إما منصوب على المصدرية أو على أنه مفعول به. يقول أبو البقاء في إملاء ما منّ به الرحمن (2/ 212):«لا مرحبا، فمرحبا منصوب على المصدر أو على المفعول به، أي لا يسمعون مرحبا» . اه. وينظر أيضا
الكشاف (2/ 288)، وروح المعاني للألوسي (7/ 368)، والمقرب (1/ 190 - 191).
(5)
ينظر مغني اللبيب (1/ 237)، والهمع (1/ 145)، والمطالع السعيدة (235).
(6)
أي المفرد الدال على واحد.
(7)
سورة التوبة: 12.
(8)
البيت من الطويل مجهول القائل، وهو في التذييل (2/ 844)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 71)، وشرح شذور الذهب (ص 118)، والهمع (1/ 146)، والدرر (1/ 126)، والأشموني (2/ 7)، والتصريح (1/ 239)، والعيني (2/ 333)، وأوضح المسالك (1/ 104)، والشاهد قوله:(فلا إلفين) حيث بنى اسم «لا» على ما كان به وهو الياء لأنه مثنى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمبني على ياء مكسور ما قبلها كقول الشاعر:
1044 -
يحشر النّاس لا بنين ولا آ
…
باء إلّا وقد عنتهم شؤون (1)
والمبني على كسرة كقول سلامة بن جندل:
1045 -
إنّ الشّباب الّذي مجد عواقبه
…
فيه نلذّ ولا لذّات للشّيب (2)
يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر وبالوجهين أنشد قول الآخر:
1046 -
لا سابغات ولا جأواء باسلة
…
تقي المنون لدى استيفاء آجال (3)
وزعم أبو الحسن بن عصفور أن الفتح في مثل هذا لازم (4). والصحيح جواز الفتح والكسر ثم أشرت إلى أنه لا خلاف في كون الخبر مرفوعا «بلا» إذا لم يركب الاسم معها (5)، ثم قلت: هو كذا مع التركيب على الأصح (6)، فنبهت -
(1) البيت من بحر الخفيف لقائل مجهول. وهو في التذييل (2/ 844)، وشرح لابن الناظم (ص 71)، وشذور الذهب (ص 119)، والتصريح (1/ 239)، والهمع (1/ 146)، والدرر (1/ 126)، والأشموني (2/ 7)، والعيني (2/ 334)، وأوضح المسالك (1/ 105)، والشاهد قوله:(لا بنين) حيث بنى اسم «لا» النافية للجنس على ما كان ينصب به وهو الياء.
(2)
البيت من البسيط، وهو التذييل (2/ 844)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 364)، وشرح ابن عقيل بحاشية الخضري (1/ 143)، وشرح شواهده للجرجاوي (ص 81)، وفتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل بهامش شرح الشواهد (ص 81)، وشذور الذهب (ص 120)، والتصريح (1/ 328)، والهمع (1/ 146)، والدرر (1/ 26)، والأشموني (2/ 8)، والمفضليات (ص 120)، وديوانه (ص 7) والخزانة (2/ 85)، برواية (أودى الشباب)، والعيني (2/ 326)، والشاهد قوله:
(ولا لذات) حيث روي بالفتح والكسر، فدل ذلك على جواز بنائه على كل منهما.
(3)
البيت من البسيط لقائل مجهول. وهو في التذييل (2/ 854)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 71)، وقطر الندى (1/ 183)، والهمع (1/ 146)، والدرر (1/ 117)، والأشموني (2/ 9)، وشرح عمدة الحافظ (ص 156).
اللغة: جأواء: يقال كتيبة جأواء إذا كان يعلوها السواد لكثرة الدروع.
والشاهد قوله: (لا سابغات) حيث روي بالفتح والكسر، وهذا يدل على أن اسم «لا» إذا كان مؤنثا سالما يجوز فيه البناء على الكسر والبناء على الفتح.
(4)
ينظر المقرب (1/ 190)، يقول ابن عصفور: فإن كان مفردا أو جمع تكسير أو جمع سلامة بالألف والتاء بني معها على الفتح. اه.
(5)
في المطالع السعيدة (ص 235)، والإجماع أن «لا» هي الرافعة للخبر عند عدم التركيب. اه.
(6)
رفع الخبر بلا مع التركيب مذهب الأخفش والمازني والسيرافي. ينظر الهمع (1/ 146).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بذلك على ما ذهب إليه سيبويه من أن الخبر مع التركيب مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول «لا» (1)، لأن شبهها «بإنّ» ضعف حين ركبت وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا يعمل، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن أبقي عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ والخبر بعدهما على ما كان عليه مع التجرد، وغير ما ذهب إليه سيبويه أولى (2)، لأن كل ما استحقت «لا» به العمل من المناسبات السابق ذكرها باق، فليبق ما ثبت بسببه، ولا يضر التركيب، كما لم يضر «إنّ» صيرورتها بفتح الهمزة مع معمولها كشيء واحد، ولو كان جعل «لا» مع اسمها كشيء واحد مانعا من العمل في [2/ 140] الخبر لمنعها من العمل في الاسم، لأن أحد جزأي كلمة «لا» يعمل في الآخر، ولا خلاف في أن التركيب لم يمنع عملها في الاسم (3)، فلا يمنع عملها في الخبر.
وأيضا فإن عمل «لا» في الخبر أولى من عملها في الاسم. لأن تأثيرها في معناه أشد من تأثيرها في معنى الاسم، والإعراب إنما جيء به في الأصل للدلالة على المعنى الحادث بالعامل، وإنما لم يكن خلافا في ارتفاع الخبر «بلا» غير المركبة لأن مانع التركيب هو كون الاسم مضافا أو شبيها به، وكلاهما صالح للابتداء به مجردا عن «لا» كما أن اسم «لا» صالح للابتداء به مجردا عن «إنّ» وليس كذلك مصحوب «لا» المركب، فإنّ تجرده من «لا» يبطل الابتداء به لأنه نكرة لا مسوغ معها، وإذا اقترنت «بلا» كانت بمنزلة نكرة ابتدئ بها لاعتمادها على نفي. ثم أشرت إلى حذف الخبر وهو على ثلاثة أقسام: ممتنع، وجائز، وواجب.
فالمتنع حذفه في موضع لا دليل فيه من لفظ ولا معنى، كقولك مبتدئا مقتصرا:
«لا رجل» ، فمثل هذا لا يعد كلاما عند أحد من العرب، لأن المخاطب لا يستفيد -
(1) في الكتاب (2/ 275): «واعلم أن لا وما عملت فيه في موضع ابتداء كما أنك إذا قلت: هل من رجل؛ فالكلام بمنزلة اسم مرفوع مبتدأ. اه.
(2)
ينظر شرح الألفية للمرادي (1/ 363)، والتوطئة (ص 324 - 325)، والمغني (1/ 239).
(3)
ذكر السيوطي أن بعضهم ذهب إلى «لا» لم تعمل في الاسم شيئا حالة التركيب، واستدل لهذا المذهب بما استدل به المصنف لعمل لا في الخبر حالة التركيب. يقول السيوطي: وذهب بعضهم إلى أنها تعمل في الاسم أيضا شيئا حالة التركيب لأنها صارت منه بمنزلة الجزء، وجزء الكلمة لا يعمل فيها. اه.
الهمع (1/ 146).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه شيئا، وأما الجائز والواجب فحذف ما دل عليه دليل، كقولك:«لا رجل» لمن قال: هل في الدار رجل؟ وكقولك للشاكي: «لا بأس» تحذف «فيها» من الأول، «وعليك» من الآخر، فمثل هذا يجوز فيه الحذف والإثبات عند الحجازيين، ولا يلفظ به التميميون ولا الطائيون أصلا، بل الحذف عندهم واجب بشرط ظهور المعنى (1)، ومن نسب إليهم التزام الحذف مطلقا أو بشرط كونه ظرفا، فليس بمصيب.
وإن رزق من الشهرة أوفر نصيب (2). وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلا» نحو:
«لا إله إلّا الله» (3) ومن حذفه دون «إلا» قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ (4).
وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ (5) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار» (6)، «ولا عدوى ولا طيرة» (7). ومن استعمال الخبر منطوقا به في لغة غير الحجازيين قول حاتم (8):
1047 -
وردّ جازرهم حرفا مضرّبة
…
ولا كريم من الولدان مصبوح (9)
فمصبوح خبر لا صفة لعدم الحاجة إلى تقدير، وربما حذف الاسم للعلم به، -
(1) ينظر الكتاب (2/ 279)، وشرح الألفية للناظم (ص 73)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 373)، والتذييل (2/ 854 - 856)، وتعليق الفرائد (1171 - 1172).
(2)
في البهجة المرضية للسيوطي (ص 42): «وزعم الزمخشري وغيره أن بني تميم يحذفون خبر لا مطلقا على سبيل اللزوم، وليس بصحيح، لأن حذف خبر لا دليل عليه يلزم منه عدم الفائدة والعرب مجمعون على ترك التكلم بما لا فائدة فيه. اه. وينظر الهمع (1/ 147)، وابن يعيش (1/ 105).
(3)
ينظر الإيضاح للفارسي (1/ 239)، والتذييل (2/ 858).
(4)
سورة الشعراء: 50.
(5)
سورة سبأ: 51.
(6)
حديث شريف أخرجه ابن ماجه في سننه (2/ 784).
(7)
حديث شريف أخرجه البخاري في باب الطب، وابن ماجه في سننه في كتاب الطب، وفي سنن أبي داود في باب الطب أيضا.
(8)
نسب البيت إلى أبي ذؤيب الهذلي أيضا، ونسبه الأعلم إلى النبيتي، ينظر العيني (2/ 368 - 369)، ومعجم الشواهد (1/ 85).
(9)
البيت من البسيط وهو في الكتاب (2/ 299)، والمقتضب (4/ 37)، وأمالي الشجرى (2/ 212) وابن يعيش (1/ 104، 107)، والعيني (2/ 368)، والأشموني (2/ 17)، وديوان حاتم (123)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 73)، وشرح ابن عقيل بحاشية الخضري (1/ 147)، وشرح شواهده (ص 86)، ورصف المباني (ص 267)، والتذييل (2/ 497، 854).
والشاهد قوله: (ولا كريم من الولدان مصبوح) حيث صرح بالخبر، لأنه لم يدل عليه دليل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبقي الخبر، كقولهم:«لا عليك» أي لا بأس عليك، وخالف المبرد سيبويه في اسم «لا» المثنى نحو: لا رجلين فيها، فزعم أنه معرب، واحتج له بأمرين، أحدهما: أنه بزيادة الياء والنون أشبه المطول المستحق للنصب نحو: لا خيرا من زيد هنا. (1) والثاني: أن العرب تقول: أعجبني يوما زرتني، فتفتح، وأعجبني يوما زرتني فتعرب، وكلا الحجتين ضعيفة: أما الأولى: فمعارضة بأن شبه لا رجلين بيا رجلان أقوى من شبهه بـ «لا خيرا من زيد» وقد سوى بين «يا رجلان» و «يا رجل» فليسوّ بين «لا رجلين» و «لا رجل» (2).
وأما الثانية: فضعفها بيّن أيضا وذلك أن بناء يوم، وشبهه حين أضيف إلى الجملة، فإنما (3) كان لشبهه «بإذ» لفظا ومعنى، فلما بني خالفه، بلحاق علامة التثنية، [2/ 141] ويكون اليوم إذا ثني مؤقتا، والحمل على «إذ» لا يكون مؤقتا، وإنما يكون يكون مبهما أي صالحا لنهار وليلة، وللقليل والكثير، واليوم المفرد بهذه المنزلة كقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ (4) وكقوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (5). المعنى: وحين يقول كن فيكون قوله الحق وكل حين هو في شأن.
والحاصل: أن «يوما» لإبهامه أشبه «إذ» فحمل عليه في البناء إذ استعمل استعماله، فإذا ثني زال إبهامه، فلم يصح أن يحمل على «إذ» للزوم إبهامها وصلاحيتها لكل زمان ماض، ليلا كان أو نهارا، قليلا كان أو كثيرا. وزعم أبو إسحاق الزجاج (6) والسيرافي أن فتحة «لا رجل» وشبهه فتحة إعراب وأن التنوين حذف منه تخفيفا ولشبهه
بالمركب (7)، وهذا الرأي لو لم يكن في كلام العرب ما يبطله لبطل بكونه مستلزما مخالفة النظائر، فإن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء لا يكون إلا لمنع الصرف، أو للإضافة أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في علم موصوف بابن مضاف إلى علم أو لملاقاة ساكن. أو لوقف، أو لبناء. -
(1) ينظر الكتاب (2/ 115، 295)، (3/ 289)، والمقتضب (4/ 129)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 73).
(2)
ينظر المقتضب (4/ 356 - 366).
(3)
ينظر مغني اللبيب (1/ 238).
(4)
سورة الأنعام: 73.
(5)
سورة الرحمن: 29.
(6)
ينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (1/ 259، 232)، والزجاج وأثره في النحو والصرف (229).
(7)
ينظر التذييل والتكميل (2/ 863)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 255)، وتعليق الفرائد (1173).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والاسم المشار إليه ليس ممنوعا من الصرف ولا مضافا، ولا ذا ألف ولام، ولا علما موصوفا بابن، ولا ذا التقاء الساكين، ولا موقوفا عليه، فتعين كونه مبنيا، كيف وقد روى عن العرب:(جئت بلا شيء) بالفتح وسقوط التنوين (1)، كما قالوا:(جئت بخمسة عشر)، والجار لا يلغى ولا يعلق فثبت البناء بذلك يقينا، والعجب من الزجاج والسيرافي، في زعمهما أن ما ذهب إليه من أن فتحة «لا رجل» وشبهه، فتحه إعراب هو مذهب سيبويه، إسنادا إلى قوله في الباب الأول من أبواب «لا»: و «لا» تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين (2)، وغفلا عن قوله في الباب الثاني: وعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل لك، فإنما يذهب منه التنوين، كما أذهب من خمسة عشر، لا كما أذهب من المضاف (3)، فهذا نص لا احتمال فيه، قلت: ومما يدل على أن الفتحة المشار إليها فتحه بناء، لا فتحة إعراب، ثبوتها في:
1048 -
ولا لذات للشيب (4)
وتوجيه رواية الكسر على أن يكون «لذات» منصوبا لكونه مضافا، أو مشبها بالمضاف على نحو ما يوجه به لا أبا لك، ولا يدي لك، وسيأتي بيان ذلك مستوفى بعون الله. وقد قال سيبويه - في الثاني من أبواب لا في النفي -:«اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع، إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد، فعلم بهذا أن فتحة ميم «لا غلام لك» عنده كفتحة لام لا مثل زيد (5)، لأنهما عنده سيان في الإضافة، فعلى
هذا تكون كسرة «لذات» كسرة إعراب، لكونه مضافا، واللام مقحمة، وهذا واضح بلا تكلف، وندر تركيب النكرة مع «لا» الزائدة (6) كقول الشاعر:
1049 -
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها
…
إذن لزار ذوو أحسابها عمرا (7)
وهذا من التشبيه الملحوظ فيه مجرد اللفظ، وهو نظير تشبيه «ما» الموصولة -
(1) ينظر شرح الكافية (1/ 257).
(2)
الكتاب (2/ 374).
(3)
الكتاب (2/ 283).
(4)
تقدم.
(5)
الكتاب (2/ 276).
(6)
ينظر شرح الأشموني بحاشية الصبان (2/ 4)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 275).
(7)
البيت من البسيط وهو في الخصائص (2/ 87)، والأشموني (2/ 4)، والهمع (1/ 147)، والدرر (137)، والخزانة (2/ 78)، وديوانه (283)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 257). -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بـ «ما» النافية في قول الشاعر [2/ 142]:
1050 -
يرجّى المرء ما إن لا يراه
…
ويعرض دون أدناه الخطوب (1)
فزاد «إن» بعد «ما» الموصولة، وإنما تزاد بعد النافية لكن سوغ ذلك كون اللفظ واحدا، والمشهور الوارد على القياس أن يقال في اسم «لا» إذا كان أبا أو أخا: لا أب له، ولا أخ لك، كما قال نهار اليشكري:
1051 -
أبي الإسلام لا أب لي سواه
…
إذا افتخروا بقيس أو تميم (2)
وأن يقال فيه إذا كان مثنّى أو شبهه، كما قال الشاعر:
1052 -
تأمّل فلا عينين للمرء صارفا
…
عنايته عن مظهر العبرات (3)
وكما قال الآخر:
1053 -
أرى الرّبع لا أهلين في عرصاته
…
ومن قبل عن أهليه كان يضيق (4)
وقد كثر في الكلام مع مخالفته القياس نحو لا أبا لك، ولا أخا له، ولا غلامي لك (5). فمن ذلك قول الراجز (6): -
- والشاهد قوله: (لا ذنوب لها) حيث عملت «لا» الزائدة عمل «لا» غير الزائدة، وركبت مع اسمها وهو ذنوب.
(1)
البيت من بحر الوافر وهو لجابر بن رألان الطائي وهو في المغني (1/ 25)، والتصريح (2/ 230)، والخزانة (3/ 569) والجنى الداني (211).
والشاهد فيه قوله: ما إن لا يراه حيث زيدت أن بعد ما الموصولة.
(2)
البيت من الوافر وهو في الكتاب (2/ 282)، وابن يعيش (2/ 104)، والتذييل (2/ 868)، والهمع (1/ 145)، والدرر (1/ 125)، والشعر والشعراء (ص 544)، والكامل (2/ 134).
والشاهد قوله: (لا أب لي) حيث جعل الجار والمجرور وهو (لي) خبرا للا.
(3)
البيت من الطويل لقائل مجهول. وهو في التذييل (2/ 868)، وشرح عمدة الحافظ (ص 155)، والهمع (1/ 145)، والدرر (1/ 125)، وشرح التسهيل للمصنف (1/ 60).
والشاهد قوله: (فلا عينين للمرء) حيث بني اسم لا على الياء لأنه مثنى وهو القياس.
(4)
البيت من الطويل لقائل مجهول وهو في التذييل (2/ 868)، والهمع (1/ 146)، والدرر (1/ 126)، وشرح عمدة الحافظ (ص 156)، وشرح التسهيل للمصنف (1/ 60).
اللغة: العرصات: جمع عرصة وهي البقعة من الدور ليس فيها بناء.
والشاهد قوله: (لا أهلين) حيث بني على الياء لأنه ملتحق بجمع المذكر السالم.
(5)
ينظر الكتاب (2/ 176)، والمقتضب (4/ 373 - 174).
(6)
يزعم الأعراب أن هذا الرجز من قول الضب للحسل أيام كانت الأشياء تتكلم. ينظر معجم الشواهد (2/ 512).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
1054 -
أهدموا بيتك لا أبا لكا
…
وزعموا أنّك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدّألى حوالكا (1)
ومثال لا غلامي لك قول الشاعر:
1055 -
لا تعبأنّ بما أسبابه عسرت
…
فلا يدي لامرئ إلّا بما قدرا (2)
ولم يرد هذا الاستعمال في غير ضرورة إلا مع اللام، وقد تحذف في الضرورة وكقول الشاعر:
1056 -
وقد مات شمّاخ ومات مزرد
…
وأيّ كريم لا أباك مخلّد (3)
وقال آخر:
1057 -
أبالموت الّذي لا بدّ أنّي
…
ملاق لا أباك تخوّفيني (4)
-
(1) الرجز في الكتاب (1/ 351)، والتذييل (2/ 899)، والحيوان للجاحظ (6/ 228)، وأمالي الزجاجي (130)، والكامل (ص 247)، والمخصص (13/ 226)، والهمع (1/ 41، 145)، والدرر (1/ 15، 24)، واللسان (حول - دأل).
والشاهد قوله: (لا أبا لك، لا أخا لك)، حيث نصب اسم «لا» بالألف لأنه مضاف لما بعد اللام واللام مقحمة بينهما وذلك كثير في الكلام ولكنه - كما بين ابن مالك - مخالف للقياس وقيل إنه ليس مضافا وإنما هو مشبه بالمضاف في نزع تنوينه.
(2)
البيت من البسيط لقائل مجهول. وهو في التذييل (2/ 869)، وشرح التسهيل للمصنف (1/ 60) والهمع (1/ 145)، والدرر (1/ 125)، وحاشية محيي الدين على الشذور (ص 398).
والشاهد قوله: (فلا يدي لامرئ)، حيث نصب اسم «لا» بالياء لأنه مثنى مضاف إلى قوله «امرئ» ، واللام مقحمة.
(3)
البيت من الطويل لمسكين الدارمي. وهو في المقتضب (4/ 375)، والكامل (303، 563)، وابن يعيش (2/ 105)، والتذييل (2/ 886)، والخزانة (2/ 116)، وديوانه (ص 31)، والكتاب (2/ 279).
والشاهد قوله (لا أباك) حيث حذف اللام المقحمة بعد (أب) للضرورة.
ويروى البيت برواية أخرى وهي «وأي كريم لا أباك يمنع» .
(4)
البيت من الوافر وهو في المقتضب (4/ 475)، والكامل (313)، والخصائص (1/ 345)، وأمالي الشجري (1/ 362)، والتذييل (2/ 886) وابن يعيش (2/ 105)، والمقرب (1/ 192)، والإيضاح للفارسي (245)، والألفية للمرادي (2/ 249)، والخزانة (2/ 118)، والتصريح (2/ 26)، والهمع (1/ 145)، والدرر (1/ 125)، وشذور الذهب (ص 397)، وديوان أبي حية (ص 177).
والشاهد قوله: (لا أباك) حيث حذف اللام المقحمة بين المضاف والمضاف إليه للضرورة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومذهب أكثر النحويين في هذا النوع أنه مضاف إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة لا اعتداد (1) بها كما لا اعتداد باللام في قول الشاعر:
1058 -
يا بؤس للحرب الّتي
…
وضعت أراهط فاستراحوا (2)
وهذا القول، وإن كان قول أكثر النحويين - لا أرتضيه، لأن الإضافة التي ادعيت في الأمثلة المشار إليها إما محضة، وإما غير محضة، فإن كانت محضة لزم كون اسم «لا» معرفة، وهو غير جائز، ولا عذر في الانفصال باللام لأن
نية الإضافة المحضة كافية في التعريف مع كون المضاف غير مهيأ للإضافة كقوله تعالى:
وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ (3) ولِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (4)، وما نحن بسبيله مهيأ للإضافة، فهو أحق بتأثيريّة الإضافة فيه (5).
وإن كانت الإضافة المدعاة غير محضة (6)؛ لزم من ذلك مخالفة النظائر، لأن المضاف إضافة غير محضة لا بد من كونه عاملا عمل الفعل، لشبهه به لفظا ومعنى، نحو: هذا ضارب زيد الآن وحسن الوجه، أو معطوفا على ما لا يكون إلا نكرة، نحو: رب رجل وأخيه، وكم ناقة وفصيلها (7). والأسماء المشار إليها بخلاف -
(1) ينظر الكتاب (2/ 206 - 207)، والمغني (1/ 216).
(2)
البيت من الكامل لسعد بن مالك، وهو في المحتسب (2/ 93)، والتذييل (2/ 870، 871)، والأمالي الشجرية (1/ 275)، وابن يعيش (2/ 10، 105)، (4/ 36)، (5/ 73)، ومغني اللبيب (1/ 216)، وشرح شواهده (2/ 582)، وحاشية يس (1/ 199)، والحلل في شرح أبيات الجمل لابن السيد (ص 244، 246)، والكتاب (2/ 207)، والخصائص (3/ 102)، والمقتضب (2/ 253)، والتمام لابن جني (ص 120).
والشاهد قوله: (يا بؤس للحرب)، حيث أقحمت اللام بين المضاف والمضاف إليه ولذلك ورد البيت بنصب قوله (بؤس).
(3)
سورة الفرقان: 39.
(4)
سورة الروم: 4.
(5)
يكاد يكون ابن مالك في رأيه هنا متفقا مع ابن الشجري الذي قال في أماليه (1/ 362): «وإنما ضعف حذف هذه اللام، لأنها في هذا الكلام معتد بها من حيث منعت الاسم لفصلها بينه وبين المجرور بها أن يعرف بإضافته إليه، فيكون اسم لا معرفة، وترك الاعتداد بها من حيث يثبت الألف في أب. ألا ترى أن الألف لا يثبت في هذا الاسم إلا في الإضافة نحو رأيت أباك وأبا زيد، فلولا أنه في تقدير الإضافة إلى الكاف في لا أبا لك لم تثبت الألف، وكذلك حكم اللام في قولك لا غلامي لك ولا غلامي لزيد» . اه.
(6)
ينظر المقرب (1/ 192).
(7)
ينظر الكتاب (2/ 54، 274).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، فلا تكون إضافتها غير محضة (1)، وأيضا فلو كانت مضافة وإضافتها [2/ 143] غير محضة لم يلق بها أن تؤكد معناها بإقحام اللام، لأن المؤكد معتنى به، وما ليس محضا لا يعتنى به فيؤكد، ولذلك قبح توكيد الفعل الملغى، لأنه مذكور في حكم المسكوت عنه، وقول من قال:«يا بؤس للحرب» ، وهو يريد:
يا بؤس الحرب، سهله كون إضافته محضة على أن لقائل أن يجعل أصله يا بؤسى للحرب، ثم حذفت الألف
للضرورة، وهي مرادة (2)، فلا إضافة ولا إقحام، وأيضا لو كانت إضافة الأسماء المشار إليها غير محضة مع «لا» لكانت كذلك مع غيرها، إذ لا شيء مما يضافة إضافة غير محضة إلا وهو كذلك مع كل عامل، ومعلوم أن إضافتها في غير هذا الباب محضة، فيجب أن لا تكون في هذا الباب، وإلا لزم عدم النظير.
وممّا يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافة قولهم: لا أبا لي ولا أخا لي فلو كانوا قاصدين الإضافة، لقالوا: لا أب لي، ولا أخ لي، فيكسرون الباء والخاء إشعارا بأنها متصلة بالياء تقديرا، فإن اللام لا اعتداد بها على ذلك التقدير، وإذ لم يفعلوا ذلك فلا ارتياب في كونهم لم يقصدوا الإضافة، ولكنهم قصدوا إعطاء الأسماء المذكورة حكم المضاف إذا كانت موصوفة بلام الجر، ومجرورها، ولم يفصل بينهما (3)، وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يتكمل المضاف بالمضاف إليه، فإذا انضم إلى ذلك كون الموصوف معلوم الافتقار إلى مضاف إليه، وكون الصفة متصلة بالموصوف، وكونها باللام التي يلازم معناها -
(1) روي هذا الرأى لابن مالك بعدم انحصار غير المحضة في الصفة - الهمع (1/ 145).
(2)
في المقتضب (4/ 252 - 253): «وكل مضاف إلى يائك - أي ياء المتكلم - في النداء يجوز فيه قلب هذه الياء ألفا، لأنه لا لبس فيه وهو أخف، وباب النداء باب تغيير، ألا ترى أنهم يحذفون فيه تنوين زيد، ويدخل فيه مثل يا تيم تيم عدي ومثل يا بؤس للحرب. اه. فالألف إذن في هذا الرأي أصلها ياء المتكلم على رأي المبرد ثم قلبت ألفا، وانظر الكتاب (2/ 210).
(3)
في الهمع (1/ 145): قال السيوطي بعد أن ذكر أقوال النحاة في لا أبا لك: «الثالث» أنها مفردة جاءت على لغة القصر، والمجرور باللام هو الخبر وعليه الفارسي وابن يعيش وابن الطراوة، وإنما اخترته لسلامته من التأويل والزيادة والحذف، وكلها خلاف الأصل. اه. وينظر حاشية يس على التصريح (1/ 236)، ففيها رأي مالك والرد عليه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإضافة غالبا، وكون المجرور صالحا، لأن يضاف إليه الأول، تأكّد شبه الموصوف بالمضاف، فجاز أن يجري مجراه فيما ذكر من الحذف والإثبات، فمن ثم لم يبالوا بفيك أن يجرى هذا المجرى كقول الشاعر (1):
1059 -
وداهية من دواهي المنو
…
ن يرهبها النّاس لا فا لها (2)
فنصبه بالألف كما ينصبه الإضافة، وممّن ذهب في هذه المسألة إلى ما ذهبت إليه ابن كيسان وهشام الكوفي بشرط كون اللام ومجرورها غير خبر (3). فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون، وحذف الألف بإجماع، وكذ إن لم يل اللام ومجرورها، أو كان موضع اللام حرف غيرها، وأجاز يونس (4) المعاملة المذكورة مطلقا مع فصل اللام بظرف أو جار غيرها نحو لا يدي بها لك، ولا غلامي عندك لزيد. وأشار سيبويه إلى جواز ذلك في الضرورة (5)، ولا تختص هذه المعاملة بالمثنى، وأب وأخ وأخواتهما، بل هي جائزة في كل ما وليه لام جر معلقة بمحذوف غير خبر حتى في:
«لا غلام لك» ، و «لا بني لك» ، و «لا بنات لك» ، ولا عشرى لك. وقد فهم ذلك من قولي: وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب، ونزع التنوين والنون، فدل ذكر الإعراب على أن فتحة لا غلام لك قد تكون [2/ 144] إعرابا، وأنه يقال:
لا أبا لك، ولا أخا لك، ولا غلامي لك ولا بني لك، ولا بنات لك، ودل ذكر نزع التنوين والنون على أن تنوين (لا غلام لك) أزيل لما أزيل له نون (لا غلامي لك)، وذلك كله مفهوم قول سيبويه، فلو جعل اللام ومجرورها خبرا تعين البناء، وتوابعه، ولو تعلقت اللام بالاسم تعين الإعراب وتوابعه غالبا نحو: لا واهبا لك درهما، -
(1) هو عامر بن الأحوص، ونسب الشنتمري البيت إلى الخنساء، وهو في اللسان بدون نسبة.
(2)
البيت من المتقارب، وهو في الكتاب (1/ 316)، والتذييل (2/ 873)، وابن يعيش (1/ 122)، واللسان (فوه)، والبيت ليس في ديوان الخنساء. ويروى أيضا:(تحسبها) بدل (ترهبها).
اللغة: المنون: الدهر والمنية.
والشاهد قوله: (لا فالها) حيث عامل اسم «لا» الموصوف معاملة الاسم المضاف لشبه به على رأي ابن مالك.
(3)
ينظر الهمع (1/ 145)، وأبو الحسن ابن كيسان وآراؤه في النحو واللغة (215 - 216)، رسالة بجامعة عين شمس، إعداد علي البكرى. وابن كيسان النحوي (ص 156)، تأليف د. محمد البنا.
(4)
سبقت ترجمته.
(5)
الكتاب (2/ 279 - 281)، والهمع (1/ 145).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحترزت بغالبا من قول الشاعر:
1060 -
أراني ولا كفران لله آية
…
لنفسي قد طالبت غير منيل (1)
أنشده أبو علي في التذكرة، وقال: إن آية منصوب بكفران، أي لا أكفر الله رحمة لنفسي، ولا يجوز نصب آية بأوّيت مضمرا، لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي أرى بجملتين. إحداهما:«لا» واسمها وخبرها.
والثانية: أوّيت ومعناه: رفعت (2). وإلى كفران لله آية أشرت بقولي: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل،
ويمكن أن يكون من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا صمت يوم إلى اللّيل» (3) على رفع يوم بالمصدر على تقديره بأن وفعل ما لم يسم فاعله، ولا يستغنى عن اللام بعد ما أعطى حكم المضاف من الأسماء المذكورة إلا بعد «أب» في الضرورة، كقول الشاعر:
1061 -
وقد مات شمّاخ ومات مزرد
…
وأيّ كريم لا أباك مخلّد (4)
وكقول الآخر:
1062 -
أبالموت الّذي لا بدّ أنّي
…
ملاق لا أباك تخوّفيني (5)
أراد: لا أبا لك ولا أباك. كذا زعموا وهو عندي بعيد، لأنه إن كان الأمر كذلك، لم يخل من أن يكون «أب» مضافا إلى الكاف عاملا فيها أو يكون مقدر الانفصال باللام، وهي العاملة في الكاف مع حذفها، فالأول ممنوع لاستلزامه تعريف اسم «لا» أو تقدير عدم تمحّض الإضافة فيما إضافته محضة. والثاني ممنوع لاستلزامه وجود ضمير متصل، معمول العامل غير منطوق به، وهو شيء لا يعلم له نظير، فوجب الإعراض -
(1) البيت من الطويل لكثير عزة، وهو في الخصائص (1/ 337)، والتذييل (2/ 889، 891)، والمغني (2/ 294)، وشرح شواهده (2/ 820)، والهمع (1/ 147)، والدرر (1/ 127)، واللسان (أوى)، وشرح الكتاب لابن خروف (ص 26)، والشيرازيات (232).
الشاهد قوله: (ولا كفران لله آية
…
لنفسي) حيث تعلق الجار والمجرور «بكفران» فكان حقه أن ينون ولكنه نزع تنوينه تشبيها بالمضاف، وهذا من غير الغالب.
(2)
ذكر ذلك أبو علي الفارسي أيضا في المسائل الشيرازيات (232)، رسالة بجامعة عين شمس، وينظر الخصائص (1/ 237 - 238).
(3)
روي الحديث في سنن أبي داود برواية: «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل» . (سنن أبي داود 2/ 104).
(4)
،
(5)
تقدم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه والتبرؤ منه، والوجه عندي في أباك ولا أباك، أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، وهذا توجيه ليس فيه من التكلف شيء والحمد لله.
هذا آخر كلام المصنف (1)، ويتعلق ببعضه وبمسائل الفصل مباحث:
منها:
أنه شرط في الاسم الذي تعمل فيه «لا» إذا وليها أن يكون غير معمول لغيرها احترازا من نحو قوله تعالى: لا مَرْحَباً بِهِمْ (2)، فقال الشيخ: لا يحتاج إلى احتراز من هذا ولا إلى ذكره، لأن مرحبا لم يل «لا» ، بل هو منصوب بفعل مقدر،
فالذي ولي «لا» إنما هو ذلك الفعل المحذوف، لا الاسم النكرة (3). والذي قاله الشيخ ظاهر لكن قد يعتذر عن المصنف [2/ 145] بأن (مرحبا) قد ولي «لا» لفظا، فاحترز عنه، لدخوله في كلامه المتقدم صورة. قال الشيخ: ولأنه أيضا قد خرج هذا بقوله: وقصد خلوص العموم باسم نكرة، وفي «لا مرحبا» لم يقصد ذلك باسم نكرة، فلم يندرج فيما قبله ليحترز عنه (4).
ومنها:
أن غير المصنف زاد في الشروط شرطا آخر، وهو أن لا يقع بين عامل ومعمول (5) نحو قولك: جئت بلا زاد، لأن ما ذكره المصنف من الأمور الموجبة للعمل موجود فيها، ومع ذلك لا يعمل، قلت: قد استغنى المصنف عن ذكر ذلك بقوله: ودخول الباء على «لا» يمنع التركيب غالبا (6)، بل أفاد بقوله:«غالبا» أنها -
(1) شرح التسهيل للمصنف (2/ 64).
(2)
سورة ص: 59.
(3)
التذييل (2/ 841).
(4)
التذييل (2/ 841).
(5)
ينظر التصريح (1/ 236).
(6)
في الكتاب (2/ 302): «واعلم أن لا قد تكون في بعض المواضع بمنزلة اسم واحد هي والمضاف إليه ليس معه شيء، وذلك نحو قولك: أخذته بلا ذنب، وأخذته بلا شيء، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد، والمعنى معنى ذهبت بغير عتاد، وأخذته بغير ذنب، إذ لم ترد أن تجعل غيرا شيئا أخذه به يعتد به عليه. اه. من هذا النص يتبين لنا أن سيبويه يجعلها في هذه الحالة - أي إذا دخل عيها جار - بمعنى «غير» مضافة لما بعدها، وهذا مذهب الكوفيين. ينظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل (1/ 141)، والأزهية للهروي (ص 160).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد تعمل مع دخول الباء فكأن ما فعله أولى (1).
ومنها:
أن المصنف وقع في كلامه المتقدم أن «لا» لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات فقال الشيخ: إن «لا» ليست لتأكيد النفي، بل لتأسيس النفي إذ لم تدخل على شيء منفيّ، فأكدت، إنما استفيد النفي منها، بخلاف «إنّ» فإنها لتأكيد الإثبات كما قال. انتهى (2)، والذي قاله المصنف هو الجاري على الألسنة، فلا تزال تسمع قولهم:«إنّ» لتوكيد الإثبات، و «لا» لتوكيد النفي، والذي يظهر أن «لا» هذه لما كانت تفيد عموم النفي نصّا دون غيرها تخيل فيها كأنها
بعد إفادة النفي المحتمل للعموم أفادت بهذا العمل الخاص، النفي العام صريحا، ودفعت الاحتمال الذي كان، فمن ثم قيل: إنها لتأكيد النفي.
ومنها:
أنهم ذكروا أن عمل «لا» عمل «إنّ» هو فرع فرع (3)، لأنها حملت على «إن» فهي فرع، وإنّ حملت على ضرب زيدا عمرو، فإن فرع، وضرب زيدا عمرو، فرع (ضرب عمرو زيدا)(4).
ومنها:
أن المشهور أن الموجب لعمل «لا» شبهها (5) بإنّ كما تقدم، والمصنف قد ذكر ذلك، ولكنه قدم قبله أن «لا» إنما عملت هذا العمل لأنها اختصت بالاسم، لما قصد بها عموم النفي، فوجب لها العمل للاختصاص، وامتنع العمل أن يكون جرّا أو رفعا كما ذكره، فتعين أن يكون نصبا. وعلى هذا لا يكون عملها بالحمل على «إنّ» ، -
(1) جعل ابن هشام عمل «لا» حينئذ شاذّا، يقول:«وشذ جئت بلا شيء بالفتح» . اه. أوضح المسالك (1/ 103)، وينظر الأشموني (2/ 4).
(2)
التذييل والتكميل لأبي حيان (2/ 839).
(3)
ينظر الإنصاف (1/ 367)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 257).
(4)
ذكر الرضي في شرح الكافية (1/ 257)، أنه قد ضعف عمل «لا» بسبب هذه المشابهة بينها وبين «إن» ، يقول: وعملها مع هذه المشابهة المذكورة ضعيف لوجهين: أحدهما أن أصلها التي هي «إنّ» إنما تعمل لمشابهتها الفعل لا بالأصالة، فهى مشبهة بالمشبهة، والثاني: أن الظاهر أن بين «إن» ولا التبرئة تنافيا وتناقضا لا مشابهة. اه.
(5)
ينظر شرح الأشموني (2/ 2 - 3).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحق أن عمل «لا» يجوز أن يعلل بكل من الأمرين على انفراده، والمصنف قد جمع منهما، لا على أن كلّا منهما جزء علة، بل على أنه مستقل بالعلية.
ومنها:
أنهم اختلفوا في علة بناء المفرد مع «لا» ، فقال قائلون: العلة في ذلك تضمن الاسم معنى «من» ، وقال قائلون: العلة فيه التركيب (1)، وهذا ظاهر كلام المصنف فإنه قال في شرح الكافية: فإن كان مفردا بني معها على الفتح تشبيها بخمسة عشر (2). وأما التعليل الأول، فهو اختيار ابن عصفور (3)، وهو غير ظاهر، فإن الاسم من قولنا «لا رجل» لم يتضمن «من» ، ولهذا رد ابن الضائع قول ابن عصفور، وقال: لم يتضمن الاسم معنى [2/ 146]«من» والذي
يظهر أن معنى «من» مفهوم من مجموع الكلمتين لا من كل منهما بمفرده، فالمتضمن لمعنى «من» إذا إنما هو «لا» مع «رجل» في قولنا: لا رجل (4) ثم قوى ابن الضائع البناء للتركيب بشيء آخر وهو بناء الاسم مع صفته، وجعل ابن هشام البناء للتركيب مذهب سيبويه (5) والجماعة، فقال: مذهبهم أن العرب ركبت «لا» مع الاسم، وجعلتهما كلمة واحدة، فبنوا الاسم للتركيب كخمسة عشر. ودليل ذلك أنه إذا فصل بينهما أعربوا الاسم نحو: لا في الدار رجل ولا امرأة، وأن قوما من الحجاز يقولون: لا رجل أفضل من زيد، في التزام التنكير، وترك تقديم الخبر وعدم الفصل، وأن المعنى استغراق الجنس، وقد أعربوا، لكنهم لم يقصدوا التركيب، وفيها معنى (6)«من» في هذه المواضع كلها لأنها تعطي الاستغراق.
ومنها:
أن المصنف ذكر أن الصحيح في نحو: -
(1) ينظر أوضح المسالك (1/ 105)، والمغني (1/ 238)، والإنصاف (1/ 367).
(2)
ينظر الكافية الشافية (1/ 522) بتحقيق د/ عبد المنعم هريدي.
(3)
واختاره الرماني في معاني الحروف (ص 81)، وينظر رأي ابن عصفور في شرح الجمل له (2/ 217)، رسالة بجامعة القاهرة.
(4)
ينظر التذييل (2/ 842)، والهمع (1/ 146)، والتصريح (1/ 240).
(5)
ينظر الكتاب (2/ 274 - 276).
(6)
ينظر التصريح (1/ 204).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
1063 -
…
ولا لذات للشيب (1)
جواز الفتح والكسر، وذكر أن ابن عصفور أوجب الفتح، والذي ذكره عنه هو الذي أورده في المقرب (2)، ولكنه ذكر في شرح الجمل خلاف ذلك، فإنه قال: فإن دخلت على جمع سلامة بالألف والتاء مثل أذرعات، ففيها خلاف، فمن قال إن الحركة في:«لا رجل» حركة إعراب يقول في النصب هنا: لا أذرعات بالكسر أي بغير تنوين ومن قال: إنها حركة بناء يقول: لا أذرعات بالفتح، ولا يجوز الكسر، لأن الحركة ليست عنده لأذرعات خاصة، وإنما هي لأذرعات و «لا» ، وهذا الذي قال باطل، ثم قال: والكسر هو الصحيح، وبه ورد السماع، وأنشد البيت الذي فيه:«ولا لذات للشيب» . وقال: فإنه روي بكسر التاء من «لذات» (3).
وقد تضمن شرح الشيخ ذكر أربعة مذاهب في هذه المسألة:
أحدها: الكسر مع التنوين، وهو مذهب ابن خروف، وقوم من النحويين سبقوه إلى ذلك.
الثاني: الكسر بلا تنوين وهو مذهب الأكثرين.
الثالث: الفتح وهو مذهب المازني والفارسي.
الرابع: جواز الكسر والفتح من غير تنوين في الحالين. قال الشيخ: وهو الصحيح وبه ورد السماع (4). انتهى.
فقد ثبت أن الأصح من هذه المذاهب جواز الوجهين، وهو الذي ذكره المصنف وأنه هو الصحيح.
ومنها:
أنك قد عرفت أن المصنف خالف سيبويه، فجعل «لا» عاملة في الخبر إذا ركب الاسم معها، كما أنها عاملة فيه إذا لم يكن تركيب - قال الشيخ: -
(1) تقدم.
(2)
ينظر المقرب (1/ 190)، وفيه: فإن كان مفردا أو جمع تكسير أو جمع سلامة بالألف والتاء بني معها على الفتح وحذف التنوين، فتقول: لا رجل في الدار، ولا غلمان لزيد ولا هندات لك. اه.
(3)
شرح الجمل لابن عصفور (2/ 219).
(4)
التذييل (2/ 844 - 848).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا الذي اختاره (1) يعني المصنف هو مذهب الأخفش والمازني (2) وأبي العباس، وجماعة ذهبوا إلى أن «لا» هي العاملة في الخبر الرفع إجراء لها مجرى «إنّ» ، وذهب غيرهم من النحويين إلى أنها لم تعمل في الخبر شيئا، بل النكرة مع «لا» العاملة [2/ 147] فيها في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر للابتداء، كما أن النكرة مع «من» في قولك:«هل من رجل قائم» في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للمبتدأ (3).
وهذا المذهب هو الظاهر من كلام سيبويه وهو الصحيح، والدليل على ذلك أنه يجوز أن يحمل جميع توابعها (4) قبل أن يأتي الخبر (5)، كما يجوز أن تحمل توابع النكرة المجرورة (بمن) في قولك: هل من رجل في الدار على الموضع قبل الخبر.
فتقول: (لا رجل عاقل في الدار)، و (لا رجل وامرأة في الدار)، كما تقول: (هل من رجل عاقل في الدار وهل من رجل
وامرأة في الدار) فلولا أنها مع «لا» محكوم لها بحكم اسم مبتدأ، لما جاز الحمل على الموضع قبل الخبر كما لم يجز الحمل على موضع «إنّ» قبل الخبر وثمرة الخلاف تظهر في نحو: قولك: (لا رجل وامرأة قائمان)، فعلى مذهب الأخفش، لا يجوز ذلك، لأنه يؤدي إلى إعمال عاملين في معمول واحد لأن لا هي العاملة في الخبر على رأيه، فإذا قلت:(لا رجل وامرأة عاقلان)؛ كان عاقلان قد عمل فيه «لا» من حيث هو خبر لاسمها. وتعمل فيه امرأة من حيث هو خبرها، ولا يجوز ذلك، وعلى المذهب الآخر يجوز لأنهما اسمان مبتدآن معطوف أحدهما على الآخر، كما تقول زيد وعمرو قائمان.
وأما إذا كان الخبر مما يصلح أن يكون لأحدهما نحو قول الشاعر (6): -
(1) في (ب)(أجازه).
(2)
سبقت ترجمته. وانظر بغية الوعاة (1/ 463)، تحقيق/ محمد أبو الفضل والزبيدي (ص 92)، ومعجم الأدباء (7/ 107)، والمدارس النحوية (ص 115).
(3)
التذييل (2/ 850).
(4)
زاد في (ب)(على الموضع).
(5)
في التذييل (يجوز أن يحمل جميع توابعها على الموضع قبل أن تأتي بالخبر).
(6)
هو أمية بن أبي الصلت. قاله في وصف أحوال أهل الجنة، واسمه عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي حكيم دخل الإسلام ثم ارتد بعد أن قتل ابنا خال له في بدر.
ينظر الخزانة (1/ 119).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
1064 -
فلا لغو ولا تأثيم فيها (1)
ففيها خبر عن الاسمين على ظاهر قول سيبويه، وخبر عن أحدهما، وخبر الآخر محذوف على قول أبي الحسن. انتهى (2). واعلم أن الاستدلال للمذهب المنسوب إلى سيبويه بجواز حمل التوابع على الموضع قبل الخبر، لم يظهر لي وجه صحته، فإن حمل التابع على الموضع جائز قبل الخبر، إذا كان اسم «لا» غير مركب معها أيضا، ولا شك أن «لا» عاملة حينئذ في الخبر إجماعا، فدل ذلك على أن حمل التوابع على الموضع قبل الخبر، لا أثر له في كون لا غير عاملة في الخبر (3) وإذا لم يتبين صحة الدليل الذي ذكره ثم الدليل الذي ذكره المصنف.
ومنها:
أن المصنف قصر خلاف المبرد على المثنى حيث قال: ولا عمل للا في لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها، خلافا للمبرد، والمبرد كما خالف في المثنى خالف في المجموع على حده (4)، قال ابن عصفور: فإن كان مثنّى أو مجموعا جمع سلامة لمذكر فاختلف النحويون فيه، فمذهب سيبويه أنه مبني ومذهب أبي العباسي المبرد أنه معرب.
انتهى (5). ومن ثم قال الشيخ: «في عبارة المصنف قصور، لأنه قصر هذا الحكم على المثنى، والخلاف في الجمع الذي على حد التثنية كالخلاف في التثنية» (6). -
(1) صدر بيت من الوافر وعجزه:
وما فاهوا به أبدا مقيم
وينظر في شرح الألفية لابن الناظم (ص 72)، وحاشية الخضري (1/ 144)، برواية:«ولا حين ولا فيها مليم» في الشطر الثاني.
وينظر أيضا شرح ابن عقيل بحاشية الخضري (1/ 144)، وأوضح المسالك (1/ 107)، والتذييل (2/ 852)، وشذور الذهب (ص 123)، والتصريح (1/ 241)، وشرح الأشموني (2/ 11)، والخزانة (2/ 283)، واللسان (سهر)، وديوان أمية (ص 54)، والعيني (2/ 346).
والشاهد قوله: (فلا لغو ولا تأثيم فيها) حيث وقع قوله «فيها» خبرا عن الأسبق لصلاحيته لكل منهما.
وهذا على رأي سيبويه، أما على رأي الأخفش فهو خبر لأحدهما وخبر الآخر محذوف.
(2)
التذييل (2/ 850 - 852).
(3)
ينظر الهمع (1/ 146).
(4)
ينظر رأي المبرد في المقتضب (4/ 366)، وهو موافق لما ذكره ناظر الجيش عنه هنا.
(5)
شرح الجمل لابن عصفور (2/ 218 - 219).
(6)
التذييل (2/ 859).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنها:
أنك عرفت أن في نحو: «لا أبا لك» مذهبين للنحويين، وقد ذكر الشيخ مذهبا ثالثا: وهو أن: (لا)(1) أبا لك، ولا أخا لك - إنما جاء على لغة القصر فقولنا: لا أبا لك، كقولنا: لا أب لك (2). ولا يخفى ضعف هذا القول لأمرين [2/ 148].
أحدهما: أن نحو «لا أبا لك» يتكلم به من ليس لغته قصر الأسماء المذكورة.
الثاني: قول الشاعر:
1065 -
فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا (3)
وهذا ظاهر، فإذا لا معول على هذا المذهب، بل لا ينبغي ذكره. واعلم بأن قول المصنف فيما تقدم والخاء إشعارا بأنها متصلة بالباء تقديرا إلى آخره فيه نظر لأنه لا يلزم كسر ما قبل ياء المتكلم إلا إذا فضل بها لفظا.
وأما قوله: (فإن اللام لا اعتداد بها) فصحيح من حيث المعنى، وأما من حيث اللفظ فيجب أن يعتد بها، ولا شك أن اللام هى الجارة للضمير لفظا، وقد أوردوا هذا سؤالا فقالو: إذا كان الأب من قولهم: «لا أبا لك» مضافا لما بعده، فكيف ساغ للعرب أن تقول: لا أبا لي بإثبات الألف، ولا أخا لي. قال الأعشى (4):
1066 -
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة
…
وإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا (5)
-
(1) من النسخة (ب).
(2)
التذييل (2/ 70)، وفيه أن هذا مذهب الفارسي في أحد قوليه، وأبي الحجاج. وينظر الإيضاح للفارسي (ص 243 - 244).
(3)
تقدم.
(4)
اختلف في نسبة هذا البيت، فقيل إنه منسوب إلى عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب، كما في الكامل للمبرد، وهو في ديوانه (ص 89)، ونسب في شرح الشواهد للسيوطي إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يخاطب ابن الحسين بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. ونسب في الأغاني للأبيرد الرياحي كما نسب أيضا إلى جرير، وهو ديوان (ص 605).
(5)
البيت من الطويل وهو في التذييل (2/ 881)، والنقائض (ص 164)، وشرح شواهد المغني (2/ 555)، والأغاني (13/ 127)، والكامل (1/ 125)، وسمط اللآلي (289)، والتنبيهات (ص 141). ويروى البيت برواية أخرى هي:
أأنت أخي ما لم تكن بي حاجة
…
فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
وبرواية: (فإن عرضت يوما فلست أبا ليا) ولا شاهد على هذه الرواية. -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال آخر (1):
1067 -
وذي أخوّة قطّعت أسباب بينهم
…
كما تركوني مفردا لا أخا ليا (2)
والأب والأخ إذا أضيفا إلى ياء المتكلم لم ترد فيه اللام المحذوفة؟
والجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت أبي، إنما هو ما يلزم في ذلك من نقل التضعيف (3) في ياء
المتكلم، لأجل الإدغام، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام، أمن التضعيف المستقل فأعادوا اللام المحذوفة كما يعيدوها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم.
ومنها:
أن المصنف لم يفرق فيما نقله عن يونس من جواز الفصل بين الظرف الناقص والتام وفي كتاب سيبويه أن يونس يفرق بينهما. فالناقص يجيز الفصل به في فصيح الكلام، وكأنه عنده لما لم يستقل به الكلام لم يؤثر، والتام لا يجيز الفصل به. ورد سيبويه بأنك لم تفرق بين الناقص والتام في الفصل بين «إن» واسمها، ولا في باب «كان» . ألا ترى أنك تقول إن عندك زيدا مقيم، وإن اليوم زيدا مسافرا، وكان عندك زيد مقيما، وكان اليوم زيدا مسافرا. وأجاز سيبويه الفصل بجملة الاعتراض، نحو: لا أبا أعلم لك (4).
ومنها:
أنك قد علمت أن المصنف قال: والوجه عندي في لا أبا لك: أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، يعني أن «أبى» في لا أباك فعل ماض، وفاعله ضمير يرجع إلى الاسم الذي قبله في قوله: -
- والشاهد قوله: (لا أبا ليا) حيث أثبتت الألف مع أن الأب مضاف إلى ياء المتكلم.
(1)
هو صخر بن عمرو الحارث بن الشريد الرياحي السلمي من بني سليم بن منصور من قيس عيلان أخي الخنساء الشاعرة. ينظر جمهرة الأنساب (ص 249).
(2)
البيت في التذييل (2/ 882)، وشرح ديوان الحماسة (3/ 111).
والشاهد قوله: لا أخا ليا فقد أثبتت الألف في (أخ) مع أنه مضاف إلى ياء المتكلم.
(3)
أورد هذا التساؤل وأجاب عنه بنفس هذه الإجابة أيضا الشيخ يس في حاشيته على التصريح (1/ 236).
(4)
الكتاب (2/ 280 - 281).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
1068 -
أبالموت الّذى لا بدّ أنّي ملاق
وضمير المصدر المفهوم من قول الآخر:
1069 -
وقد مات شمّاخ
…
البيت
فقال الشيخ: الذي ذكره النحويون: أن اللام المحذوفة مقدرة، وإن كانت إذا أتي بها مقحمة زائدة لأنهم لما استعملوها في حال الإضافة إصلاحا [2/ 149] للفظ، ورفضوا ترك الإتيان بها، وإن كان الأصل، صار الإتيان بها كأنه الأصل، فلما اضطر الشاعر إلى إسقاطها قدرها ونواها لذلك، وإذا كانت مقدرة وجب أن يكون خفض الضمير بها، لا بالإضافة، لأن المنوي المقدر بمنزلة الثابت الملفوظ به، ومما يبين أن اللام منونة مقدرة قولهم:(لا أباي) حكاه ابن طاهر، ألا ترى أن اللام لو لم تكن مقدرة لقالوا: لا أبيّ، كما قالوا: فيّ فلما لم يكسروا الباء في أباي دل ذلك على أن الكسرة التي توجبها ياء المتكلم ليست في اللام المردودة، وإنما هي في اللام المحذوفة المقدرة. قال: وتأويل المصنف فاسد لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن العرب قالت: لا أباك حيث لم يذكر موتا فلا يكون دعاء بالموت قال ابن الدمينة: -
1070 -
فقلت لها لا أباك هلّا غررتني
…
لديها فقد حانت عليّ ذنوب (1)
قال: فليست هنا للدعاء بالموت.
ثانيها: أن العرب حذفت من الكلمة الهمزة كما في هذا البيت، ثم إنهم حذفوا مع الهمزة أيضا الألف، فقالوا: لاب شانيك، وبدون «لا» أبا لشانيك ولو كان هذا فعلا ماضيا، لم يجز حذف ذلك منه، وإنما جاز كثرة الحذف في أب لك لكثرة دوره على ألسنتهم.
ثالثها: يدل على أن أبا اسم لا فعل جر ما بعده في قولهم: لاب شانيك، وقولهم: لا أباي، فلو كان فعلا ماضيا لقال: لا أباني. انتهى (2). -
(1) البيت في التذييل (2/ 888)، وديوانه (ص 105)، برواية:(فقلت له: لا أباك هلا عذرتني) ولا شاهد على هذه الرواية.
والشاهد قوله: (لا أباك) حيث ذكره دون أن يذكر موت فدلّ على أنه ليس دعاء بالموت.
(2)
التذييل (2/ 887 - 888).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولقائل أن يجيب عن المصنف بأنه لم يدع ذلك على الإطلاق، بل إنما ادعاه في البيتين اللذين أنشدهما، ولكن قد يقول الشيخ إن مقتضى تخريج المصنف لهذين البيتين على ما ذكره أنه يدعي ذلك في كل ما ورد وعلى هذا يتم كلام الشيخ.
ومنها:
أن الشيخ بحث مع المصنف في قوله: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل فينزع تنوينه، وإنشاده:
1071 -
أراني ولا كفران لله آية
…
لنفسي قد طالبت غير منيل (1)
مستدلّا به على ما ذكر، فقال الشيخ: إن هذا الذي ذكره خلاف مذهب الجمهور، وأن ابن كيسان يرى في مثل ذلك التنوين وترك التنوين، وأن ترك التنوين عنده أحسن. وذكر عنه تعليلا غير ما ذكره المصنف من حمله أعني المطول على المضاف، قال: فالمصنف لم يأخذ بمذهب الجمهور، لأنهم لا يجيزون ذلك. ولم يأخذ بمذهب ابن كيسان، فإن الأحسن عنده ترك التنوين (2). والمصنف قال: وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل. فدل كلامه على قلة ذلك، قال: وأما البيت الذي أنشده عن أبي علي فيخرج على أن آية فيه منصوب بمحذوف يدل عليه:
لا كفران بالله، أي لا أكفر آية لنفسي، ودل على هذا المحذوف ما قبله. كما خرجوا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (3) أي لا عاصم يعصم اليوم [2/ 150]، وأبو علي إنما منع تقدير عامل بناء على مذهبه من أنه لا يجوز الاعتراض بجملتين (4)، ولكن الأصح جوازه (5). انتهى.
والذي يظهر أن المصنف لم يعرج على مذهب ابن كيسان في هذه المسألة، والدليل عليه أن ابن كيسان جعل نزع التنوين لأجل البناء وتركب الاسم مع «لا» وكأنه يقطع النظر عن المعمول المذكور بعد اسم «لا» فيصير للاسم العامل حكم الاسم المفرد (6)، -
(1) تقدم.
(2)
ينظر الهمع (1/ 147).
(3)
سورة هود: 43.
(4)
لمراجعة مذهب أبي علي الفارسي ينظر الشيرازيات (332).
(5)
التذييل (2/ 891).
(6)
لمراجعة رأي أبن كيسان ينظر ابن كيسان وآراؤه في النحو واللغة (215). رسالة بجامعة عين شمس، والهمع (1/ 147).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمصنف لم يجنح إلى هذا التعليل، بل لا يرتضيه لضعفه، وإنما العلة عنده تشبيه المطول بالمضاف لتعلق الاسم الأول بعده في الموضعين (1)، وهو تعليل حسن وعلى هذا لا تتوجه مؤاخذة الشيخ للمصنف، وأقول: إن في النفس ركونا إلى هذه المسألة، أعني أن يعامل المطول في نزع التنوين معاملة المضاف في ذلك لشبهه به، وعليه الآية الشريفة: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (2)(3) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا مانع لما أعطيت» (4) ومنه قول الحماسي:
1072 -
لا جزع اليوم على قرب الأجل (5)
وهذا كثير. وتقدير العامل في ذلك على خلاف الأصل.
واعلم أن الشيخ ختم الكلام على هذا الفصل بمسألة: وهي أن الاسم المركب من قبيل المشبه بالمضاف من جهة أنه لا يجوز تركيبه مع «لا» وجعلهما كاسم واحد، لما يلزم من تركيب ثلاثة أشياء، فإذا قلت لا خمسة عشر لك، فخمسة عشر في موضع نصب بلا، وليس مركبة مع «لا» والفتحة التي في «راء» عشر هي الفتحة التي كانت فيها قبل دخول «لا» عليها، وليست حادثة بسبب «لا» ومما يبين ذلك أنك لو أدخلت «لا» على عمرو به على حد دخولها على هيثم في قوله:
1073 -
لا هيثم اللّيلة للمطيّ (6)
-
(1) ينظر شرح الرضي على الكافية (1/ 257)، والهمع (147).
(2)
سورة هود: 43.
(3)
ينظر شرح الرضي على الكافية (1/ 357).
(4)
حديث شريف أخرجه البخاري في (1/ 139)، (8/ 61، 107)، (9/ 78)، وصحيح مسلم (593)، وأبو داود (2/ 145).
(5)
شطر بيت من بحر الرجز المشطور لم أهتد إلى قائله.
(6)
رجز لم يعلم قائله وبعده:
ولا فتى مثل ابن خبيري
وينظر في الكتاب (2/ 296)، والمقتضب (4/ 362)، والأمالي الشجرية (1/ 329)، وابن يعيش (2/ 102، 103)، (4/ 123)، والمفضل في شرح أبيات المفصل (ص 76)، والتذييل (2/ 94)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 361)، والهمع (1/ 361)، والهمع (2/ 145)، والدرر (1/ 124)، والأشموني (2/ 4)، والخزانة (2/ 18).
اللغة: هيثم: اسم رجل كان حسن الحداء، وقيل كان حسن الرعية، وقيل هو هيثم بن الأشتر الأسدي.
والشاهد في البيت قوله: (لا هيثم) حيث عملت لا في اسم معرفة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لقلت: لا عمرو به، فأبقيت الاسم على كسرة، ولم تفتح الآخر بسبب «لا» . انتهى.
ومما يتعين ذكره والإشارة إليه في هذا المكان: الكلام على إعراب كلمة الحق وهي: لا إله إلا الله:
فنقول: اعلم أن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع، وهو الكثير. ولم يأت في القرآن غيره، وقد ينصب، أما إذا رفع، فالأقوال فيه للناس على اختلاف إعرابهم خمسة، منها قولان معتبران، وثلاثة أقوال لا معول على شيء منها.
أما القولان المعتبران: فأن يكون على البدلية (1)، وأن يكون على الخبرية (2).
أما القول بالبدلية: فهو المشهور الجاري على ألسنة المعربين وهو رأي المصنف، فإنه قد قال فيما تقدم لما تكلم على حذف الخبر: وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلّا» نحو لا إله إلا الله (3). وهذا الكلام يدل على أن رفع الاسم المعظم ليس على الخبرية، وحينئذ يتعين كونه على البدلية، ثم الأقرب أن يكون البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر (4). وقد قيل: إنه بدل اسم «لا» باعتبار عمل الابتداء [2/ 151] يعني باعتبار محل الاسم قبل دخول «لا» (5).
وإنما كان القول بالبدل (6) من الضمير المستتر أولى لأن الإبدال من الأقرب أولى من الإبدال من الأبعد، ولأنه لا داعية إلى اتباع باعتبار المحل مع إمكان الاتباع باعتبار اللفظ، ثم البدل إن كان من الضمير المستكن في الخبر كان البدل فيه نظير البدل في نحو: ما قام أحد إلا زيد لأن البدل في المسألتين باعتبار اللفظ، وإن كان -
(1) التذييل (2/ 894).
(2)
ينظر الأجوبة المرضية للراعي الأندلسي (ص 58 - 59)، وأوضح المسالك (1/ 184).
(3)
ينظر شرح اللمع لابن برهان (ص 84)، والمغني (2/ 572)، وقد رد فيه ابن هشام هذا القول فقال: وقول بعضهم في «لا إله إلا الله» إن اسم الله تعالى خبر لا التبرئة، ويرده أنها لا تعمل إلا في نكرة منفية، واسم الله معرفة موجبة. اه.
(4)
ينظر حاشية الصبان (2/ 17).
(5)
ينظر حاشية الصبان (2/ 17)، ومغني اللبيب (2/ 573)، والهمع (1/ 147)، وإملاء ما منّ به الرحمن (1/ 71 - 72)، في إعراب قوله تعالى «وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» .
(6)
علل ابن الحاجب كون البدل باعتبار المحل هنا، فقال:«وإذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع مثل: ما جاءني من أحد إلا زيد، ولا أحد فيها إلا عمرو، وما زيد شيئا إلا شيء، لأن «من» لا تزاد بعد الإثبات، و «ما» و «لا» ، لا تقدران عاملتين بعد الإثبات لأنهما عملتا للنفي وقد انتقض النفي بإلا. اه.
شرح الكافية للرضي (1/ 237)، وينظر المنصف من الكلام على مغني ابن هشام (2/ 229).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من اسم «لا» كان البدل فيه نظير البدل في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، لأن البدل في المسألتين باعتبار المحل، وقد استشكل الناس البدل فيما ذكرنا، أما في نحو: ما قام أحد إلا زيد فمن جهتين:
إحداهما: أنه بدل بعض، وليس ثم ضمير يعود على المبدل منه.
الثاني: أن بينهما مخالفة، فإن المبدل موجب، والمبدل منه منفي.
وقد أجيب عن الأول: بأن «إلا» وما بعدها من تمام الكلام الأول و «إلا» قرينة مفهمة أن الثاني قد كان يتناوله الأول، فمعلوم أنه بعض، فلا يحتاج فيه إلى رابط (1)، بخلاف نحو: قبضت المال (2) بعضه.
وعن الثاني: بأنه بدل من الأول في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية، لأن مذهب أهل البدل فيه أن يجعل الأول كأنه لم يذكر، والثاني في موضعه (3) وقد قال ابن الضائع (4): اعلم أن البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه، فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فإلا زيد هو البدل، وهو الذي يقع موقع أحد قال: والإ زيد هو الأحد الذي نفيت عنه القيام، فالإ زيد بيان للأحد الذي عنيت، ثم قال بعد ذلك: فعلى هذا البدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل. وقال في موضع آخر:
لو قيل إن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الأبدال التي تبينت في غير الاستثناء، لكان وجها وهو الحق (5). انتهى.
وأما في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، فوجه الإشكال فيه أن زيدا بدل من أحد، -
(1) ينظر مغني اللبيب (2/ 573)، والمنصف من الكلام (2/ 230)، وروح المعاني للألوسي (7/ 270).
(2)
لأنه لا رابط فيه إلا الضمير فاحتيج إليه. ينظر شرح الدماميني على المغني (1/ 153)، وأما ما قبله فقرينته الاستثناء، المتصل أفادت أن المستثنى بعض المستثنى منه، شرح الرضي (1/ 233).
(3)
في شرح الرضي على الكافية (1/ 233): «قال ثعلب: كيف يكون بدلا والأول مخالف الثاني في النفي والإيجاب، والجواب: أنه لا منع مع الحرف المقتضى لذلك كما جاز في الصفة نحو: مررت برجل لا ظريف ولا كريم. جعلت حرف النفي مع الاسم الذي بعده صفة لرجل والإعراب على الاسم كذلك يجعل في نحو: ما جاء القوم إلا زيد، قولنا (إلا زيد) بدل، والإعراب على الاسم. اه.
وينظر شرح الجمل لابن بابشاذ (1/ 372).
(4)
سبقت ترجمته.
(5)
ينظر الهمع (1/ 224).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنت لا يمكنك أن تحله محله، وقد أجاب الشلوبين عن ذلك بأن هذا الكلام إنما هو على توهم: ما فيها أحد إلا زيد (1). انتهى وهو جواب حسن.
ولابن عصفور في هذه المسألة كلام كأنه ادعى عدم تقرير السؤال من أحد، وقرر الكلام في المسألة على وجه آخر (2)، وكأنه يقصد الرد على الشلوبين، وقد ذكرت ذلك في باب المستثنى من هذا الكتاب، ونبهت على أن كلام ابن عصفور في المسألة المذكورة غير ظاهر، فليتأمله الواقف عليه (3).
وأما القول بالخبرية: فقد قال به جماعة، ويظهر لي أنه أرجح من القول بالبدلية، وقد ضعف القول بالخبرية بثلاثة أمور، وهي: أنه يلزم من القول بذلك كون خبر «لا» معرفة، و «لا» لا تعمل في المعرفة، وبأن الاسم المعظم مستثنى، والمستثنى لا يصح [2/ 152] أن يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليبين ما قصد بالمستثنى منه، وبأن اسم «لا» عام والاسم المعظم خاص، والخاص لا يكون خبرا عن العام، لا يقال الحيوان إنسان (4). والجواب عن هذه الأمور: -
(1) في حاشية الصبان (2/ 146): «وهذا يمكن فيه الإحلال بأن يقال: ما فيها إلا زيدا» . اه. وقد ذكر الصبان تعقيبا على إجابة الشلوبين.
(2)
كلام ابن عصفور في المقرب (1/ 168) عن هذه المسألة هو: وإن كان منفيّا لفظا ومعنى؛ فإن كان الاسم الذي قبلها منصوبا بلا النافية جاز في الاسم الواقع بعدها أربعة أوجه، أفصحها النصب على الاستثناء أو رفعه بدلا على الموضع، ودونهما النصب على أن يكون إلا مع بعدها نفيا له على الموضع نحو قولك: لا رجل في الدار إلا زيدا برفع زيد ونصبه. اه.
(3)
تحدث ابن عصفور عن هذه المسألة في شرح الجمل له (1/ 293)(ط العراق) فقال: «واعلم أن كل شيء يبدل منه فلا يخلو أن يكون له لفظ وموضع أو لا، وقد تقدم ما له من الأسماء موضع خلاف لفظه، فإن لم يكن له موضع خلاف لفظه فالإتباع ليس إلا، إن كان له موضع خلاف لفظه جاز البدل على اللفظ والموضع إلا في موضعين فإنه لا يجوز البدل منهما إلا على الموضع خاصة:
أحدهما: أن تبدل الاسم الواقع بعد إلا من اسم مخفوض بحرف جر زائد لا يزاد إلا في النفي نحو ما جاء في من أحد إلا زيد بالرفع.
والآخر: أن تبدل الاسم المعرفة الواقع بعد «إلا» من الاسم المبني مع «لا» نحو: لا رجل في الدار إلا عمرو. على البدل من موضع لا رجل ولا يجوز النصب، لأن البدل على تقدير تكرار العامل، ولا تعمل في المعارف، فأما قولهم: لا رجل في الدار إلا عمرا، فعلى الاستثناء. اه.
(4)
أورد هذه الاعتراضات على القول بالخبرية الراعي الأندلسي في كتاب الأجوبة المرضية (ص 58 - 59)، وقال: إنها عن بعض شراح هداية الحنفية، وينظر الصبان (2/ 17).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما الأول: فهو أنك قد عرفت أن مذهب سيبويه أن «لا» حال تركيب الاسم معها لا عمل لها في الخبر، وأنه حينئذ مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول «لا» ، وقد علل ذلك بأن شبهها بإنّ ضعف حين ركبت، وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا يعمل (1)، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن أبقي عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ، والخبر بعدها على ما كان عليه قبل التجرد. وإذا كان كذلك، فلم يثبت عمل «لا» في المعرفة (2).
وأما الثاني: فلا نسلم أن اسم «لا» هو المستثنى منه وذلك لأن الاسم المعظم إذا كان خبرا كان الاستثناء مفرغا، والمفرغ هو الذي لم يكن المستثنى منه فيه مذكورا، نعم الاستثناء فيه إنما هو من شيء مقدر لصحة المعنى، ولا اعتداد بذلك المقدر أصلا. ولا خلاف يعلم في نحو: ما زيد إلا قائم، أن قائم خبر عن زيد، ولا شك أن «زيدا» فاعل في قولنا ما قام إلا زيد (3)، فعلى هذا لا منافاة بين كون الاسم المعظم خبرا عن اسم قبله، وبين كونه مستثنى من مقدر، إذ جعله خبرا منظور إلى جانب اللفظ، وجعله مستثنى منظور فيه إلى (4) جانب المعنى.
وأما الثالث: فهو أن يقال إن قولكم: إن الخاص لا يكون خبرا عن العام مسلم لكن في: «لا إله إلا الله» لم يخبر بخاص عن عام، لأن العموم منفي والكلام إنما سيق لنفي العموم، وتخصيص الخبر المذكور بواحد من أفراد ما دلّ عليه اللفظ (5) العام.
وأما الأقوال الثلاثة الأخرى: فأحدها: أن «إلا» ليست أداة استثناء، وإنما هي بمعنى غير، وهي مع الاسم المعظم صفة لاسم «لا» باعتبار المحل. ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني (6) عن بعضهم، والتقدير على هذا: لا إله غير الله في -
(1) الكتاب (2/ 274 - 275).
(2)
اعترض ابن هشام على هذا الجواب فقال: والذي عندي أن سيبويه يرى أن المركبة لا تعمل في الاسم أيضا، لأن جزء الشيء لا يعمل فيه، وأما:«لا رجل ظريفا» بالنصب فإنه عند سيبويه مثل «يا زيد الفاضل» بالرفع. اه. مغني اللبيب (2/ 573).
(3)
زاد في ب بعد قوله «ما قام إلا زيد» : «ومع أنه مستثنى من مقدر في المعنى التقدير ما قام أحد إلا زيد» .
(4)
ينظر حاشية الخضري (1/ 203).
(5)
ينظر المرقاة في إعراب لا إله إلا الله ورقة (74) لابن الصّائغ.
(6)
سبقت ترجمته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوجود (1)، وقد وقفت على كلام لبعض العلماء في تقدير ذلك ووجدته قد أطال ومزج كلام غير النحاة بكلام النحاة، وذكرنا مباحث مدخولة فأضربت عن ذكره، ولا شك بأن القول بأن «إلا» في هذا التركيب بمعنى غير، ليس له مانع يمنعه من جهة الصناعة النحوية، وإنما يمتنع من حيث المعنى، وذلك أن المقصود من هذا الكلام أمران، نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وإثبات الإلهية لله سبحانه، وهذا إنما يتم إذا كانت «إلا» فيه للاستثناء لأننا نستفيد النفي والإثبات بالمنطوق، أما إذا كانت «إلا» بمعنى غير فلا يفيد [2/ 153] الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن الله تعالى، وأما إثبات الإلهية لله سبحانه وتعالى فلا يفيده التركيب المذكور بوجه من الوجوه حينئذ، فإن قيل: يستفاد ذلك من المفهوم؛ قيل: دلالة المفهوم من دلالة المنطوق؟
ثم هذا المفهوم إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به (2) إذ لم يقبل به إلا الدقاق (3) وإن كان مفهوم صفة فقد عرفت في أصول الفقه أنه غير مجمع على ثبوته، فقد تبين ضعف هذا القول لا محالة.
والقول الثاني - وينسب إلى الإمام الزمخشري (4) -: أن «لا إله» في موضع الخبر، وإلا الله في موضع المبتدأ، وقد قرر ذلك بتقدير للنظر فيه مجال (5)، ولا يخفى ضعف هذا القول، وأنه يلزم منه أن الخبر يبنى مع «لا» وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ. ثم لو كان الأمر كذلك لم يجز نصب الاسم المعظم في هذا التركيب، -
(1) في المقتصد شرح الإيضاح للجرجاني (ص 736 - 8737): «قال الشيخ الإمام أبو بكر: اعلم أن حذف الخبر يكثر في النفي وذلك أنه يكون مبنيّا على كلام متقدم قد جرى فيه ذكر الخبر، كأنّ قائلا يقول: هل من طعام عندك فتقول: لا طعام. ولا تذكر «عندى» لأن تقدم ذكره في السؤال يغنيك عن إعادته، وعلى هذا قولك: لا إله إلا الله، لأنه في الأصل رد على الجاحد حتى كأنه يقول: هل لنا من إله غير الله؟ فتقول له: لا إله إلا الله. اه.
(2)
هو أبو الحسن بن الدقاق الأشبيلي النحوي سكن دمشق وشرح الجمل للزجاجي، ومات سنة (605 هـ) البغية (ص 346). وينظر المدرسة النحوية في مصر والشام (ص 135).
(3)
في روح المعاني (7/ 271): «واعتبار المفهوم غير مجمع عليه لا سيما مفهوم اللقب، فإنه لم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة» .
(4)
سبقت ترجمته.
(5)
للزمخشري رسالة في إعراب كلمة التوحيد، وقد نشرت هذه الرسالة في المجلد الخامس عشر من مجلة المجمع العلمي العراقي، تحقيق الدكتورة بهيجة باقر الحسني. ينظر رأي الزمخشري أيضا في المغني (2/ 573).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد جوزوه (1) كما سيأتي.
والقول الثالث: أن الاسم المعظم مرفوع «بإله» كما يرتفع الاسم بالصفة في قولنا: أقائم الزيدان، فيكون المرفوع قد أغنى عن الخبر وقد قرر ذلك بأن «إله» بمعنى مألوه من «أله» أي «عبد» (2)، فيكون الاسم المعظم مرفوعا على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل، واستغني به عن الخبر كما في نحو قولنا: ما مضروب العمران.
وضعف هذا القول غير خفي لأن «إلها» ليس وصفا، فلا يستحق عملا، ثم لو كان «إله» عاملا الرفع فيما يليه لوجب إعرابه وتنوينه، لأنه مطول إذ ذاك (3).
وقد أجاب بعض الفضلاء عن هذا بأن بعض النحاة يجيز حذف التنوين من نحو ذلك، وعليه يحمل قوله تعالى: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ (4)، [وقوله]: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (5)(6)، وفي هذا الجواب نظر: لأن الذي يجيز حذف التنوين في مثل ذلك يجيز إثباته أيضا، ولا نعلم أن أحد أجاز التنوين في لا إله إلا الله (7). هذا آخر الكلام على توجيه الرفع.
وأما النصب فقد ذكروا له توجيهين:
أحدهما: أن يكون على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر (8).
الثاني: أن يكون «إلا الله» صفة لاسم «لا» ، أما كونه صفة، فهو لا يكون -
(1) ينظر مغني اللبيب (2/ 573)، وروح المعاني للألوسي (7/ 271).
(2)
ينظر المفردات في غريب القرآن (ص 21)، كتاب الألف.
(3)
ينظر روح المعاني للألوسي (7/ 271).
(4)
سورة الأنفال: 48.
(5)
سورة يوسف: 92.
(6)
في الكشاف (1/ 307): «فإن قلت: هلا قيل: لا غالبا لكم، كما يقال: لا ضاربا زيدا عندنا؛ قلت: لو كان لكم مفعولا لغالب بمعنى غالب إياكم لكان الأمر كما قلت، لكنه خبر تقديره:
لا غالب كائن لكم». اه. وفي إملاء ما من به الرحمن (2/ 59): «لا يجوز أن يتعلق على «بتثريب» ولا نصب اليوم به، لأن اسم «لا» إذا عمل ينون». اه.
(7)
أجاز الزجاج التنوين في «لا إله إلا الله» إن وقعت في كلام غير القرآن الكريم، يقول في إعراب لا إله إلا الله: وإن قلت في الكلام لا إله إلا الله جاز. أما القرآن فلا يقرأ فيه إلا بما قد قرأت القراء به وثبتت الرواية الصحيحة. اه. (معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 333).
(8)
ينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (1/ 333).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا إن كانت إلا بمعنى غير، وقد عرفت أن الأمر إذا كان كذلك لا يكون الكلام وإلا بمنطوقة على إثبات الإلهية لله تعالى.
والمقصود الأعظم هو إثبات الإلهية لله تعالى بعد نفي الإلهية عن غيره وعلى هذا يمتنع هذا التوجيه، أعني كون «إلا الله» صفة لاسم لا (1).
وأما التوجيه الأول؛ فقالوا فيه: لم يرجح البدل، وكان حقه أن يكون راجحا لأن الكلام غير موجب، والمقتضي لعدم أرجحية البدل هنا أن الترجيح في نحو: ما قام القوم إلا زيد إنما كان لحصول المشاكلة، حتى لو جعلت المشاكلة في [2/ 154] تركيب استويا نحو: ما ضربت أحدا إلا زيدا فمن ثم قالوا: إذا لم تحصل مشاكلة في الإتباع كان النصب على الاستثناء أولى، قالوا: وفي هذا التركيب يترجح النصب في القياس، لكن السماع والأكثر الرفع (2)، ونقل عن الأبذي (3) أنك إذا قلت: لا رجل في الدار إلا عمرو، كان نصب إلا عمرا على الاستثناء أحسن من رفعه على البدل (4)، هذا ما ذكروه.
والذي يقتضيه النظر: أن النصب لا يجوز، بل ولا البدل أيضا، وتقرير ذلك أن يقال إلا في الكلام التام الموجب نحو: قام القوم إلا زيدا متمحضة للاستثناء، فهي تخرج ما بعدها مما أفاده الكلام الذي قبلها، وذلك أن هذا الكلام إنما قصد به الإخبار عن القوم بالقيام ثم إن زيدا منهم لو لم يكن شاركهم فيما أسند إليهم، فوجب إخراجه، وكذا حكم «إلا» في الكلام غير الموجب الذي هو تام أيضا نحو: ما قام القوم إلا زيدا، فإنها متمحضة فيه للاستثناء بغير ما قلناه في الموجب، وأما الكلام الذي هو غير تام فإلا مسوقة فيه لإثبات المنفي قبلها للمذكور بعدها نحو: ما قام إلا زيد، أعني أن المقصود منها ذلك، ومن ثمّ كان نحو هذا التركيب مفيدا للحصر، مع أنها للاستثناء أيضا، لأن المذكور بعد «إلا» ، لا بد أن يكون -
(1) ينظر روح المعاني للألوسي (7/ 371).
(2)
ينظر حاشية الصبان (2/ 144)، والتصريح (1/ 349)، وحاشية الخضري (1/ 204).
(3)
سبقت ترجمته.
(4)
لم يذكر ابن عصفور في هذا المثال في شرح الجمل إلا النصب على الاستثناء، يقول: فأمّا قولهم:
لا رجل في الدار إلا عمرا، فعلى الاستثناء. اه.
(شرح الجمل له (1/ 293) ط العراق، وينظر الهمع (1/ 224 - 225).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مخرجا، فيتعين تقدير شيء قبل «إلا» ليصبح الإخراج منه، لكن إنما أحوج إلى هذا التقدير تصحيح المعنى.
فتبين من هذا الذي قلناه أن المقصود في الكلام الذي ليس بتام، إنما هو إثبات الحكم قبل «إلّا» لما بعدها، وأن الاستثناء ليس بمقصود (1)، ولهذا اتفق النحاة على أن المذكور بعد «إلا» في نحو:«ما قام إلا زيد» معمول للعامل الذي قبلها (2).
ولا شك أن المقصود من هذا التركيب الشريف أمران، وهما: نفي الإلهية عن كل شيء، وإثباتها لله تعالى كما تقدم، وإذا كانت «إلّا» مسوقة لمحض الاستثناء، لا يتم هذا المطلوب سواء نصبنا على الاستثناء أم أبدلنا، وذلك لأنه لا ينصب ولا يبدل إلا إذا كان الكلام قبل «إلا» تامّا، ولا يكون تامّا إلا إذا قدر خبر محذوف، وحينئذ ليس الحكم بالنفي على ما بعدها في الكلام الموجب، وبالإثبات عليه في غير الموجب مجمعا عليه، إذ لا يقول بذلك إلا من مذهبه أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ومن ليس مذهبه ذلك يقول:
إن ما بعد إلا مسكوت عنه، وإذا كان مسكوتا عنه، فكيف يكون قائل:
«لا إله إلا الله» موحدا؟.
فتعين أن تكون إلا في هذا التركيب مسوقة لقصد إثبات ما نفي قبلها لما بعدها، ولا يتم ذلك إلا أن يكون ما قبلها غير تام [2/ 155] ولا يكون غير تام إلا بأن «لا» يقدر خبر محذوف، وإذا لم يقدر خبر قبلها وجب أن يكون ما بعدها الخبر، وهذا هو الذي تركن إليه النفس، وقد تقدم تقدير صحة كون الاسم المعظم في هذا التركيب هو الخبر.
(1) في الأزهية للهروي (ص 174): «وتكون - أي إلا - تحقيقا وايجابا بعد الجحد كقولك: ما قام إلا زيد، وما في الدار الا زيدا» . اه.
وفي معاني الحروف للرماني (ص 127): «فإن فرغت ما قبل إلا لما بعدها عمل بقسطه من الإعراب، وذلك ما قام إلا زيد، وما رأيت إلا زيدا، وإلا إيجاب وليست استثناء لأنه ليس قبلها المستثنى منه. اه.
(2)
ينظر المغرب (1/ 167، 168)، وشرح الألفية لابن الناظم من (ص 119)، ورصف المباني (ص 86)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 106).