الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[251] باب بيان أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر
[قال الإمام في مقدمة تحقيقه على "الآيات البينات في عدم سماع الأموات"]:
اعلم أن هذه الرسالة وإن كان موضوعها في بيان حكم فقهي كما سترى، فذلك لا يعني-في اعتقادي-أنه لا علاقة لها بما هو أسمَى من ذلك وأعلى، ألا وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ودعاؤه تعالى دون سواه، ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر؛ ألا وهو دعاء الأولياء والصالحين وعبادتهم من دون الله- عز وجل جهلاً أو عنادًا، ولا ينحصر ذلك في الجهال منهم، بل يشاركهم في ذلك الكثير ممن ينتمي إلى العلم، بل وقد يظن الجماهير أنه من كبار العلماء! فإنهم يبررون لهم ذلك خطابةً وكتابةً بمختلف التبريرات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والأحزاب الإسلامية كلها-مع الأسف-لا تُعير لذلك اهتمامًا يذكر؛ لأنه يؤدِّى بزعم بعضهم إلى الاختلاف والتفرقة! مع أنهم يعلمون أن الأنبياء إنما كان أوَّل دعوتهم {أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطاغوت} (النحل: 36). وخيرهم من يسكت عن قيام غيره بهذا الواجب، ومن الظاهر أن ذلك الشيخ الذي ألَّف العلامة الآلوسى هذه الرسالة في الرد عليه كان منهم؛ ولذلك ثارت ثائرته حينما صرَّح المؤلف-رحمه الله-في درسه بأن الموتى لا يسمعون؛ لأنه يعلم أن ذلك ينافي ما عليه أولئك الجُهَّال من المناداة للأولياء والصالحين، ودعائهم من دون الله-عز وجل-وفي ظني أن المؤلف-رحمه الله-ما ألَّف هذه الرسالة إلا تمهيدًا للقضاء على هذه
الضلالة الكبرى، ألا وهي الاستغاثة بغير الله تعالى، على اعتبار أن السبب الأقوى الموجب لها عند من ضلَّ من المسلمين، إنما هو الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، فإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبقَ حينئذٍ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى.
فإني لا أكاد أتصور-ولا غيري يتصور-مسلمًا يعتقد أن الميت لا يسمع دعاء الداعية، ثم هو مع ذلك يدعوه، ومن دون الله يناديه، إلا أن يكون قد تمكنت منه عقيدة باطلة أخرى، هي أضل من هذه وأخزى؛ كاعتقاد بعضهم في الأولياء، أنهم قبل موتهم كانوا عاجزين، وبالأسباب الكونية مقيدين؛ فإذا ماتوا انطلقوا وتفلتوا من تلك الأسباب، وصاروا قادرين على كل شيء كربِّ الأرباب! ولا يستغربن أحد هذا ممن عافاهم الله تعالى من الشرك على اختلاف أنواعه؛ فإن في المسلمين اليوم من يصرِّح بأنَّ في الكون متصرفين من الأولياء دون الله تعالى ممن يسمونهم هنا في الشام بـ "المدَّرِّكين " وبـ"الأقطاب" وغيرهم، وفيهم من يقول:"نظرة مِن الشيخ تقلب الشقي سعيداً "! ونحوه من الشركيات.
قال العلامة السيد رشيد رضا في "تفسيره"(11/ 391) تحت قوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} (يونس: 49).
" أي لكن ما شاء الله من ذلك كان متى شاء، لا شأن لي فيه؛ لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين.
وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصدّ الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين-حتى الميتين منهم-على كل شيء من التَّصَرُّف في نفعهم وضرهم مما يجعله الله
تعالى من الكسب المقدور لهم بمقتضى سننه في الأسباب، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله؛ كالذين يُسَمُّونهم بالأقطاب الأربعة. وإنَّ بعض كبار علماء الأزهر في هذا العصر يكتب هذا حتى في مجلة الأزهر الرسمية (نور الإسلام)! فيفتي بجواز دعاء غير الله من الموتى والاستغاثة بهم في كل ما يعجزون عنه من جلب نفع، ودفع ضر.
وألَّف بعضهم كتابًا في إثبات ذلك (1)، وكونُ الميتين من الصالحين ينفعون ويضرون بأنفسهم، ويخرجون من قبورهم، فيقضون حوائج من يدعونهم ويستغيثون بهم! قال في "فتح البيان" (2) بعد نقله الأول في الاستثناء عن أئمة المفسرين وترجيحه ما نصه: " وفي هذا أعظم وازع، وأبلغ زاجر، لمن صار دَيْدَنُه وهِجِّيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه؛ وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقامُ رب العالمين، الذي خلقَ الأنبياءَ والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب مِن نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟ ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟! وحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} فكيف
(1) قلت: كأنه يشير إلى كتاب "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" للشيخ يوسف النبهاني؛ فإنه أزهري، وكانت وفاته في بيروت سنة 1350 هـ- 1932م، وقيل: إنه مات ودفن في بلدته إجزم شمالي فلسطين كما في "الأعلام" للأستاذ الزركلي. غير أن أخي الأستاذ زهير يصر على أنه مات في بيروت ودفن بمقبرة الباشورة. [منه].
(2)
(ج4 ص 225 - 226). [منه].
يَمْلُكُه غيرُه؟! وكيف يُمَلِّكُه غيرُه- ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته-لنفسه، فضلاً عن أن يُمَلِّكَه لغيره؟!
فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله-عز وجل! كيف لا يتيقَّظُون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله)، ومدلول {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ؟! وأعجب من هذا اطِّلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها؛ فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومُقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارةً على الاستقلال، وتارةً مع ذي الجلال، وكفاكَ عن شرٍّ سماعُه، واللهُ ناصر دينه، ومُطَهِّر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسَّل الشيطان-أخزاه الله-بهذه الذريعة إلى ما تَقَرُّ به عينُه، وينثلج به صدره؛ مِن كفرِ كثيرٍ من هذه الأمة المباركة {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (لكهف: 104).؛ "إنا لله وإنا إليه راجعون".
وقال السيد رشيد أيضاً تحت قوله تعالى: {دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (يونس: 22).
" وفي هذه الآية وأمثالها بيانٌ صريح لكون المشركين كانوا لا يَدْعون في أوقات الشدائد وتقطُّع الأسباب بهم إلا اللهَ ربهم، ولكن من لا يُحْصَى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين؛ كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا
يُحْصَى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سَدَنَهُ المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسُّل وغيره.
وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلونها، ربما تكررت في القطرين لتشابه أهلهما وأكثر مسلمي هذا العصر خرافاتهم، وملخصها: أن جماعة ركبوا البحر فهاج بهم حتى أشرفوا على الغرق؛ فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يا بدوي! وبعضهم يصيح: يا رفاعي! وآخر يهتف: يا عبد القادر يا جيلاني! .. الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعًا؛ فقال: يا ربّ أغرِقْ؛ ما بقى أحدٌ يعرفك! ". (11/ 338 - 339).
ثم ذكر في معنى الآية نحو ذلك عن الإمام الآلوسي والد المؤلف في "روح المعاني"، ثم قال الآلوسي:
"وظاهرُ الآية أنَّه ليس المراد تخصيص الدُّعاء فقط به سبحانه، بل تخصيص العبادة به تعالى أيضاً؛ لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين، وأيًّا ما كان فالآية دالةً على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمرٌ خطير، وخطبٌ جسيم، في برٍ أو بحر، دعْوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع؛ فمنهم من يدعوا الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمَّة، ولا ترى أحداً فيهم يخص مولاه، بتضرُّعِه ودُعاه، ولا يكاد يمرُّ له بال، انه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليكَ قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا؟ وأي الدَّاعيين أقومُ قِيلا؟ وإلى الله المشتكَى من زمان عصفَتْ فيه ريحُ الجهالة، وتلاطمت أمواجُ الضَّلالة،
وخُرِقَت سفينة الشَّريعة، واتُّخذت الاستغاثة بغير الله للنجاة ذريعة، وتَعذَّر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف ".
قلتُ: يشير العلَاّمة الآلوسي-رحمه الله-إلى ما يلقاه الدُّعاة المصلحون في كلِّ زمانٍ ومكان من الشِّدة والمعارضة لدعوتهم الحق؛ بسبب فشوِّ الشِّرك والبدع في الناس مٍن عامتهم، وشيوخ البدع من علمائهم، والمنافقين من حُكَّامهم، {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21).
هذا، وليس غرضي الآن أن أُشبع الكلام في توحيد الربوبية والألوهية وما ينافيهما من الشرك والوثنية؛ فذلك أمرٌ لا تتسع له هذه المقدمة، لا سيما وقد قامَ بذلك خيرَ القيام، أئمة التوحيد وشيوخ الإسلام؛ كالإمام ابن تيمية، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أولي الألباب، وإنما الغرض بيان ارتباط هذه المسألة-"سماع الموتى"-بنوع من أنواع الشِّرك، وأنَّ القضاء عليه يكون بتحقيق أنَّ الموتى لا يسمعون؛ فإني أعلم علم اليقين أنَّ في المستغيثين بالأولياء والصَّالحين من لم يَقُمْ في نفوسهم ما تَقَدَّم بيانه من الضَّلال الأكبر، ولكنَّهم لما كانوا يعتقدون أنَّهم يسمعون كالأحياء، وكان من المسلَّم لديهم مناداتهم والاستغاثة بهم في حياتهم، استجازوا ذلك بهم بعد موتهم! وقد ردَّ الأئمة عليهم بما هو معروف لدى علماء المسلمين من أن الاستغاثة بهم في حياتهم ليست على إطلاقها وشمولها، وإنما هي بما تدخل تحت قدرتهم التي مكَّنهم الله تعالى منها، وليس من ذلك السَّعادة، والرِّزق والشِّفاء، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، ونحوه مما هو مُتَعَلِّق بربوبَّيته سبحانه وتعالى؛ فطلبُ ذلك من الأولياء في حياتهم شركٌ وضلال أكبر، مُخِلّ بتوحيد الربوبية بَلهَ الألوهية كما هو ظاهر، فكيف بذلك بعد موتهم؟ لا شك أنَّه أدهى وأمرُّ.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات"(ص24 - 31).