الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
له الأبدان، وتراه متدفقًا طاغيًا لا تكاد تقف على كلمة منه إلا مرتاعًا قد قفَّ شعرك (1) عن هول ما تنقل إليك ألفاظه من معاني إحساسه الثائر المتفجر:
أنفاسه لهبُ الجحيم وخطوه
…
خطو المنايا السود في فجآتها
إلى بعض القراء
. . . وبعد، فإن العالِمَ الثقةَ الثبت المحقق الدكتور بشر فارس قد عَلِمَ فَعلَّمَ! ! وأنا أشكرُ له ما علّمني، فأنا لا أحب أن أكون كالذي قيل في أمره:"لا تناظرْ جاهلًا ولا لجوجا فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلُّم بغير شكر". ثم بصَّر "بشر" أيضًا بما كنت أَجهل من العروض واللغة والبيان، فأوغَرَ صدري، فنثرت حول قَهْري ما ملكت من نُفاية الكلام وكذلك طوّقتُ نفسي به زينة وحِلية أتبرّج بها للناس أو كما قال! وهو كذلك. . .
فأنا أحمد الله الذي كفاني شر الغرورِ والخيلاء، ولم يجعلني كالجاهلة الخرقاء التي زعموها تأنَّقت بما ليس فيها، ولا هو من طباعها، حتى ضربوا بها المثل فقالوا:"خرقاءُ ذات نِيقة"(2)، والحمد لله الذي لم يجعلني ممن يتزين بما ليس تملكه يداه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زُور"(3)، والحمد لله الذي جعلني جاهلًا يعرف أنه جاهل، ومن أين لمثلي العلم؟ أليس قد "ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سوء" كما قال ابن شُبرمة في رواية بشر فارس عن ابن شبرمة:(بريد "الرسالة" العدد 346).
وقد قرر الأستاذ بشر أنه بصرني بأمور ثلاثة، وأني سلمت مرغمًا بأنه بصرنى بما كنت أجهل من أمرها! ! وإذا قرر الأستاذ بشر فقد وجب عليّ وعلى الناس التسليم بما قرر، أليس ذلك كذلك. بَلى، {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ومع ذلك، فمن غَلَبة الجهل علينا أن البحر الذي وضعه وسماه
(1) قَفَّ الشَّعْرُ: قام من الفزع.
(2)
قال الميداني في مضرب هذا المثل: "يضرب للجاهل بالأمر وهو مع ذلك يدعى المعرفة".
(3)
"كلابس ثَوْبَىْ زور" مثل، انظر الميداني 3:35.
"المنطلق"، لا يزال عندنا وعند أصحابنا من علماء العروض هو من "مجزوءة المتدارك" أدْخَل الشاعر الأستاذ على ضربها العرج أو الفساد أو الخبن أو ما شئت فسمِّه، ثم ألزمها ذلك في سائر أبياته، ثم قال إنه وضع بحرًا. ومن غلبة جهلنا أيضًا أننا نعده وزنًا ثقيلًا غثًا كسائر الأوزان الممكنة التي تركتها العرب لثقلها على السمع، فلم تجزها في شعرها، ومن غلبة جهلنا أيضًا أننا لا نزال ندعى أن لن يوجد في أصحاب الألسنة العربية من الشعراء المجيدين من يتابع النظم على هذا الوزن الجافي من "مجزوءة المتدارك"، وكذلك أهملناه وسنهمله.
وأما حديث "الزلزلة"، فلا نزال نقول إن كل حرف من حروف العربية ينقل إلى المجاز، فهو يتطلب دائمًا حقيقته، وإلا فسد مجازه. فإذا كان أصل الحرف "زلزل" وحقيقته: أن يزلَّ الشيء عن مكانه مرة بعد مرة، أي أن ينتقل ويتحرك ويسقط ويخرج عن الموضع الذي يستقر عليه، فلابد في كل مجاز لهذا الحرف أن يكون ما يقع عليه فعل الزلزلة - (أي نائب الفاعل أو المفعول) - شيئًا منتقلًا من مكان إلى مكان أو شيئًا يجوز أن ينتقل من مكان إلى مكان، فهذا هو شرط المجاز أو الاستعارة في هذا وأمثاله، وإذ ليست الأذن كذلك، فقولك "زلزل الطرب أُذُنى" مجازٌ فاسدٌ لأن الأذُن ثابتة لا تتحرك.
وإذا قال كتاب "خلاصة الطبيعة في الصوت! ! " في باب "شرح عمل الأذن" إن الصوت يهزُّ غشاء طبلة الأذن حين تصكُّها الأمواج الهوائية التي يُحدثها مصدر الصوت، فليس معنى "يهز الغشاء" هنا أنه ينقله من مكان إلى مكان آخر، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غشاء طبلة الأذن مثبتًا لا يتحرك أي لا ينتقل من مكانه، وإنما هو اهتزازٌ يلحقه، فليس في الدنيا "ناى" أو غيره يستطيع أن يجعله يتحرك أي ينتقل من مكانه، ولو كان في قلب هذا "الناى" عشرون فرقة من فرق "الجازبنْد". . . ولو كان ذلك فتحرك الغشاء قليلًا عن مكانه لتمزَّق وانخرَق، وكان الصَّمم، وإذن فليس يجوز في العربية أن يقال "زلزل الطرب أو الناى غشاءَ طبلة أُذُني"! وإلا فهو مجازٌ فاسدٌ أيضًا.