الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في النشوز
(1)
وهو (معصيتها إياه فيما يجب عليها)(2) مأْخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض (3) فكأنها ارتفعت وتعالت، عما فرض عليها من المعاشرة بالمعروف (4)(فإذا ظهر منها أَماراته (5) بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع (6) أو تجيبه متبرمة) متثاقلة (7)(أو متكرهة (8) وعظها) أي خوفها من الله تعالى (9) .
(1) وهو كراهة كل من الزوجين صاحبه، وسوء عشرته، يقال: نشزت المرأة على زوجها، فهي ناشزة وناشز. إذا عصت عليه، وخرجت عن طاعته، ونشز عليها زوجها، جفاها وأضر بها.
(2)
من المعاشرة بالمعروف.
(3)
وما ارتفع من الأرض يسمى "نشزا" كما في الأثر "أو علا نشزا كبر" ورجل ناشز الجبهة مرتفعها.
(4)
فسمي عصيانها نشوزا.
(5)
أي علامات النشوز.
(6)
كأن تمتنع من إجابته إلى الفراش.
(7)
متدافعة إذا دعاها إلى الاستمتاع.
(8)
ويختل أدبها في حقه، أو تخرج من بيته بغير إذنه، ونحو ذلك.
(9)
إذا عصته، فإن الله تعالى قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم
عليها معصيته، لما له عليها من الفضل، والوعظ بالقول، قال تعالى {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} .
وذكرها ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة (1) وما يلحقها من الإثم بالمخالفة (2)(فإن أصرت) على النشوز بعد وعظها (هجرها في المضجع) أي ترك مضاجعتها (ما شاء (3) و) هجرها (في الكلام ثلاثة أيام) فقط، لحديث أبي هريرة مرفوعًا «لا يحل لمسلم أن يهجر أَخاه فوق ثلاثة أيام» (فإن أصرت) بعد الهجر المذكور (ضربها) ضربا (غير مبرح) أي شديد (4)
(1) لزوجها.
(2)
أي وذكرها ما يلحقها من الإثم، كقوله صلى الله عليه وسلم «إذا باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة» وقوله «ثلاثة لا تصعد لهم إلى السماء حسنة، منهم المرأة الساخط عليها زوجها» .
وذكرها ما يسقط بذلك من النفقة والكسوة، وما يباح له من هجرها وضربها، فإن رجعت إلى الطاعة والأدب حرم الهجر والضرب، لزوال مبيحه.
(3)
لقوله تعالى {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} أي يوليها ظهره في الفراش، ولا يكلمها، وقال ابن عباس: لا تضاجعها في فراشك، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فلم يدخل عليهن شهرا، ولم يقيد بمدة.
(4)
لا تحتمله النفوس، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه يجوز للزوج أن يضرب زوجته إذا نشزت، بعد أن يعظها، ويهجرها في المضجع.
لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم» (1) ولا يزيد على عشرة أسواط (2) لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله» متفق عليه (3) ويجتنب الوجه والمواضع المخوفة (4) وله تأْديبها على ترك الفرائض (5) .
(1) متفق عليه، وللبخاري «ضرب الفحل» فدل على جواز ضربها ضربا خفيفًا، لا يبلغ ضرب الحيوانات والمماليك، ولا ريب أن عدم الضرب، والاغتفار والسماحة، أشرف، كما هو خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي داود «ولا تضرب ضعينتك ضرب أمتك» ولعل علة النهي أن ضرب من يجامعها لا يستحسن، لأن الجماع والمضاجعة، إنما تليق مع ميل النفس، والرغبة في العشرة، والمجلود غالبا ينفر عمن جلده، بخلاف التأديب المستحسن، فإنه لا ينفر الطباع، ولا يلزمه ذلك، ولا يسن له. بل يباح له ذلك، فإن تركه فهو أولى.
(2)
وقيل: يضربها بدرة أو مخراق منديل ملفوف، لا بسوط، ولا بخشب.
(3)
والمراد هنا التأديب، والزجر عن النشوز، فيبدأ بالأسهل فالأسهل.
(4)
والمستحسنة، للنهي عنه، ولئلا يشوهها، فإن تلفت من ذلك فلا ضمان عليه، لأنه مأذون فيه شرعا، والأولى ترك ضربها، إبقاء للمودة كما سبق.
(5)
كالصلاة والصوم الواجبين، قال علي رضي الله عنه في قوله تعالى {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} قال: علموهم، وأدبوهم. وروي «رحم الله
امرأ علق في بيته سوطا، يؤدب به أهله» فإن لم تصل فقال أحمد: أخشى أن لا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن.
وإن ادعى كل ظلم صاحبه (1) أسكنهما حاكم قرب ثقة، يشرف عليهما (2) ويلزمهما الحق (3) فإن تعذر وتشاقا، بعث الحاكم عدلين، يعرفان الجمع والتفريق (4) والأولى من أهلها (5) .
(1) بأن ادعت أنه لم يؤد حقها الواجب لها عليه، وادعى أنها لم تؤد حقه الواجب له عليها مثلا.
(2)
ويكشف حالهما، كما يكشف عن عدالة وإفلاس من خبرة باطنة، وليس مختصا بالحكم.
(3)
والإنصاف، وفي الاختيارات: نصب المشرف لم يذكره الخرقي والقدماء، ومقتضى كلامه رحمه الله: إذا وقعت العداوة، وخيف الشقاق، بعث الحكمان، من غير احتياج إلى نصب مشرف.
(4)
لأنه يفتقر إلى الرأي والنظر، وعليهما أن يستطلع كل واحد رأي من بعث إليه، إن كان رغبته في الصلح أو في الفرقة، ثم يجتمعان فينظران في أمرهما، واشترط كونهما حرين، ذكرين، مكلفين، مسلمين، وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين، وخيف عليهما، أن يخرجهما ذلك إلى العصيان، أن يبعث الحاكم حكما من أهله، وحكما من أهلها.
(5)
لقوله تعالى {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} قال الشيخ: وهذا يقتضي وجوب كونهما من الأهل، وهو مقتضى قول الخرقي، فإنه اشترطه؛ كما اشترط الأمانة، وهذا أصح، فإنه نص القرآن، ولأن الأقارب أخبر بالعلل الباطنة، وأقرب إلى الأمانة، والنظر في المصلحة، وأيضًا فإنه نظر في الجمع والتفريق، وهو أولى من ولاية عقد النكاح، لا سيما إن جعلناهما حكمين، كما هو الصواب، ونص عليه أحمد، وهو قول علي، وابن عباس، ومذهب مالك، وعليهما أن ينويا الإصلاح، لقوله {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} وأن يلطفا القول، وينصفا، ويرغبا، ويخوفا، ولا يخصا بذلك أحدهما دون الآخر، ليكون أقرب للتوفيق بينهما.
يوكلانهما في فعل الأصلح، من جمع وتفريق، بعوض أو دونه (1) .
(1) قال تعالى {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا} يعني الحكمين {يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} يعني الزوجين، والتوفيق: أن يخرج كل واحد منهما من الوزر، وذلك تارة يكون بالفراق، وتارة بصلاح حالهما، وقيل: فلا يرسلان إلا برضاهما، وتوكيلهما، لأنه حق لهما، فلم يجز لغيرهما التصرف إلا بالوكالة، وفي الإنصاف وغيره: اختار الشيخ أنهما حكمان، يفعلان ما يريان، من جمع وتفريق، وغير ذلك، كما تقدم.
وقال مالك والشافعي في أحد قوليه: إن رأيا الأصلح الطلاق بعوض، أو بغير عوض جاز، وإن رأيا الخلع جاز، وإن رأى الذي من جهة الزوج الطلاق طلق، ولا يحتاج إلى إذن الزوج في الطلاق، قال الوزير: وهذا ينبني من قولهما إنهما حكمان؛ لا وكيلان، وهو الصحيح عندي، لأن الله سماهما ذلك، فقال {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فسماهما حكمين بنص القرآن، وأجمعوا على أنه إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأن قولهما نافذ في الجمع وفي التفرقة.