المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ ‌ ‌كتاب الطلاق (1) وهو في اللغة التخلية، يقال: طلقت الناقة؛ إذا - حاشية الروض المربع لابن قاسم - جـ ٦

[عبد الرحمن بن قاسم]

فهرس الكتاب

- ‌ تفارق العطية الوصية في أَربعة أَشياء

-

- ‌كتاب الوصايا

- ‌باب الموصي له

- ‌باب الوصية بالأنصباء والأجزاء

- ‌باب الموصي إليه

-

- ‌كتاب الفرائض

- ‌فصل في أحوال الأم

- ‌ لها أربعة أحوال:

- ‌فصل في ميراث الجدة

- ‌فصلفي ميراث البنات، وبنات الابن، والأخوات

- ‌فصل في الحجب

- ‌باب العصبات

- ‌باب التصحيح والمناسخات وقسمة التركات

- ‌باب ذوى الأرحام

- ‌باب ميراث المفقود

- ‌باب ميراث الغرقي

- ‌باب ميراث أهل الملل

- ‌ من موانع الإِرث اختلاف الدين

- ‌باب الإقرار بمشارك في الميراث

- ‌بابميراث القاتل والمبعض والولاء

-

- ‌كتاب العتق

- ‌باب الكتابة

- ‌باب أحكام أمهات الأولاد

-

- ‌كتاب النكاح

- ‌إن لم يتيسر له النظر بعث امرأة ثقة

- ‌ مبنى الولاية على الشفقة والنظر

- ‌باب المحرمات في النكاح

- ‌فصلفي الضرب الثاني من المحرمات

- ‌باب الشروط والعيوب في النكاح

- ‌من أسلم وتحته أكثر من أربع

- ‌فصل في النشوز

- ‌باب الخلع

- ‌لا يسقط الخلع غيره من الحقوق)

-

- ‌كتاب الطلاق

- ‌وكيل كل إنسان يقوم مقامه

- ‌من طلق في قلبه لم يقع

- ‌باب ما يختلف به عدد الطلاق

- ‌فصلفي الاستثناء في الطلاق

- ‌باب تعليق الطلاق بالشروط

- ‌ اعتراض الشرط على الشرط

- ‌فصل في مسائل متفرقة

- ‌باب الشك في الطلاق

- ‌باب الرجعة

الفصل: ‌ ‌ ‌ ‌كتاب الطلاق (1) وهو في اللغة التخلية، يقال: طلقت الناقة؛ إذا

‌كتاب الطلاق

(1)

وهو في اللغة التخلية، يقال: طلقت الناقة؛ إذا سرحت حيث شاءت (2) والإطلاق الإرسال (3) وشرعا: حل قيد النكاح أو بعضه (4)(يباح) الطلاق (للحاجة) كسوء خلق المرأة، والتضرر بها مع عدم حصول الغرض (5)(ويكره) الطلاق (لعدمها) أي عند عدم الحاجة (6) .

(1) الأصل في جوازه الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} وقال {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقال صلى الله عليه وسلم «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» وغير ذلك، والإجماع حكاه جماعة.

(2)

وقال الأزهري: طلقت المرأة فطلقت، وأطلقت الناقة فانطلقت. هذا الكلام الجيد. وقال غيره: الطلاق والطلقة مصدر: طلقت المرأة. بفتح اللام وضمها، بانت من زوجها، والجمع طلقات، بفتح اللام، فهي طالق، وطلقها زوجها، فهي مطلقة.

(3)

وحبس الإنسان في السجن بغير قيد.

(4)

أي والطلاق شرعا: حل قيد النكاح بإيقاع نهاية عدده، أو حل بعض قيده، بإيقاع ما دون النهاية.

(5)

أي بالزوجة.

(6)

بأن كانت حال الزوجين مستقيمة، قال الوزير: أجمعوا على أن الطلاق في حال استقامة الزوجين مكروه، إلا أبا حنيفة قال: هو حرام مع استقامة الحال.

ص: 482

لحديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (1) ولاشتماله على إزالة النكاح، المشتمل على المصالح المندوب إليها (2)(ويستحب للضرر) أي لتضررها باستدامة النكاح في حال الشقاق (3) وحال تحوج المرأة إلى المخالعة، ليزول عنها الضرر (4) وكذا لو تركت صلاة، أو عفة، أو نحوهما (5) وهي كالرجل، فيسن أن تختلع إن ترك حقا لله تعالى (6)(ويجب) الطلاق (للإيلاء) على الزوج المولي، إذا أبى الفيئة (7) .

(1) رواه أبو داود، وابن ماجه، ورجاله ثقات، وفي رواية «ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق» وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حلالا.

(2)

فيكون مكروها.

(3)

بينهما، وعبر بعضهم: بـ"يسن".

(4)

كبغضها لزوجها.

(5)

أي ويستحب الطلاق لو تركت صلاة، بتأخيرها عن وقتها، ولا يمكنه إجبارها عليها، أو تركت عفة، أو فرطت في حقوق الله تعالى، قال الشيخ: إذا كانت تزني، لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال، وإلا كان ديوثًا، ويجب فراقها، وله عضلها في هذه الحال، والتضييق عليها لتفتدي منه، وتقدم.

(6)

أي والزوجة كالزوج، فيسن لها أن تختلع منه إن ترك حقا لله تعالى، كصلاة، وصوم، وعفة، ونحو ذلك.

(7)

أي الوطء بعد الأربعة الأشهر، ويأتي.

ص: 483

(ويحرم للبدعة)(1) ويأتي بيانه (2)(ويصح من زوج مكلف (3) و) زوج (مميز يعقله) أي الطلاق (4) بأن يعلم أن النكاح يزول به (5) لعموم حديث «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» وتقدم (6)(ومن زال عقله معذورا) كمجنون، ومغمى عليه (7)

(1) كفي الحيض، والنفاس، وطهر وطئ فيه، ويجب إذا أمره به أبوه لمصلحة وإن أمرته به أمه فقال أحمد: لا يعجبني طلاقه. قال الشيخ: وكلام أحمد – في وجوب طلاق الزوجة بأمر الأب – مقيد بصلاح الأب.

(2)

في هذا الباب، قريبًا إن شاء الله تعالى.

(3)

بلا نزاع، لأنه عقد معاوضة، فصح منه كالبيع.

(4)

ولو دون عشر، هذا المذهب.

(5)

وأن زوجته تبين منه، وتحرم عليه، فليس مبنيا على التكليف، بل هو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، كالزكاة ونحوها.

(6)

أي في باب الخلع، وتقدم أنه يسوى فيه بين العقد والفسخ، وأن كل من ملك العقد ملك الفسخ، وذكر الشيخ أنه موجب شهادة الأصول، وأنه يندرج فيه الوصي المزوج، والأولياء إذا زوجوا المجنون، ومن حاكم

الخ، ومن زوج عبده أمته، ثم أراد أن يفرق بينهما لم يقع طلاقه، ويعضد الخبر {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} وقوله {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} .

وعن أحمد: لا يقع طلاق مميز وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأما السفيه فيقع طلاقه في قول أكثر أهل العلم، ويعتبر لوقوع الطلاق إرادة لفظه لمعناه، فلا طلاق لفقيه يكرره، وحاك ولو عن نفسه.

(7)

ومن به غشي، والإغماء: امتلاء بطون الدماغ، من بلغم بارد غليظ أو

سهو يلحق الإنسان، مع فتور الأعضاء لعلة، والغشي: تعطل القوى المتحركة، لضعف القلب، بوجع شديد، أو برد، أو جوع مفرط، وقيل الغشي الإغماء.

ص: 484

ومن به برسام (1) أو نشاف، ونائم (2) ومن شرب مسكرا كرها (3) أو أكل بنجا ونحوه، لتداو أو غيره (4) (لم يقع طلاقه) (5) لقول علي رضي الله عنه: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه. ذكره البخاري في صحيحه (6) .

(1) وهو ورم حار، يعرض للحجاب الذي بين الكبد والمعاء، ثم يتصل بالدماغ.

(2)

وأجمعوا على أنه لا يقع من مجنون، ولا نائم، لأنه غير فاهم ما يقوله، وقال الموفق وغيره: من كان جنونه النشاف، أو كان مبرسما، فإن ذلك يسقط حكم تصرفه، مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضر ذكره للطلاق.

(3)

قال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز، ذكره البخاري وذكر عن عثمان أنه قال: ليس لمجنون، ولا سكران طلاق.

(4)

ممن لا يعقله، لعدم المناط الذي تدور عليه الأحكام، فلا يعتد بطلاقه، والبنج، كفلس: نبات له حب يخلط العقل، ويورث الخبال، أي الفساد أو الجنون وربما أسكر إذا شربه الإنسان بعد ذوبه، وقيل: إنه يورث النسيان.

(5)

وقيس عليه الباقي، لزوال التكليف، فلا يصح من غير مكلف، ولا ممن زال تكليفه، وغير المكلف غير فاهم، والفهم شرط التكليف، كما هو مقرر في الأصول.

(6)

وروي عن أبي هريرة، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه «والمغلوب على عقله» وحكى الطحاوي الإجماع، على أن طلاق المعتوه لا يقع.

ص: 485

(وعكسه الآثم)(1) فيقع طلاق السكران طوعا (2) ولو خلط في كلامه (3) أو سقط تمييزه بين الأعيان (4) .

(1) أي بشربه ما يسكره، من نحو خمر، مما يحرم استعماله، كالحشيشة المسكرة، وألحقها الشيخ بالشراب المسكر، حتى في الحد، وفرق بينها وبين البنج بأنها تشتهى وتطلب.

(2)

بخلاف من أكره عليه.

(3)

أي هذي في كلامه؛ وقيل: هو الذي يختل في كلامه المنظوم، ويبيح بسره المكتوم.

(4)

قيل: فلا يعرف متاعه من متاع غيره؛ أو لا يعرف السماء من الأرض، ولا الذكر من الأنثى، هذا المذهب، وعنه: لا يقع. وقد فرق بعض أهل العلم بين السكر المحرم وغيره، والقائلون بعدم وقوع طلاق السكران احتجوا بزوال التكليف، والله تعالى نهى عن قربان الصلاة، وقال {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} والسكران لا يعلم ما يقول، ومن كان كذلك فكيف يكون مكلفا وهو غير فاهم ما يقول، فالأحكام لا تختلف بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته، أو من جهة غيره، وليس إسقاطًا منهم لحكم المعصية، بل لعدم مناط التكليف، وحمزة لما ثمل، وقال: ما أنتم إلا عبيد أبي؛ لم يلزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم تلك الكلمة، وقال ابن المنذر: ثبت عن عثمان، ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه.

وقال الشيخ: لا يقع طلاق السكران، ولو بسكر محرم، وهو رواية عن أحمد. قال الزركشي: ولا يخفى أن أدلة هذه الرواية أظهر. ونقل الميموني الرجوع عما سواها، فقال: كنت أقول: يقع طلاق السكران. حتى تبينته فغلب علي أنه لا يقع.

وقال ابن القيم: زائل العقل إما بجنون، أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر؛ لا يعتد به، واختلف المتأخرون فيه، والثابت عن الصحابة – الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم – أنه لا يقع طلاقه، وثبت في الصحيح عن عثمان، وابن عباس في السكران ونحوه، ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالفهما في ذلك، وذكر رجوع أحمد كما قال الشيخ، وقال عقبه: لا يجوز طلاق الموسوس.

ص: 486

ويؤاخذ بسائر أقواله (1) وكل فعل يعتبر له العقل (2) كإقرار، وقذف، وقتل، وسرقة (3)(ومن أُكره عليه) أي على الطلاق (ظلما) أي بغير حق (4) بخلاف مول أبي الفيئة، فأَجبره الحاكم (5) .

(1) أي من حق وباطل، كطلاقه لأن المعنى في الجميع واحد.

(2)

ويؤاخذ به العاقل، يؤاخذ به السكران، وروي عن عمر أنه قال: استقرؤه القرآن، أو ألقوا رداءه في الأردية، فإن قرأ أم القرآن، أو عرف رداءه، وإلا فأقم عليه الحد.

(3)

وزنا، وظهار، وإيلاء، وبيع، وشراء، وإسلام ونحوه، كوقف، وعارية، وقبض أمانة، وهذا على المذهب.

(4)

فطلق، لم يقع طلاقه عند جمهور العلماء، وقال الموفق: لأنه قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم، فكان إجماعًا، وقال ابن القيم: قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه، لكونه غير قاصد له، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم، لانتفاء قصده، وإرادته لموجب اللفظ.

(5)

فيقع طلاقه، وبخلاف اثنين زوجهما وليان، ولم يعلم السابق منهما، فأكرههما الحاكم على الطلاق، لأنه إكراه بحق.

ص: 487

(بإيلام) أي بعقوبة من ضرب (1) أو خنق، أو نحوهما (2)(له) أي للزوج (أو لولده (3) أو أخذ مال يضره (4) أو هدده بأحدها) أي أحد المذكورات من إيلام له، أو لولده، أو أخذ مال يضره (قادر) على ما هدده به (5) بسلطة، أو تغلب، كلص ونحوه (6)(يظن) الزوج (إيقاعه) أي إيقاع ما هدده (به (7) .

(1) شديد، لا يسير في حق من لا يبالي به، بخلاف ذي المروءات، فهو كالضرب الكثير.

(2)

أي أو هدده بخنق، ولا يرفع عنه ذلك حتى يطلق، أو نحو الضرب أو الخنق، كعصر ساق، وغط في الماء، وكالحبس والقيد الطويل، والإخراج من الديار.

(3)

أو والده، قال ابن رجب: ويتوجه: أو بقية أقاربه.

(4)

أي أخذه منه، ضررا كثيرًا، وإلا فليس بإكراه.

(5)

أي خوفه به، فالوعيد المذكور إكراه.

(6)

كقاطع طريق، وفي الاختيارات: إن سحره ليطلق فإكراه.

(7)

ويظن عجزه عن دفعه، والهرب منه، والاختفاء، فهو بشروطه إكراه، وقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا يقع التوعد في الجملة إكراها. وقال الشيخ: الإكراه يحصل إما بالتهديد، أو بأن يغلب على ظنه أنه يضره في نفسه، أو ماله بلا تهديد. وقال: كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده، ليس بجيد، بل الصواب أنه لو استوى الطرفان لكان إكراها.

ص: 488

فطلق تبعا لقوله، لم يقع) الطلاق (1) حيث لم يرفع عنه ذلك حتى يطلق (2) لحديث عائشة مرفوعا «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (3) والإغلاق الإكراه (4) ومن قصد إيقاع الطلاق، دون دفع الإكراه، وقع طلاقه (5) .

(1) أي فطلق المكره، تبعا لقول المكره بكسر الراء، لم يقع الطلاق، وتجب الإجابة إذا كان التهديد بقتله، أو قطع طرف، لئلا يلقي بيده إلى التهلكة المنهي عنها، وروى سعيد وغيره: أن رجلا تدلى على حبل يشتار عسلا فأقبلت أمرأته فجلست على الجبل وقالت: ليطلقها ثلاثًا وإلا قطعت الحبل، فذكرها الله والإسلام، فأبت، فطلقها ثلاثا ثم خرج إلى عمر، فذكر ذلك له، فقال: ارجع إلى أهلك، فليس هذا طلاقا. وكذا قال مالك، والشافعي: لا يقع إذا نطق به دافعا عن نفسه. وتقدم قول ابن القيم في أن المكره إنما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتقى الحكم.

(2)

وإلا فما فات منه لا إكراه به، لانقضائه.

(3)

وأبو يعلى، والحاكم وصححه، ولحديث «عفي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» وفي الآية الكريمة {إِلا مَنْ أُكْرِهَ} والكفر أعظم من الطلاق.

(4)

أي والإغلاق – بكسر الهمزة – الإكراه، وقيل: الغضب. وقال أبو عبيدة: الإغلاق: التضييق. فكأنه يغلق عليه، ويحبس، ويضيق عليه، حتى يطلق، فدل الحديث على أن طلاق المكره لا يقع، قال الشيخ: وهو قول جماهير العلماء كمالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.

(5)

وقاله الشيخ وغيره، ونص عليه أحمد.

ص: 489

كمن أُكره على طلقة، فطلق أكثر (1)(ويقع الطلاق) بائنا لا الخلع (2)(في نكاح مختلف فيه) كبلا ولي (3) ولو لم يره مطلق (4) ولا يستحق عوضا سئل عليه (5) ولا يكون بدعيا في حيض (6)(و) يقع الطلاق (من الغضبان) ما لم يغم عليه، كغيره (7) .

(1) وقع، لأنه لم يكره على الثلاث، وإن اكره على طلاق امرأة، فطلق غيرها وقع، لأنه غير مكره عليه.

(2)

فلا يقع في نكاح فاسد، لخلوه عن العوض، وذلك أنه لو أعادها بعد ذلك إلى نكاحه، كانت معه على بقية عدده، ولو أوقع في النكاح المذكور ثلاثا، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

(3)

أو بولاية فاسق، أو شهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدتها، أو في نكاح الشغار، والمحلل، أو بلا شهود، ونحو ذلك.

(4)

أي ولو لم ير المطلق صحة النكاح، نص عليه، فإن كان يرى صحة النكاح المختلف فيه، وقع طلاقه رجعيا، واستحق العوض في الخلع، ولا يقع الطلاق في نكاح باطل إجماعًا، كمعتدة، وخامسة، ولا في نكاح فضولي قبل إجازته.

(5)

أي ولا يستحق عوضا، سئل المطلق عليه الطلاق، في نكاح مختلف فيه.

(6)

ولا نفاس، ولا طهر وطئ فيه، لأن استدامة هذا النكاح غير جائزة.

(7)

قال الشيخ: إن لم يزل عقله، ويغيره الغضب لم يقع، وتقدم خبر «لا طلاق في إغلاق» قال الشيخ: هو ما أغلق عليه قلبه، فلا يدري ما يقول،

وأما مجرد الغضب فقل من يطلق حتى يغضب، والغضب على ثلاثة أقسام، ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه ما يقول، فهذا لا يقع طلاقه، أو يستحكم الغضب ويشتد به، فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته، بحيث يندم على ما فرط منه، فهذا محل نظر، وعدم وقوعه أقوى، أو يكون الغضب في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول، فيقع طلاقه.

وأما طلاق الهازل، فقال الشيخ: واقع، لأنه قصد التكلم بالطلاق، وإن لم يقصد إيقاعه. وقال ابن القيم: يقع عند الجمهور، ونكاحه صحيح، كما صرح به النص، وهو المحفوظ عن الصحابة، والتابعين، وقول الجمهور.

ص: 490

(ووكيله) أي الزوج في الطلاق (كهو)(1) فيصح توكيل مكلف، ومميز يعقله (2)(ويطلق) الوكيل (واحدة) فقط (3)(و) يطلق في غير وقت بدعة (متى شاء (4) .

(1) لأنه إزالة ملك، فصح التوكيل فيه كالعتق.

(2)

أي فيصح توكيل مكلف، في طلاق زوجته ولو كافرا، لصحته لنفسه، أو امرأة، لأنه يصح توكيلها في العتق، وهذا مذهب جمهور العلماء ويصح توكيل مميز يعقل الطلاق، هذا المذهب، وينبني على صحة طلاقه لنفسه، وتقدم، وأما الطفل والمجنون، فلا يصح توكيلهما بلا نزاع.

(3)

لأن الأمر المطلق يتناول ما يقع عليه الاسم، ولو وكله في ثلاث فطلق واحدة، أو وكله في واحدة فطلق ثلاثا، طلقت واحدة، قال في الإنصاف: بلا خلاف أعلمه.

(4)

لأن لفظ التوكيل يقتضي ذلك، لأنه وكله توكيلا مطلقا.

ص: 491

إلا أن يعين له وقتا وعددا) فلا يتعداهما (1) ولا يملك تعليقا إلا بجعله له (2)(وامرأته) إذا قال لها: طلقي نفسك (كوكيله في طلاق نفسها)(3) فلها أَن تطلق نفسها طلقة متى شاءت (4) ويبطل برجوع (5) .

(1) لأن الأمر إلى الموكل في ذلك، لكون الحق له، والوكيل نائبه، فتنسب له الوكالة، على ما يقتضيه لفظ الموكل.

(2)

أي إلا أن يجعل الزوج للوكيل التعليق، فيملكه، والتعليق كأن يقول الوكيل: إن دخلت الدار فأنت طالق.

(3)

فإن نوى عددًا، فهو على ما نوى، وإن أطلق من غير نية، لم تملك إلا واحدة، قال أحمد: لو نوى ثلاثا، فطلقت نفسها ثلاثا، فهي ثلاث، وإن كان نوى واحدة، فواحدة.

(4)

لأنه مقتضى اللفظ والإطلاق، إلا أن يعين لها وقتا وعددا، وصفة طلاقها نفسها، أن تقول: طلقت نفسي.

(5)

أي ويبطل توكيل الزوج في الطلاق برجوعه عنه، ويصدق في رجوعه، وقيل: لا يملكه إلا ببينة كسائر الوكالات، واختاره الشيخ وغيره، وقال: وكذا دعوى عتقه ورهنه.

ص: 492

فصل (1)

(إذا طلقها مرة) أي طلقة واحدة (في طهر لم يجامع فيه (2) وتركها حتى تنقضي عدتها (3) فهو سنة) أي فهذا الطلاق موافق للسنة (4) .

(1) أي في سنة الطلاق وبدعته، وسنته: إيقاعه على الوجه المشروع، وبدعته: إيقاعه على الوجه المحرم المنهي عنه، وقال علي رضي الله عنه: لو أن الناس أخذوا بما أمر الله به من الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة أبدًا، يطلقها تطليقة، ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثا، فمتى شاء راجعها.

(2)

أي في الطهر، فهو سنة.

(3)

أي وتركها، بأن لا يطلقها حتى تنقضي عدتها من الأولى، إذ المقصود فراقها، وقد حصل بالأولى.

(4)

وهو ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقال أحمد: طلاق السنة واحدة، ثم تركها حتى تحيض ثلاث حيض، وقال ابن رشد: أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يسمها فيه، طلقة واحدة، وأن المطلق في الحيض، أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة.

فصارت السنة في حقها من وجهين، من جهة العدد، وهو أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وأن يطلقها في طهر لم يصبها فيه، وذكره ابن المنذر، وابن عبد البر إجماع العلماء.

ص: 493

لقوله تعالى {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} قال ابن مسعود: طاهرات من غير جماع (1) لكن يستثنى من ذلك: لو طلقها في طهر متعقب لرجعة من طلاق في حيض فبدعة (2)(فتحرم الثلاث إذًا) أي يحرم إيقاع الثلاث، ولو بكلمات، في طهر لم يصبها فيه (3) لا بعد رجعة أو عقد (4) روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر (5) .

(1) ونحوه عن ابن عباس، ولما يأتي من حديث ابن عمر.

(2)

لحديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فتغيظ، وفيه: وقال «ليراجعها» الخ.

(3)

لقوله «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» وكان عمر إذا أتى برجل طلق ثلاثا، أوجعه ضربا، وفي الإنصاف: لو طلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار، كان حكم ذلك حكم الثلاث في طهر واحد. اهـ. ويتجه أنه ليس بحرام، لقوله «أمسكها حتى تطهر ثم تحيض» وإلا لكان يمسكها وجوبا، لئلا يقع في الحرام.

(4)

أي لا يحرم الطلاق بعد رجعة، إذا راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، أو بعد عقد، بأن طلقها، ثم عقد عليها، ثم طلقها، ثم عقد عليها، قال في الإنصاف: فلو طلق ثانية، أو ثالثة، في طهر واحد بعدهما، لم يكن بدعة، على الصحيح من المذهب، وقدم في الانتصار تحريمه حتى تفرغ العدة. وجزم في الروضة فيما إذا رجع قال: لأنه طول العدة وأنه معنى نهيه {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} .

(5)

وهو قول مالك، وأبي حنيفة، قال علي: لا يطلق أحد للسنة فيندم.

ص: 494

فمن طلق زوجته ثلاثا بكلمة واحدة، وقع الثلاث (1)

(1) أو بكلمات، في طهر لم يصبها فيه، أو في أطهار قبل رجعة، وقعت الثلاث، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء، على أن الثلاث تقع ثلاثا وحكى ابن رشد: إجماع علماء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث، حكمه حكم الطلقة الثالثة، وثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس، أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة.

ولأحمد وغيره عن ابن عباس: طلق ركانة امرأته ثلاثا، فقال صلى الله عليه وسلم «راجع امرأتك» فقال، إني طلقتها ثلاثا. قال «قد علمت، راجعها» وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وغيرهما، وأصحاب ابن عباس، وبعض أصحاب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، واختاره الشيخ وغيره، قال ابن عباس رضي الله عنه: فقال عمر – بعد ما مضى صدر من خلافته -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناءة، فلو أمضيناه عليهم. أي ألزمناهم الثلاث، إذا صار الغالب عليهم قصدها، فأمضاه عليهم، أي ألزمهم الثلاث.

قال ابن القيم: وعمر رضي الله عنه لم يخالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ما كان في عصر الخليفة الراشد، ولا ما في صدر في أول عصره، بل رأى رضي الله عنه إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم، وتابعه على ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيدوا رأيه، لما علموا أن إرسال الثلاث حرام، وتتابعوا فيه؛ قال: ولا ريب أن هذا سائغ للأئمة أن يلزموا الناس ما ضيقوا به على أنفسهم، ولم يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل، وتسهيله، بل اختاروا الشدة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين، وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم.

ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة، والأشخاص، والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه، وعمر لم يقل: إن هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة، يكفهم بها عن التسارع إلى إيقاع الثلاث؛ قال: وهذا موافق لقواعد الشريعة، بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا؛ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: يكفيك ما أفتى به المحدث الملهم، ثاني الخلفاء الراشدين.

ص: 495

وحرمت عليه، حتى تنكح زوجا غيره (1) قبل الدخول كان ذلك، أو بعده (2)(وإن طلق من دخل بها في حيض، أو طهر وطئ فيه) ولم يستبن حملها (3) وكذا لو علق طلاقها على نحو أكلها مما يتحقق وقوعه حالتيهما (4)(فبدعة) أي فذلك الطلاق بدعة محرم، و (يقع)(5) .

(1) لقوله تعالى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعني الثالثة {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} .

(2)

قال الموفق: في قول أكثر أهل العلم من التابعين، والأئمة بعدهم.

(3)

فبدعة محرم ويقع، غير رجعية، أما فيها فلا بدعة، لعدم تأثيره في تطويل العدة، لأنها تبنى على ما مضى، وفي المبدع: ونفاس كحيض.

(4)

أي الحيض، والطهر الذي وطئ فيه.

(5)

أي طلاق البدعة، قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الطلاق في الحيض بمدخول بها، وفي الطهر المجامع فيه، محرم إلا أنه يقع، وقال ابن المنذر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال، ولأنه عليه الصلاة والسلام أمر عبد الله بن عمر بالمراجعة، وهي لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق. اهـ. ويباح الطلاق والخلع بسؤالها، زمن البدعة، لأن المنع لحقها.

ص: 496

لحديث ابن عمر: أَنه طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بمراجعتها. رواه الجماعة إلا الترمذي (1)(وتسن رجعتها) إذا طلقت زمن البدعة لحديث ابن عمر (2)(ولا سنة ولا بدعة) في زمن، أَو عدد (لصغيرة، وآيسة (3) وغير مدخول بها، ومن بان) أي ظهر (حملها)(4) .

(1) ولفظ الصحيحين وغيرهما: أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيط، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» ولمسلم وقرأ {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وله «ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» .

وللنسائي «فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسها حتى يطلقها، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها» فدل الحديث على أن الطلاق في حيض لمدخول بها، أو طهر وطئ فيه، ولم يستبن حملها، بدعة ويقع.

(2)

لأمره بمراجعتها، وعنه: أنها واجبة، وإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، فإذا طهرت سن أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها قبل أن يصيبها، فإذا فعل ذلك فهو طلاق السنة.

(3)

أي ولا سنة ولا بدعة لطلاق صغيرة، لأنها لا تعتد بالأقراء، فلا تختلف عدتها، وآيسة كذلك، فلا تحصل الريبة.

(4)

أي ولا سنة ولا بدعة في طلاق زوجة غير مدخول بها، لأنها لا عدة لها،

فتضر بتطويلها، ولا سنة ولا بدعة في طلاق من بان حملها، لأن عدتها بوضع الحمل، وقيل: طلاق الحامل طلاق سنة. وهو ظاهر كلام أحمد، فإنه قال: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه، وفيه «فليطلقها طاهرا أو حاملا» وتقدم.

ص: 497

فإذا قال لإحداهن: أَنت طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، وقعتا في الحال (1) إلا أن يريد في غير الآيسة إذا صارت من أهل ذلك (2) وإن قاله لمن لها سنة وبدعة، فواحدة في الحال (3) والأُخرى في ضد حالها إذًا (4)(وصريحه) أي صريح الطلاق، وهو ما وضع له (لفظ الطلاق، وما تصرف منه)(5) .

(1) لأن الطلاق لا يتصف بذلك، فتلغو الصفة، ويبقى الطلاق، ما لم تكن الأولى على عوض، أو لغير مدخول بها، فتبين بالأولى.

(2)

كأن حاضت الصغيرة مثلا، وكذا غيرها ممن ذكر، ويدين قائل ذلك، فيما بينه وبين الله، إذا ادعى أنه أراد إذا صارت من أهل ذلك الوصف، لأن ادعاءه محتمل، ويقبل منه حكما، لأنه فسر كلامه بما يحتمله، وهو أعلم بينته، وأما الآيسة فلا يمكن فيها غير ذلك.

(3)

لأن حالها لا تخلو، إما أن تكون في زمن السنة، فتقع طلقة على السنة، أو زمن البدعة، فتقع على البدعة.

(4)

فتقع الطلقة الأخرى إذا وجدت الحالة الأخرى، وإن قال: أنت طالق للسنة. وهي في طهر لم يصبها فيه، طلقت في الحال، وإن كانت حائضًا فإذا طهرت.

(5)

مما لا يحتمل غيره، من كل شيء وضع له اللفظ، من طلاق وغيره.

ص: 498

كطلقتك، وطالق، ومطلقة، اسم مفعول (1) (غير أَمر) كاطلقي (2) (و) غير (مضارع) كتطلقين (3) (و) غير:(مطلقة اسم فاعل)(4) فلا يقع بهذه الألفاظ الثلاثة طلاق (5)(فيقع) الطلاق (به) أي بالصريح (6)(وإن لم ينوه، جاد أو هازل)(7) . لحديث أبي هريرة يرفعه «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، النكاح، والطلاق، والرجعة» رواه الخمسة

(1) فهو صريح فيه، موضوع له على الخصوص، ثبت له عرف الشرع والاستعمال.

(2)

لم يقع.

(3)

لم يقع أيضًا، لأنه غير صريح فيه، وكذا لو قال: أطلقك. لم يقع.

(4)

بكسر اللام.

(5)

لأنه لا يدل على الإيقاع، وذكر الشيخ – في البيوع – أنه لا ينعقد بما كان من هذه الألفاظ محتملا، فإنه يكون كناية، حيث تصح الكناية كالطلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال.

(6)

أي بصريح الطلاق، الذي لا يحتمل غيره، بحسب الوضع العرفي، كلفظ الطلاق، وما تصرف منه، كما تقدم، غير حاك له أو نحوه.

(7)

أي وإن لم ينو بصريح الطلاق الطلاق، فيقع باطنا وظاهرا، لأن الصرائح لا تفتقر إلى نية، ولو كان الآتي بالصريح جادا، ضد الهازل، أو كان هازلا لاعبًا، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه.

ص: 499

إلا النسائي (1)(فإن نوى بطالق) طالقا (من وثاق) بفتح الواو أي قيد (2)(أو) نوى طالقا (في نكاح سابق، منه أو من غيره (3) أو أراد) أن يقول (طاهرًا فغلط) أي سبق لسانه (لم يقبل) منه ذلك (حكما)(4) .

(1) وروي عن عبادة مرفوعًا «لا يجوز اللعب في ثلاث» وذكر الطلاق، وقال «فمن قالهن فقد وجبن» فدل على وقوع الطلاق من الهازل، وأنه لا يحتاج إلى النية في الصريح، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكى غير واحد اتفاق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق، إذا جرى على لسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به، وإن قال: كنت هازلا، قال ابن القيم: يقع عند الجمهور. وكذلك نكاحه، صحيح، كما في الحديث.

قال: وذلك أن الهازل قاصد للقول، مريد له، مع علمه بمعناه وموجبه، وقصد المعنى، المتضمن للمعنى، قصد لذلك المعنى، لتلازمهما، وليس للعبد مع تعاطي السبب أن لا يترتب عليه موجبه، وقال الشيخ: هذه صيغ إنشاء، من حيث أنها تثبت الحكم، وبها تم، وهي إخبار، لدلالتها على المعنى الذي في النفس.

(2)

وهو ما يوثق به الشيء من حبل وغيره، دين ولم يقبل حكما، وإن صرح باللفظ، فقال: من وثاقي، أو وثاق. لم تطلق، لأن ما يتصل بالكلام يصرفه عن مقتضاه.

(3)

لم يقبل حكما.

(4)

أو أنه أراد أن يقول: طلبتك. فسبق لسانه، فقال: طلقتك. لم يقبل حكما.

ص: 500

لأنه خلاف ما يقتضيه الظاهر (1) ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه أعلم بنيته (2) (ولو سئل: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم؛ وقع) الطلاق (3) ولو أراد الكذب، أو لم ينوه (4) لأن "نعم" صريح في الجواب، والجواب الصريح، للفظ الصريح صريح (5) (أو) سئل الزوج (ألك امرأة؟ فقال: لا (6) وأراد الكذب) أو لم ينوبه الطلاق (فلا) تطلق، لأنه كناية، تفتقر إلى نية الطلاق، ولم توجد (7) .

(1) إذ يبعد إرادة ذلك عرفا، ويتخرج أن يقبل قوله، إذا صرف لفظه إلى ممكن، وكان عدلا، وعن أحمد: يقبل حكما. واختاره الشيخ وغيره، إلا في حال غضب، أو سؤالها، فلا يقبل قولا واحدا.

(2)

إن لم يترافعا، هذا المذهب، ويوكل إلى دينه باطنا، فإن كان كاذبا لم يقع عليه.

(3)

أو قيل له: امرأتك طالق؟ فقال: نعم. وقع الطلاق.

(4)

بخلاف ما لو كتب على حصير بإصبعه، ونحو ذلك.

(5)

فلا يحتاج إلى نية، إذ لو قيل له: ألزيد عليك ألف؟ فقال: نعم؛ كان إقرارا.

(6)

أو قال: ليس لي امرأة، أو لا امرأة لي.

(7)

ومن أراد الكذب لم ينو الطلاق، وكذا لو حلف بالله أنه لا امرأة له، ولم يرد به الطلاق، وإن أراد بهذا اللفظ طلاقها طلقت، لأنها كناية صحبتها النية، وقال الشيخ: يجب أن يفرق بين قول الزوج: ليست لي بامرأة، وما أنت لي بامرأة وبين قوله: ليست لي امرأة، وبين قوله، إذا قيل: ألك امرأة؟ فقال: لا. فإن الفرق ثابت بينهما، وصفا، وعددا، إذ الأول نفي لنكاحها، ونفي النكاح عنها كإثبات طلاقها، يكون إنشاء، ويكون إخبارًا، بخلاف نفي المنكوحات عموما، فإنه لا يستعمل إلا إخبارًا.

ص: 501

وإن أَخرج زوجته من دارها، أو لطمها، أو أطعمها ونحوه (1) وقال: هذا طلاقك، طلقت، وكان صريحا (2) . ومن طلق واحدة من زوجاته، ثم قال عقبه لضرتها: أنت شريكتها، أو مثلها. فصريح فيهما (3) وإن كتب صريح طلاق امرأته بما يبين، وقع وإن لم ينوه (4) لأنها صريحة فيه (5) .

(1) كأن ألبسها ثوبا، أو قبلها، ونحو ذلك.

(2)

لأن هذا اللفظ جعل هذا الفعل طلاقا منه، كأنه قال: أوقعت عليك طلاقا، هذا الفعل من أجله، لأن الفعل بنفسه لا يكون طلاقا، فلابد من تقديره فيه، ليصح لفظه به، فيكون صريحا فيه من غير نية، وقدم الموفق وغيره: أن هذا كناية ونصره. وقال أكثر الفقهاء: ليس بكناية، ولا يقع به طلاق.

(3)

أي في كونها شريكة ضرتها في الطلاق، أو في كونها مثلها في الطلاق، لا يحتاج إلى نية، لأنه جعل الحكم فيهما واحدا، إما بالشركة في لفظه، أو بالمماثلة، ولا يحتمل غير ما فهم منه، فكان صريحا، كما لو أعاده عليها بلفظه.

(4)

أي خطه، بأن يقرأ في العرف وقع، على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وفي الفروع: يتخرج أنه لغو. وفي الإنصاف: النفس تميل إلى عدم الوقوع. أما لو خط بإصبعه على فخذه، أو في الهواء مثلا، ونحو ذلك، لم يسم خطا، وفي الإنصاف: لم يقع، بلا خلاف عند أكثر الأصحاب.

(5)

لأن الكتابة حروف يفهم منها الطلاق، أشبهت النطق، هذا المشهور

في المذهب، وعنه: أنه كناية فلا يقع من غير نية، جزم به في الوجيز، وصوبه في الإنصاف، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، ومنصوص الشافعي، وذكره غير واحد قول الجمهور.

ص: 502

فإن قال: لم أُرد إلا تجويد خطي، أَو غم أهلي قبل (1) وكذا لو قرأ ما كتبه، وقال: لم أقصد إلا القراءة (2) وإن أتى بصريح الطلاق من لا يعرف معناه، لم يقع (3) .

(1) لأنه إذا نوى تجويد خطه، أو تجربة قلمه، أو غم أهله، ونحو ذلك، فقد نوى غير الطلاق، ولو نوى باللفظ غير الإيقاع لم يقع، ويقبل منه ذلك حكما.

(2)

قبل منه، كلفظ الطلاق، إذا قصد به الحكاية ونحوها.

(3)

لأنه لم يقصد الطلاق، لعدم علمه معناه، كما لو نطق أعجمي بلفظ الطلاق بالعربية، ولا يفهمه، لم يقع، ولا يقع بغير لفظ، إلا في موضعين، إذا كتبه ونواه كما تقدم، ومن لا يقدر على الكلام كالأخرس، إذا طلق زوجته بالإشارة، لقيامها مقام خطه، وهو مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، قال الموفق: ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.

ص: 503

فصل (1)

(وكنايته) نوعان، ظاهرة وخفية (2) فـ (الظاهرة) هي الألفاظ الموضوعة للبينونة (3) (نحو: أنت خلية، وبرية (4) وبائن، وبتة (5) وبتلة) أي مقطوعة الوصلة (6)(وأَنت حرة (7)

(1) في بيان حكم كنايات الطلاق – وكناياته: ما يحتمل غيره، ويدل على معنى الصريح فيه – وبيان ما لا يحتمل الطلاق، وغير ذلك.

(2)

أي وكناية الطلاق نوعان، ظاهرة، معنى الطلاق فيها أظهر، وخفية، هي أخفى في الدلالة على الطلاق من الظاهرة.

(3)

لأن معنى الطلاق فيها أظهر من الخفية، وهي خمس عشرة، ولا يقع الطلاق بها، إلا أن ينويه.

(4)

الخلية في الأصل الناقة تطلق من عقالها، ويخلى عنها، والخلية من النساء الخالية من الزوج، ويقال للمرأة: خلية، كناية عن الطلاق، و"برية" بالهمز وتركه، فيقتضيان الخلو من النكاح، والبراءة منه.

(5)

"بائن" من البين، وهو الفراق، أي منفصلة و"بتة" من البتر وهو القطع، أي مقطوعة.

(6)

من البتل وهو قطع الوصلة، ويقال: منقطعة، وسميت "مريم" البتول، لانقطاعها عن النكاح بالكلية.

(7)

لأن الحرة هي التي لا رق عليها، ولا ريب أن النكاح رق، لقوله «فإنهن عوان عندكم» أي أسيرات، وليس للزوج على الزوج إلا رق الزوجية، فإذا أخبر بزوال الرق، فهو الرق المعهود في حقها، وهو رق الزوجية.

ص: 504

وأنت الحرج) (1) وحبلك على غاربك (2) وتزوجي من شئت، وحللت للأزواج (3) ولا سبيل لي، أو لا سلطان لي عليك (4) وأعتقتك (5) وغطي شعرك، وتقنعي (6) (و) الكناية (الخفية) موضوعة للطلقة الواحدة (7) (نحو: اخرجي، واذهبي (8) .

(1) بفتح الراء، يعني الحرام والإثم.

(2)

أي خليت سبيلك، كما يخلى البعير في الصحراء، وزمامه على غاربه، فأنت مرسلة، مطلقة، غير مشدودة، ولا ممسكة بعقد النكاح.

(3)

أي لأنك بنت مني، فهما كنايتان ظاهرتان عند بعض الأصحاب، تبين بإحداهما مع النية، وإذا قيل: إنها واحدة. فالمراد أي: بعد انقضاء عدتك. قال الموفق: وكذا سائر الألفاظ، يتحقق معناها بعد انقضاء عدتها.

(4)

قال الموفق: إنما يكون في المبتوتة، أما الرجعية فله عليها سبيل، وسلطان؛ وقال الشيخ وغيره في: أنت طالق، لا رجعة لي عليك. صريحة في طلقة، كناية ظاهرة فيما زاد، فهي مركبة من صريح وكناية.

(5)

كناية ظاهرة، تقتضي ذهاب الرق عنها، والرق ههنا النكاح.

(6)

وزاد في الإقناع: وأمرك بيدك.

(7)

ما لم ينو أكثر، وهو المذهب عند جماهير الأصحاب، وهي عشرون، سميت خفية لأنها أخفى في الدلالة على الطلاق من الكنايات الظاهرة.

(8)

إذا نوى أنها طالق، طلقت واحدة.

ص: 505

وذوقي، وتجرعي (1) واعتدي) ولو غير مدخول بها (2)(واستبرئي، واعتزلي (3) ولست لي بامرأة (4) وألحقي بأهلك (5) وما أشبهه) كلا حاجة لي فيك، وما بقي شيء (6) وأغناك الله (7) وإن الله قد طلقك (8) .

(1) أي مرارة الطلاق، فتطلق مع النية.

(2)

أي واعتدي، لأني طلقتك، وقاله صلى الله عليه وسلم لسودة، وكانت واحدة بالنية، ولو كانت غير مدخول بها، لأنها محل للعدة في الجملة.

(3)

أي استبرئي رحمك، من استبراء الإماء ويأتي، و"اعتزلي": كوني وحدك في جانب.

(4)

إذا نوى الطلاق وقع، فما عني به الطلاق فهو على ما عني به.

(5)

بكسر الهمزة، وفتح الحاء، وقيل بالعكس، وسواء كان لها أهل أو لا، وصحح الموفق: أنها واحدة، لقوله لابنة الجون «ألحقي بأهلك» .

(6)

إذا نوى به الطلاق.

(7)

أي بالطلاق، واختاري، ونحو ذلك، من الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة، إذا نواه.

(8)

هذا المذهب، وقال ابن القيم: الصواب أنه إن نوى وقع الطلاق، وإلا لم يقع، لأنه إن أراد: شرع طلاقه وأباحه، لم يقع، وإن أراد: وقع عليك الطلاق وشاءه، فيكون طلاقا، وإذا احتمل الأمرين لم يقع إلا بالنية.

ص: 506

والله قد أراحك مني (1) وجرى القلم (2) ولفظ فراق، وسراح، وما تصرف منهما (3) غير ما تقدم (4)(ولا يقع بكناية ولو) كانت (ظاهرة طلاق (5) إلا بنية مقارنة للفظ) (6) لأنه موضوع لما يشابهه ويجانسه (7) فيتعين لذلك، لإرادته له، فإن لم ينو لم يقع (8) .

(1) قال ابن عقيل، وكذا: فرق الله بيني وبينك في الدنيا والآخرة. وتقدم قول الشيخ، إذا قال: إن أبرأتني فأنت طالق. فقالت: أبرأك الله مما يدعي النساء على الرجال. فظن أنه برئ فطلق، فقال: يبرأ. ونظير ذلك: إن الله قد باعك. أو: قد أقالك؛ ونحو ذلك.

(2)

إذا نواه؛ جرى بطلاقها.

(3)

كفارقتك، وسرحتك، وكفراق، وسراح، ومفارقة، ومسارحة، وأمر الله نبيه أن يخير أزواجه، قالت عائشة: فاخترناه. ولم يعد ذلك طلاقا.

(4)

أي استثناؤه في صريح الطلاق، من أمر، ومضارع، واسم فاعل.

(5)

لقصور رتبة الكناية عن الصريح، ولأنها لفظ يحتمل الطلاق وغيره، فلا يتعين لها بدون النية، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقال مالك: يقع بمجردها. فـ"لو" إشارة إلى خلافه.

(6)

أي يشترط: أن تكون النية مقارنة للفظ الكناية، وإن تلفظ بها غير ناوٍ، ثم نوى بعد ذلك، لم يقع، كما لو نوى الطهارة بالغسل بعد فراغه منه.

(7)

أي لأن لفظ الكنايات الظاهرة وكذا الخفية، لما يشابه الطلاق ويجانسه، فأعطي حكمه مع النية.

(8)

لأنه ظاهر في غير الطلاق، فلم ينصرف إليه عند الإطلاق، قال الشيخ:

لا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية، مع قرينة إرادة الطلاق، فإذا قرن الكنايات بلفظ يدل على أحكام الكلام، مثل أن يقول: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية، ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي. ثم قال: فإنهم مهدوا في كتاب الوقف، أنه إذا قرن بالكناية بعض أحكامه كانت كالصريح. اهـ. وإذا صرف الزوج لفظه إلى ممكن، يتخرج أن يقبل قوله إذا كان عدلا، كما قاله أحمد فيمن أخبر بالثمن إذا ادعى الغلط، وغير ذلك.

ص: 507

(إلا حال خصومة (1) أو) حال (غضب (2) أو) حال (جواب سؤالها)(3) فيقع الطلاق في هذه الأحوال بالكناية (4) ولو لم ينوه، للقرينة (5)(فلو لم يرده) في هذه الأحوال (6)(أو أراد غيره في هذه الأحوال، لم يقبل) منه (حكما)(7) .

(1) بينهما فيقع، للقرينة الدالة على مراده الطلاق، هذا المذهب، وعنه: ليس بطلاق. وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.

(2)

لقوة الظن أن المراد به الطلاق، وعنه: لا تطلق. وفاقا لمالك، والشافعي.

(3)

أي سؤال الزوجة الطلاق، اكتفاء بدلالة الحال عليه، قال الموفق: والأولى في الألفاظ التي يكثر استعمالها لغير الطلاق، نحو: اخرجي. لا يقع بها طلاق حتى ينويه.

(4)

الظاهرة أو الخفية، لقيامها مقام نية الطلاق.

(5)

وقالوا: لأن دلالة الحال كالنية، وعنه: لا يقع في هذه الأحوال إلا بنية؛ جزم به أبو الفرج وغيره، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة.

(6)

أي حال خصومة، أو غضب، أو سؤالها الطلاق.

(7)

قال في الإنصاف: في أصح الروايتين.

ص: 508

لأنه خلاف الظاهر من دلالة الحال (1) ويدين فيما بينه وبين الله تعالى (2)(ويقع مع النية بـ) الكناية (الظاهرة ثلاث، وإن نوى واحدة)(3) لقول علماء الصحابة، منهم ابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة رضي الله عنهم (4) .

(1) ودلالة الحال كالنية، تغير الأقوال والأفعال، وعنه: يقع بها ما نواه فقط، وقال ابن قندس: الذي يظهر أنه لا بد من النية في حال الغضب، وسؤال الطلاق، وقولهم دلالة الحال تقوم مقام النية في هذا المقام. معناه أن دلالة الحال تدل على النية، وليس مرادهم سقوط النية بالكلية، وفي كلام الزركشي ما يدل على ذلك، وكونه إذا ادعى عدم إرادته دين كما يأتي.

(2)

لاحتمال صدقه، وهذا يدل على اعتبار النية، وعليه فلو كان وقوع الطلاق بها لا يحتاج إلى إرادة الطلاق، لم يصح ذلك، كما صرح به الزركشي وغيره.

(3)

لأنه لفظ يقتضي البينونة في الطلاق، فوقع ثلاثا.

(4)

وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت، في وقائع مختلفة، وهو قول مالك، وظاهره: لا فرق بين المدخول بها وغيرها، لأنهم لم يفرقوا، وكان أحمد يكره الفتيا في الكنايات الظاهرة، وعنه: يقع بالكناية الظاهرة ما نواه. اختاره جماعة، منهم أبو الخطاب، لما روى الترمذي وغيره وصححه، أن ركانة طلق امرأته ألبتة، فقال صلى الله عليه وسلم «ما أردت إلا واحدة؟» قال: ما أردت إلا واحدة. فردها إليه.

وقال لابنة الجون «ألحقي بأهلك» وهو صلى الله عليه وسلم لا يطلق ثلاثا فإن لم ينو عددا فواحدة وهو مذهب الشافعي وعند أصحاب الرأي إن نوى اثنتين فواحدة، ويقبل منه حكما.

ص: 509

(و) يقع (بالخفية ما نواه) من واحدة أو أكثر (1) فإن نوى الطلاق فقط فواحدة (2) وقول: أنا طالق، أو بائن (3) أو: كلي، أو اشربي، أو اقعدي (4) أو بارك الله عليك ونحوه (5) لغو، ولو نواه طلاقا (6) .

(1) أي ويقع بالكناية الخفية ما نواه من العدد، في الغضب والرضى، لأن اللفظ لا دلالة له على العدد.

(2)

رجعية، كما لو أتى بصريح الطلاق، إن كانت مدخولا بها، وإلا وقعت واحدة بائنة.

(3)

أي وقوله لزوجته: أنا طالق؛ أو: أنا منك طالق؛ أو: أنا بائن؛ أو أنا منك بائن؛ أو حرام؛ أو بريء. لا يقع الطلاق بإضافته إليه.

(4)

أو قومي، ونحو ذلك مما لا يدل على الطلاق، لا تطلق به.

(5)

كأنتِ مليحة، أو قبيحة.

(6)

لأنه لا يحتمل الطلاق، فلو وقع به لوقع بمجرد النية.

ص: 510

فصل (1)

(وإن قال) لزوجته (أَنت علي حرام (2) أَو كظهر أمي؛ فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق) (3) لأنه صريح في تحريمها (4) .

(1) أي فيما لا يصح أن يكون كناية في الطلاق، وما يكون كناية فيه مع نية أو قرينة، وما يكون يمينا، أو لغوا.

(2)

فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق، أو قال: أعني به الطلاق. هذا المذهب.

(3)

لأن الظهار تشبيه بمن يحرم على التأبيد، والطلاق يفيد تحريما غير مؤبد، ولو صرح به فقال – بعد قوله: كظهر أمي – أعني به الطلاق. لم يصر طلاقا، لأنه لا تصلح الكناية عنه، ذكره الموفق وغيره.

(4)

فلم يحتمل سواه، والله تعالى قال {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم أمته على نفسه، وقال ابن عباس: إذا قال لامرأته: أنت علي حرام، لغو باطل، لا يترتب عليه شيء؛ وفي لفظ: ليس بشيء. وقال {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وهو قول أصحاب الحديث وغيرهم، ورجحه جماعة من العلماء.

وقال الشيخ: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام؛ أو لسريته: أنت علي حرام. أو لطعامه، أو شرابه، فهذا التحريم يتضمن منعه لنفسه، وأنه التزم هذا الامتناع، التزاما جعله لله، لأن التحريم إنما يكون لله، وهو إذا قاله لم يرد أن الله حرمه عليه ابتداء، فإن هذا كذب، لا يقصد إلا أنه ممتنع منه، من جنس ما حرمه الله عليه، وهذا هو معنى اليمين.

ص: 511

(وكذلك: ما أَحل الله علي حرام)(1) أو الحل علي حرام (2) وإن قاله لمحرمة بحيض أو نحوه (3) ونوى أنها محرمة به فلغو (4)(وإن قال: ما أَحل الله علي حرام، أعني به الطلاق. طلقت ثلاثا)(5) لأن الألف واللام للاستغراق (6) .

(1) أي ظهار، ولو نوى به الطلاق.

(2)

أي أو قال لزوجته: الحل علي حرام. فهو ظهار، لأنه صريح فيه، قال ابن القيم: ذهب جمهور العلماء إلى جواز التجوز، لعلاقة مع قرينة في جميع الألفاظ، إلا ما خص، فما يمنعه في باب الطلاق، وقد نواه، وإن لم ينو، فيمين مكفرة.

وقال الشيخ: المناكح، والمطاعم، التي يباح الانتفاع بها، هي مما سماها الله حلالا، ومن جعل ما أحله الله حراما فقد أتى منكرًا من القول وزورا، وهو كلام لا يمكن تحقيق موجبه، ولا يحل التكلم به، فلا يجعل سببًا لما أباحه الله من الطلاق الذي فيه إرسال المرأة.

وإن قصد به الطلاق، فليس له أن يقصد الطلاق بمثل هذا الكلام، كما لو قال زواجي بك حرام، وقصد به الطلاق، فإن هذا كلام باطل في نفسه، فلا يحصل به ثبوت ملك، ولا زواله، ولكنه يمين، لأنه امتنع به من المباح امتناعًا بالله؛ قال وهذا هو الثابت عن أكثر الصحابة، وأفضلهم، أنهم جعلوا تحريم الحلال يمينا، وجعلوا النذر يمينا، وكلاهما يدل عليه النص.

(3)

كنفاس، أو صيام، أو إحرام.

(4)

لا يترتب عليه حكم، لمطابقته الواقع.

(5)

فقوله: أعني به الطلاق. تفسير للتحريم، فدخل فيه الطلاق كله.

(6)

قاقتضى استغراق الطلاق.

ص: 512

لعدم معهود يحمل عليه (1)(وإن قال: أَعني به طلاقًا؛ فواحدة)(2) لعدم ما يدل على الاستغراق (3)(وإن قال) : زوجته (كالميتة، والدم، والخنزير؛ وقع ما نواه من طلاق، وظهار (4) ويمين) بأن يريد ترك وطئها، لا تحريمها ولا طلاقها (5) فتكون يمينا، فيها الكفارة بالحنث (6) (وإن لم ينو شيئًا) من هذه الثلاثة (فظهار) لأن معناه: أنت علي حرام، كالميتة والدم (7) .

(1) ويمكن أن تكون الألف واللام للحقيقة والجنس، فلم يتعين أن تكون للاستغراق، إذ لا قرينة، ويقع به واحدة فقط.

(2)

لأنه صريح في الطلاق، لكن لا يقع ثلاثا.

(3)

وليس بصريح في الظاهر، وإنما هو صريح في التحريم، فإذا بين بلفظه إرادة صريح الطلاق صرف إليه، وتقدم قول الشيخ: إن من جعل ما أحل الله حراما، فقد أتى منكرا من القول وزورا، وأنه كلام لا يمكن تحقيق موجبه، وأنه كلام باطل في نفسه، فلا يحصل به ثبوت ملك ولا زواله، ولكنه يمين.

(4)

لأنه يصلح أن يكون كناية في الطلاق، فإن اقترنت به النية انصرف إليه، وإن نوى عددًا وقع، وإلا فواحدة، وكناية في الظهار إذا نواه، بأن يقصد تحريمها عليه، مع بقاء نكاحها، كأنت علي حرام.

(5)

وأقام ذلك مقام: والله لا وطئتك.

(6)

لترتب الحنث والبر، ثم ترتب الكفارة بالحنث، وفي المبدع: إن قوله كالميتة ليس صريحا في اليمين، فلا تلزمه الكفارة.

(7)

فإن تشبيهها بهما يقتضي التشبيه بهما في الأمر الذي اشتهرا به، وهو

التحريم، والوجه الثاني: يكون يمينا. لأن الأصل براءة الذمة، فإذا أتى بلفظ محتمل، ثبت فيه أقل الحكمين، لأنه اليقين.

ص: 513

(وإن قال: حلفت بالطلاق (1) وكذب) لكونه لم يكن حلف به (لزمه) الطلاق (حكما)(2) مؤاخذة له بإقراره (3) ويدين فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى (4)(وإن قال) لزوجته (أمرك بيدك (5) ملكت ثلاثا، ولو نوى واحدة) (6) لأنه كناية ظاهرة (7) .

(1) أو قال: حلفت بالله لأفعلن كذا، أو لا فعلته؛ ونحو ذلك.

(2)

أي حكم بطلاقه، لأنه حق إنسان معين، فلا يقبل رجوعه، ولو قال: حلفت بالطلاق الثلاث. فقال: لم أحلف إلا بواحدة. أو قالت: علَّقت طلاقي على قدوم زيد. فقال: بل على قدوم عمرو. فالقول قوله، لأنه أعلم بحال نفسه.

(3)

وعنه: هي كذبة؛ ليس عليه يمين، وذلك لأن قوله: حلفت؛ ليس بحلف، وإنما هو خبر عن الحلف، فإذا كان كاذبا فيه، لم يصر حالفًا.

(4)

أي يوكل إلى دينه فيما نواه، فلا يقبل ظاهرًا، لمخالفته مقتضى اللفظ، ويعمل بما نواه باطنا، إن كان صادقًا، بأن يراجعها ويطلبها، ولها تمكينه إذا ظنت صدقه بقرينة، وإن ظنت كذبه فلا، وإن استوى الأمران كره لها تمكينه.

(5)

وكذا لو جعله في يد غيرها، وهو توكيل منه في الطلاق.

(6)

لأنه اسم جنس مضاف، فتناول الطلقات الثلاث، أِشبه ما لو قال: طلقي نفسك ما شئت.

(7)

وتحتاج أيضًا إلى نية.

ص: 514

وروي ذلك عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس (1)(ويتراخى) فلها أن تطلق نفسها متى شاءت (2) ما لم يحد لها حدًا (3) أو (ما لم يطأْ أو يطلق، أو يفسخ) ما جعله لها (4) أو ترد هي (5) لأن ذلك يبطل الوكالة (6)(ويختص) قوله لها (اختاري نفسك بواحدة (7) وبالمجلس المتصل (8) .

(1) وروي عن فضالة، وغيره من الصحابة والتابعين.

(2)

لقول علي، ولا يعرف له مخالف في الصحابة، ولأنه نوع تمليك في الطلاق، فملكه المفوض إليه، في المجلس وبعده، وكما لو جعله لأجنبي، وصفته أن تقول: طلقت نفسي؛ أو: أنا منك طالق. وإن قالت: أنا طالق. لم يقع شيء.

(3)

أي يقيده بوقت، فإلى وقته.

(4)

فلا تطلق نفسها بعد، لأن ذلك وكالة، فتبطل إذا فسخها بالقول، أو أتى بما يدل على فسخها، والوطء يدل على الفسخ، وإن جعله بيد غيرها فكذلك الحكم.

(5)

بطل خيارها.

(6)

أي لأن ردها جعل أمرها بيدها، يبطل وكالته إياها.

(7)

لأن "اختاري" تفويض معين، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وهو طلقة رجعية، لأنها بغير عوض، نص عليه، وقاله جماعة من الصحابة، ونصره الشارح.

(8)

أي ويختص قوله لها: اختاري لنفسك؛ بالمجلس المتصل، ويصح جعله لها بعد المجلس، ومتى شاءت، وبجعل منها أو من غيرها، ولا يكون الجعل عوضا في الطلاق.

ص: 515