الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً}
(1) الآية 1.
ــ
(1)
أراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة الرد على كل مشرك كائنا من كان، وبيان حال المدعوين من دون الله، أنهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، وقوله:"أيشركون" استفهام إنكار وتوبيخ، وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله من لا يخلق شيئا، وليس فيه ما يستحق به العبادة؛ فإنه إذا كان معبودهم لا يخلق شيئا بطلت عبادتهم له، وتقرر أن الخالق سبحانه هو المستحق للعبادة وحده، وقوله:"وهم يخلقون" أي ومن أشركوه مع الله في عبادته مخلوق، والمخلوق لا يستحق أن يكون شريكاً للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وأخبر أنهم مع ذلك "لا يستطيعون لهم نصرا" أي لمن سألهم النصرة "ولا أنفسهم ينصرون" وهاتان الصفتان أبلغ مما قبلهما، أي فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه، ولا نصر نفسه؟ وذلك برهان ظاهر قاطع ببطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، فإنه إذا كان المدعو لا يقدر أن ينصر نفسه فلأن لا ينصر غيره من باب الأولى، بل من هذه حاله فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلها معبودا؟ فبطل تعلق المشركين بهذه البراهين، وهي كونهم لا يخلقون بل يخلقون، عبيد لمن خلقهم لعبادته، والعبد لا يكون معبودا، ولا قدرة لهم على نفع عابدهم، ولا على نفع أنفسهم، وخاب سعيهم، وظهر أنهم أخسر الناس صفقة.
1 سورة الأعراف آية: 191-192.
وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} (1) الآية 1.
وفي الصحيح عن أنس قال: " شجّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد (2)
ــ
(1)
أول الآية قوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ} 2. يخبر سبحانه أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، فهو المستحق للعبادة وحده، ولهذا قال: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} 3. وهو القشرة على النواة نكرة في سياق النفي، ومع دخول "من" عليه من أبلغ النفي، فمن كانت هذه صفته لا يجوز أن يرغب إليه في دفع ضر، أو جلب نفع، وأخبر أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، أي يجحدونه ويتنصلون منه، ويتبرءون ممن فعله معهم، ثم قال:"ولا ينبئك" أي يخبرك بعواقب الأمور، ومآلها وما تصير إليه "مثل خبير" بها، يعني نفسه تبارك تعالى، فإنه سبحانه أخبر بالواقع لا محالة، عن حال المدعوين من الملائكة والأنبياء وغيرهم، بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك وسماع الدعاء، والقدرة على الاستجابة، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته.
(2)
جبل معروف شرقي المدينة، كانت عنده الوقعة المشهورة، فأضيفت إليه، والشج الجرح في الرأس والوجه خاصة، وهو أن يضربه بشيء فيشق جلده، والحديث في الصحيحين، علقه البخاري عن حميد عن ثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميد عن أنس، ووصله مسلم عن ثابت عن أنس، وقد أخرج ابن إسحق في المغازي عن أنس، قال:" كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت هذه الآية "4 =
1 سورة فاطر آية: 13.
2 سورة فاطر آية: 13.
3 سورة فاطر آية: 13.
4 مسلم: الجهاد والسير (1791)، والترمذي: تفسير القرآن (3003)، وابن ماجه: الفتن (4027) ، وأحمد (3/99 ،3/178 ،3/201 ،3/206 ،3/253 ،3/288) .
وكسرت رباعيته (1)، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ (2) فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} " (3) .
ــ
= وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد أن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في وجهه، وأن عبد الله بن قميئة جرحه في وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وازدرده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" لن تمسك النار".
(1)
الرباعية بفتح الراء وتخفيف الباء كل سن بعد ثنية، وللإنسان أربع رباعيات، قال الحافظ: كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقلع من أصلها، وذكر ابن هشام أيضا أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم السفلى، وجرح شفته السفلى، وجزم به غيره، وقال عليه السلام:" اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا " فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار.
وروى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: " رمى عبد الله بن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فشج وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال له: "مالك أقماك الله " فسلط عليه تيس الجبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة ". وفي الحديث إثبات وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء لينالوا جزيل الثواب، ولتعرف الأمم من أصابهم، فيتأسوا بهم، وليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، فلا يفتتن بهم، ويغلى فيهم، فيعبدون من دون الله.
(2)
أي كيف يحصل لهم الظفر والفوز والسعادة، مع فعلهم هذا بنبيهم، زاد مسلم:" كسروا رباعيته، وأدموا وجهه ".
(3)
أي ليس لك من الحكم في عبادي شيء، وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم، وليس لك إلا ما أمرتك به فيهم، وليس ذلك بهوان بالنبي صلى الله عليه وسلم على الله، فإنه أكرم خلق الله عليه، وأفضلهم على الإطلاق، ولكن ليتبين نزول قدره صلى الله عليه وسلم عن مقام الربوبية، فإنما هو عبد الله ورسوله.
وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما (1)" أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا (2) بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (3) "1.
ــ
(1)
أي في صحيح البخاري، ورواه النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل، الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاح، ففي الصحيح أنه قال لحفصة:" إن أخاك، أو إن عبد الله رجل صالح "2. وهو معروف بالورع، ليس في زمانه له نظير في ذلك، أسلم مع أبيه وهو صغير، وكان من أهل العلم، كثير الإتباع، شديد التحري والاحتياط، أجيز يوم الخندق، وأفتى ستين سنة، وبلغ ستاً وثمانين.
(2)
هذا القنوت على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، كما بينه في الرواية الآتية، وذلك بعد ما شج رأسه، وكسرت رباعيته يوم أحد، وأصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السبّ، وتقدم.
(3)
أي يدعو عليهم بعد التسميع، فأخبره الله أنه ليس له من الأمر شيء إلا ما أمر به، ومعنى "سمع الله لمن حمده" استجاب دعاء الحامدين له وقبله، فاستجب يا ربنا، ولك الحمد على ذلك، والحمد ضد الذم، ويكون على محاسن المحمود مع المحبة له، وفرق بينه وبين المدح بأن الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا عن حب وإرادة، وهو المدح، أو يكون مقرونا بحبه وإرادته فهو الحمد.
1 البخاري: المغازي (4070)، والنسائي: التطبيق (1078) ، وأحمد (2/93 ،2/147) .
2 مسلم: فضائل الصحابة (2478 ،2479)، والترمذي: المناقب (3825)، وابن ماجه: تعبير الرؤيا (3919) ، وأحمد (2/5) .
وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام (1) ، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (2) "1. وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه (3) .
ــ
(1)
إنما دعا عليهم لأنهم رؤوس المشركين يوم أحد، هم وأبو سفيان بن حرب، وأشد الناس عداوة له صلى الله عليه وسلم وهم السبب في غالب ما جرى عليه، ومع ذلك ما استجيب له صلى الله عليه وسلم فيهم.
(2)
(أو يتوب عليهم أو يعذبهم) فتاب عليهم فأسلموا، وحسن إسلامهم، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم دعا في الصلاة، وهو أشرف الخلق، وخلفه الصحابة يؤمنون على دعائه، وهم صفوة الخلق بعد الرسل، ومع ذلك أنزل الله هذه الآية، فلا يبقى في قلب أحد شيء من التعلق بغير الله عز وجل، فإن في هذا كله أكبر دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك ولا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه، فبطل ما يعتقده فيه المشركون أنه ينفع دعاؤه بعد موته صلى الله عليه وسلم أو دعاء أحد من سائر الأنبياء والصالحين بهذه البراهين. قال المصنف:((وفيه القنوت في النوازل وتسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ولعن المعين في القنوت)) اهـ.
وفيه إثبات التسميع والتحميد للإمام، ومحل القنوت بعده، وآكديته في الفجر، وإن كان قد ورد في غيره فهذا الحديث أصح.
(3)
أي في صحيح البخاري، وله طرق كثيرة في الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها، عن أبي هريرة وغيره، واسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، قال النووي:((على الأصح من ثلاثين قولا، كني بهريرة كانت له في صغره، وهو أول من كني بهذا)) اهـ.
وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وهو ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف ابن عتاب الدوسي، من حفاظ الصحابة وفضلائهم وأكابرهم، لم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منهم أكثر منه، مات سنة 57 هـ، وله 78.
1 البخاري: المغازي (4070)، والترمذي: تفسير القرآن (3005)، والنسائي: التطبيق (1078) ، وأحمد (2/93 ،2/104 ،2/118 ،2/147) .
قال: " قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} 1 فقال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها (2) ، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا (3) ،
ــ
(1)
عشيرة الرجل هم بنو أبيه الأدنون، أو قبيلته؛ لأنهم أحق الناس ببره وإحسانه الديني والدنيوي، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} 2. وهذه نذارة خاصة، وإلا فقد أمره الله أيضا بالنذارة العامة، كما قال (أن أنذر الناس) وقد بلغهم ما أمر به صلى الله عليه وسلم.
وفي الصحيح من رواية ابن عباس: " صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، وهو الجبل المعروف أسفل جبل أبي قبيس، فقال: يا صباحاه حتى اجتمع عليه ما بين أخشبي مكة، ولمسلم: فهتف يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وفي رواية: إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف يا صباحاه ".
(2)
المعشر الجماعة الذين أمرهم واحد، ويتناول الأنبياء والإنس والجن، جمعه معاشر، والكلمة بالنصب عطف على ما قبلها، وهو شك من الراوي، هل قال: يا معشر قريش، أو قال ما يقارب ذلك، خاطب العامة أولا.
(3)
وفي رواية: " أنقذوا أنفسكم من النار "3. وعند الطبراني عن أبي أمامة: " اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاكم " أي خلصوها بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباعي فيما جئتكم به، مما أنزل الله علي من توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وترك ما كنتم تعبدونه من دون الله من الأوثان والأصنام، فإن ذلك هو الذي ينجيكم من عذاب الله، لا الاعتماد على الأحساب والأنساب، =
1 البخاري: الوصايا (2753)، ومسلم: الإيمان (204 ،206)، والنسائي: الوصايا (3644 ،3646 ،3647) ، وأحمد (2/333 ،2/360 ،2/519)، والدارمي: الرقاق (2732) .
2 سورة التحريم آية: 6.
3 مسلم: الإيمان (204)، والترمذي: تفسير القرآن (3185)، والنسائي: الوصايا (3644) ، وأحمد (2/360 ،2/519) .
يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا " (1) .
ــ
= فإن ذلك غير نافع لكم، وفي صحيح البخاري:" يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا"1. وإنما الله –سبحانه- هو المتصرف في خلقه بما شاء، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
(1)
عباس وصفية وفاطمة بالرفع، ويجوز النصب، وقال النووي: النصب أفصح، و (ابن)
و (عمة) و (بنت) بالنصب لا غير، أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، فأنذر الأقربين نذارة خاصة، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وبلغهم وأعذر إليهم، فأنذر قريشا ببطونها، وقبائل العرب في مواسمها، وأنذر عمه وعمته وهم أقرب الناس إليه، وإنما أفردهم لشدة قرابتهم، وأخبر أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وأن مجرد قربهم منه غير نافع لهم، ولا منج من عذاب الله إذا لم يؤمنوا به، ويقبلوا ما جاءهم به من التوحيد وسائر شرائع الإسلام، وترك الشرك، ثم خص بالنذارة من هي بضعة منه، وقال:" سليني من مالي ما شئت "؛ لأن هذا هو الذي يقدر عليه صلى الله عليه وسلم، وأما ما كان من أمر الله فلا قدرة لأحد عليه، فإذا كان لا ينفع ابنته وعمه وعمته وقرابته فغيرهم بطريق الأولى والأحرى، وبين أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح، وفيه أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا، وأما النجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يجوز أن يطلب إلا من الله تعالى.
قال المصنف: ((فإذا صرح صلى الله عليه وسلم -وهو سيد المرسلين- أنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، من الالتجاء إلى غير الله، وسؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله، تبين له التوحيد وغربة الدين)) .
1 مسلم: النذر (1641)، وأبو داود: الأيمان والنذور (3316) ، وأحمد (4/430)، والدارمي: السير (2505) .