الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه
(1)
وقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} 1 الآية (3) .
عن بريدة رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية (4)
ــ
(1)
أي من الدليل على وجوب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود، وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له، فهو قدح في التوحيد.
(2)
أمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق،. والمحافظة على الأيمان، ومراد المصنف رحمه الله ما يجري بين الناس من الذمة أنه يجب الوفاء بذلك، وهو فرد من أفراد معنى الآية، فإنها دالة على وجوب الوفاء بذلك.
(3)
هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع. قال مجاهد: يعني الحلف، أي حلف الجاهلية. وروى أحمد عن جبير بن مطعم مرفوعا:" لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة "2 أي أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن بالتمسك بالإسلام حماية وكفاية عما كانوا فيه. وقوله {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} 3 تهديد ووعيد.
(4)
أي جعل شخصا أميرا على جيش أي جنود، أو سرية وهي القطعة من الجيش تخرج منه وتغير وترجع إليه، والغزاة أو الخيل من المائة إلى الأربعمائة =
1 سورة النحل آية: 91.
2 مسلم: فضائل الصحابة (2530)، وأبو داود: الفرائض (2925) ، وأحمد (4/83) .
3 سورة النحل آية: 91.
أوصاه بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا (1)، فقال: اغزوا بسم الله في سبيل الله (2) ، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا (3) ،
ــ
= ونحوها، فإن كثر فهو الجيش، سميت سرية لأنها تسري في الليل غالبا ويخفى ذهابها، وبريدة هو ابن حصيب الأسلمي تقدم، وهذا الحديث من رواية ابنه سليمان عنه.
(1)
أي أوصاه في خاصته بتقوى الله، أي بالتحرز بطاعته من عقوبته، وهي كلمة جامعة يدخل فيها فعل جميع الطاعات، واجتناب المحرمات، وأوصاه أيضا بمن معه من المسلمين أن يفعل معهم خيرا من الرفق بهم، والإحسان إليهم، وخفض الجناح لهم، وترك التعاظم عليهم، وتعريفهم ما يحتاجون إليه في غزوهم، وما يحرم عليهم وما يكره.
(2)
أي اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله مخلصين له، فتكون الباء في "بسم الله" هنا للاستعانة بالله، والتوكل عليه. و "في سبيل الله" أي طاعته كما في الراوية الأخرى. وفي الحديث:" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، فهو في سبيل الله "1.
(3)
هذا العموم شمل جميع أهل الكفر المحاربين وغيرهم، وقد خصص من له عهد، وكذا الرهبان والنسوان ومن لم يبلغ الحلم؛ لأنه لا يكون منهم قتال غالبا، فإن حصل منهم قتال أو تدبير قتلوا.
(4)
كرر الأمر بالغزو اهتماما بأمره، ونهى عن الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة من غير قسمة لها، وقد قال تعالى:{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 2. وقال عليه الصلاة والسلام: " الغلول عار ونار يوم القيامة "3. ولا خلاف في تحريمه.
1 البخاري: العلم (123)، ومسلم: الإمارة (1904)، والترمذي: فضائل الجهاد (1646)، والنسائي: الجهاد (3136)، وأبو داود: الجهاد (2517)، وابن ماجه: الجهاد (2783) ، وأحمد (4/392 ،4/397 ،4/401 ،4/405 ،4/417) .
2 سورة آل عمران آية: 161.
3 مالك: الجهاد (994) .
ولا تغدروا، ولا تمثلوا (1) ، ولا تقتلوا وليدا (2)، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال - أو خصال - (3) : فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم (4) ، ثم ادعهم إلى الإسلام (5) ،
ــ
(1)
تغدروا بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد، والتمثيل التشويه بالقتيل، كجدع أنفه وأذنه ونحو ذلك من العبث به.
(2)
الوليد المولود والصبي والعبد، وكذا النساء والرهبان، لأنهم لا يقاتلون، فإن قاتلوا قتلوا كما تقدم.
(3)
شك من الراوي ووزنهما ومعناهما واحد، ويفسر أحدهما بالآخر.
(4)
أية منصوب بأجابوا، أي فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: جئتك إلى كذا وفي كذا، فيعدى إلى الثاني بحرف الجر.
(5)
كذا وقعت الرواية في جميع نسخ صحيح مسلم بزيادة: "ثم"، وذكر غير واحد أن الصواب إسقاطها كما في سنن أبي داود، وكتاب الأموال لأبي عبيد وغيرهما؛ لأن ذلك هو تفسير الثلاث الخصال لا غيرها، والابتداء بثم يوهم ابتداء بغير الثلاث الخصال المذكورة في الحديث. وقال المازري: دخلت لاستفتاح الكلام، وفيه دلالة لما ذهب إليه مالك من الجمع بين الأحاديث في الدعوة، فإنه قال: لا يقاتل الكفار قبل أن يدعوا، ولا تلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم، وصححه الشارح وغيره؛ لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين، فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون سببا إلى انقيادهم إلى الإسلام، بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم إنما يقاتلون للملك أو الدنيا، فيزيدون عتوا وعنادا وبغضا.
فإن أجابوك فاقبل منهم (1) ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين (2) ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك (3) فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين (4) ، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء (5)
ــ
(1)
أي فاقبل منهم الإسلام وكف عنهم القتال.
(2)
يعني إلى المدينة إذ ذاك، وكان في أول الأمر وجوب الهجرة إليها على كل من دخل في الإسلام. وفيه دليل على وجوب الهجرة على كل من أسلم، وهو في بلد الشرك إلى بلد الإسلام إذا استطاع، وتجب أو تستحب إذا ظهرت المعاصي كما نص عليه أهل العلم.
(3)
أي أخبرهم أنهم إن تحولوا من دار الشرك إلى دار الإسلام وهي إذ ذاك المدينة.
(4)
أي لهم ما لهم من الفيء والغنيمة ونحو ذلك، وعليهم ما عليهم من الجهاد وغيره.
(5)
أي فإن امتنعوا بعد أن أسلموا من الهجرة من البداوة وغيرها، إلى دار المسلمين، ولم يجاهدوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو، فتجري عليهم أحكام الإسلام ولا يعطون من الخمس ولا من الفيء شيئا، وإنما لهم أن الصدقة المأخوذة من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وبه أخذ الشافعي أن الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حق لهم في الفيء، والفيء للأجناد. وَسَوَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوزا صرف كل منهما إلى النوعين.
إلا أن يجاهدوا مع المسلمين (1) ، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية (2) ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم (3) ، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم (4) ، وإذا حاصرت أهل حصن (5)
ــ
(1)
أي فيكون لهم ما للمجاهدين المهاجرين وغيرهم من الخمس والفيء ونحو ذلك.
(2)
وهي المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمة، فعلة من الجزاء، كأنها جزت عن قتله، وفيه حجة لمالك والأوزاعي وغيرهما في أخذها من كل كافر عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره، واختاره الشيخ وغيره، ورجحه ابن القيم وغيره؛ لهذا الخبر وغيره، تؤخذ على الرجال الأحرار البالغين دون غيرهم، ممن كان تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره، ويجب تحويلهم إلى بلاد المسلمين أو حربهم.
(3)
أي: فإن أجابوك إلى الجزية فاقبلها منهم، وكف عن قتالهم.
(4)
أي فإن أبوا عن الإسلام وعن الجزية فاستعن بالله وحده، فهو الذي بيده النصر والتأييد، وقاتلهم كما قال تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 1 وقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2 الآية.
(5)
الحصن كل مكان محمي محرز، لا يوصل إلى جوفه، أو لا يقدر عليه لارتفاعه، وحاصرت أهله ضيقت عليهم، وأحطت بهم.
1 سورة التوبة آية: 29.
2 سورة التوبة آية: 5.
فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه (1) ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا " رواه مسلم (2) .
ــ
(1)
الذمة هنا العهد، وتخفر بضم التاء تنقض، يقال: أخفرت الرجل نقضت عهده، وخفرته بعد أن أمنته وحميته وأجرته، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد، كبعض الأعراب وسواد الجيش، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد معتد، كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله وعهد نبيه، ولعل ذلك للتنزيه.
(2)
وهذا أيضا - والله أعلم - للتنزيه والاحتياط، وفيه أن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نص على أن الله حكم حكما معينا، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه فهو المخطئ.