الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما
(1)
وقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَاّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} (2) الآيات 1.
ــ
(1)
أي وما يشبههما كبقعة ومغارة وزاوية وقبر ومشهد وموطئ وأثر ونحو ذلك. و (من) اسم شرط، والجواب محذوف تقديره: فقد أشرك بالله. ويحتمل أن (من) موصولة فيكون معناها باب بيان حكم من تبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وما يترتب عليه من الوعيد، وحكمه أنه مشرك الشرك الأكبر؛ لكونه تعلق على غير الله في حصول البركة من غيره، وإن كان الله جعل فيه بركة. والتبرك طلب البركة ورجاؤها واعتقادها، أو عائدة وأمل بركة تعود إليه من جهتها، من جلب نفع أو دفع ضر. وتبرك به تيمن وفاز منه بالبركة، واستبرك به تفاءل بالبركة، والبركة النماء والزيادة.
(2)
أي هل نفعت أو ضرت، يعني أنتم تعلمون أن ذلك ليس إليها، فلم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ وهذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان الجاهلية من أهل الحجاز، ولهذا نص عليها بأعيانها، وإلا ففي الحجاز أوثان غيرها، لكن خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها أكبر أصنام العرب إذ ذاك، فصارت الفتنة بها أشد. فأما اللات فقرئ بالتخفيف والتشديد، فعلى الأولى قالوا: هي صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف، وعلى الثانية قال ابن عباس:" رجل كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره ". ولا منافاة بين عبادتهم الصخرة أو قبره. وأما العزى فكانت شجرة سمر عليها بناء وأستار بنخلة الشامية المسماة بالمضيق بين مكة والطائف، كانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى إلخ. ولما فتح رسول =
1 سورة النجم آية: 19-20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث إليها خالدا فقطع الشجرة وهدم البيت، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ارجع فإنك لم تصنع شيئا"، فلما رجع وجد امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحفن التراب على وجهها فقتلها، فقال صلى الله عليه وسلم:"تلك العزى". وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة. قال الشيخ: ((كانت لأهل المدينة، ومن قال: إنها لغطفان؛ فلأنها كانت تعبدها، وهي في جهتها)) اهـ.
وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها، ويهلون منها للحج، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا فهدمها يوم الفتح. ومناسبة الآية للترجمة أن عبادة المشركين لها إنما كانت بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها، من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار والأحجار كالعزى ومناة، من جنس فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، مع أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك، قال تعالى:{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى} 1. أي كيف تجعلون هذه الإناث أندادا لله وتسمونها آلهة، وذلك أنهم اشتقوا اسم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقيل: أتجعلون لكم ما تحبون وهم الذكور، وتجعلون لله الإناث؟ وهذا من قولهم: الملائكة بنات الله: {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} 2. أي جور وباطل {إِنْ هِيَ} يعني ألوهية هذه الأوثان: {إِلَاّ أَسْمَاءٌ} أي مجرد تسمية: {سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} 3 من تلقاء أنفسكم: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} 4 أي من حجة وبرهان، وتسمية الحجة سلطانا لما فيها من السلطة على القلوب والعقول، بالمصير لقبول المدلول: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ} 5 أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم: {وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} 6 فنهاية برهانهم مبني على أمرين: فساد العلم، وفساد الإرادة. وكل فساد في الوجود من الشرك فما دونه دائر على فساد العلم وفساد الإرادة أو هما جميعا، كما أنه لا استقامة إلا لمن عنده علم =
1 سورة النجم آية: 21.
2 سورة النجم آية: 22.
3 سورة الأعراف آية: 71.
4 سورة يوسف آية: 40.
5 سورة الأنعام آية: 116.
6 سورة النجم آية: 23.
عن أبي واقد الليثي (1) قال: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين (2) ونحن حدثاء عهد بكفر (3) ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها (4)
ــ
= صحيح وإرادة صحيحة.: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} 1 أرسل إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة القاطعة بإبطال عبادتها، وفي هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت وأشباهها مما لا مزيد عليها.
(1)
واسمه الحارث بن عوف، صحابي مشهور أسلم قبل الفتح، وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكر يوم الفتح، وخرج إلى مكة فجاور بها سنة ومات سنة 68 هـ، وله 85 سنة.
(2)
وفي حديث عمرو بن عوف عند الحاكم وغيره: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، ونحن ألف ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف إلخ. وحنين واد بشرقي مكة، بينه وبينها بضعة عشر ميلا، قاتل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن بعد الفتح، والقصة مشهورة.
(3)
أي قريب عهدنا بالكفر؛ لأنه ممن أسلم يوم الفتح، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك; ولهذا اعتذروا مما صدر منهم. قال المصنف:((فيه أن غيرهم لا يجهله ذلك، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة)) .
(4)
أي يلبثون ويقيمون عندها ويعظمونها. والعكوف هو البقاء واللبث والإقامة على الشيء في المكان، عبادة وتعظيما وتبركا؛ وإنما عكفوا عندها لما كانوا يأملونه فيها من البركة، كما يعكف عباد القبور اليوم عندها ويجاورون، وتدفع الصدقات والنذور لتلك القبور، وفي حديث عمرو بن عوف قال: كان يناط بها السلاح =
1 سورة النجم آية: 23.
وينوطون بها أسلحتهم (1)، يقال لها: ذات أنواط (2)، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (3)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر إنها السنن (4)
ــ
= فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها إلخ. فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها.
(1)
أي يعقلونها عليها لتنالهم بركتها، فعبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الثلاثة العكوف والتعظيم والتبرك عبدت الأوثان من دون الله، ولفظ ابن إسحاق وغيره:"وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة، يأتونها كل سنة فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها ويذبحون لها ".
(2)
جمع نوط وهو مصدر، سمي به المنوط، وإنما سميت بذلك لكثرة ما يناط بها من السلاح. وفي رواية:" فتنادينا من جانبي الطريق، ونحن نسير إلى حنين يا رسول الله اجعل لنا " إلخ.
(3)
سألوه أن يجعل لهم شجرة مثلها يتبركون بها، ويعلقون عليها أسلحتهم، ويعكفون عندها، ظنا منهم أن هذا أمر محبوب عند الله، وأنه صلى الله عليه وسلم لو جعل لهم مثل ذلك لجاز اتخاذها لحصول البركة، فطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فهم أجل قدرا من أن يقصدوا مخالفة النبي على الله عليه وسلم.
(4)
أي الله أجل وأعظم، صيغة تعجب، وإن كان إجلالا لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله وعظمته، ومما لا يليق بجلاله وعظمته أن يتخذ شجرة يطلب منها البركة. "إنها السنن" يعني سلكتم كما سلك الذين من قبلكم السنن المذمومة، والسنن بضم السين الطرق، والمراد تقليد من تقدمهم من أهل الشرك، وفي رواية:"سبحان الله" =
قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، (1) قال: إنكم قوم تجهلون (2)
ــ
= والمراد تعظيمه تعالى، وتنزيهه أن يشرك معه أحد في عبادته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل التسبيح والتكبر في حال التعجب، تعظيما لله وتنزيها له سبحانه إذا سمع من أحد ما لا يليق به سبحانه، مما فيه هضم للربوبية، وتنقص في الألوهية، وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يسبح ويكبر إذا سمع ما لا ينبغي أن يقال في الدين.
(1)
أي اجعل لنا مثالا نعبده كما لهم آلهة، ولم يكن ذلك شكا منهم في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب به إلى الله. وشبه صلى الله عليه وسلم مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد. فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة، فدل على أن التبرك بالأشجار والأحجار شرك أكبر، لتسويته صلى الله عليه وسلم بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل، وحلف صلى الله عليه وسلم على ذلك وإن لم يستحلف مزيد تحذير وكمال شفقة، وتأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له، فإن التبرك بالأشجار والأحجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة، فما يفعله من يعتقد فيها من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك الأكبر وإن سمى عمله ما شاء من الأسماء. فأهل هذه الأزمنة يسمون شركهم توسلا وتشفعا وهو من أعظم الشرك.
(2)
يعني عظمة الله: {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ} 1 أي هالك وباطل مضمحل وزائل ما كانوا يعملونه من عبادة الأصنام، ولم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بالإسلام، ولأنهم لم يفعلوا. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، أبو الأسباط الاثني عشر، كان في القرن التاسع عشر قبل المسيح، وغالب بني إسرائيل هم اليهود، ومعنى إسرائيل عبد الله، وكذا كل اسم فيه إيل.
1 سورة الأعراف آية: 139.
لتركبن سنن من كان قبلكم " (1) . رواه الترمذي وصححه (2) .
ــ
(1)
بضم السين، أي لتتبعن أنتم أيها الأمة طرق اليهود والنصارى ومناهجهم وأفعالهم، ويجوز فتح السين على الإفراد، أي طريقهم، وقد وقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم فركبوا طرق من كان قبلهم. وفي الصحيحين:" لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " 1 الحديث، وفي رواية:" لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع "2. وهو خبر معناه الذم، وفيه علم من أعلام النبوة. وأن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة، وفيه الخوف منه، وأن الإنسان قد يستحسن شيئا يظنه يقربه إلى الله وهو أبعد ما يبعده. وفيه النهي عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شرعنا، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى أنه لنا، فإنما قاله لنا لنحذره، فلا يجوز التبرك بالصالحين؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع غير النبي صلى الله عليه وسلم لا أبي بكر ولا غيره، ولا فعله التابعون مع قاداتهم في العلم والدين، وللنبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته خصائص كثيرة، لا يصلح أن يشاركه فيها غيره، فلا يجوز أن يقاس عليه أحد من الأئمة لعدم المقاربة فضلا عن المساواة له صلى الله عليه وسلم في الفضل والبركة، وعدم تحقق الصلاح فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، ولو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، ولأنه لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، ولا يتبرك بالكعبة ولا غيرها، سدا لذريعة الشرك، بل تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبره صلى الله عليه وسلم لما كان موجودا، فكرهه مالك وغيره لأنه بدعة، وذكر أنه لما رأى عطاء فعله لم يأخذ عنه العلم.
(2)
وقال: وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن إسحاق وابن عيينة وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم بنحوه.
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم: العلم (2669) ، وأحمد (3/84 ،3/89 ،3/94) .
2 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم: العلم (2669) ، وأحمد (3/84 ،3/89 ،3/94) .