الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده
(1) ؟
في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: " أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة (2)
ــ
(1)
أي باب ذكر ما ورد في النصوص من التغليظ والتهديد، والوعيد الشديد على من يعبد الله عند قبر رجل صالح مع أنه لا يقصد إلا الله، ومع كونه معصية فهو وسيلة وذريعة من أعظم الوسائل والذرائع إلى الشرك، وقد أبدى صلى الله عليه وسلم وأعاد، وكرر وغلظ في ذلك، فكيف إذا عبد الرجل الصالح فإنه أحق وأولى بما هو أعظم من هذا التغليظ، والمقصود أنه إذا كانت عبادة الله عند القبور منهيا عنها، ومغلظا فيها، فكيف بعبادة صاحب القبر، فإن ذلك شرك أكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، وكلما أدى إلى محرم فهو محرم، فإن الوسائل لها حكم الغايات، فوسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إليه، ولما رأى المصنف -قدس الله روحه- تهافت الناس على عبادة القبور، نوع التحذير من الافتتان بالقبور، وأخرجه في أبواب مختلفة، ليكون أوقع في القلوب، وأحسن في التعليم، وأعظم في الترهيب، وأبلغ في التحذير.
(2)
أم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشية المخزومية، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، وتوفيت سنة 62 هـ، والكنيسة- بفتح الكاف =
وما فيها من الصور (1) ، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح –أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدا (2) ، وصوروا فيه تلك الصور (3) ، أولئك شرار (4) الخلق عند الله " 1.
ــ
= وكسر النون- متعبد النصارى، وفي رواية:"يقال لها: مارية"، وفيه أن أم سلمة ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، وهو في الصحيحين، وفيهما أيضا أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1)
أي وذكرت له ما فيها من تلك الصور، وفي رواية:"وذكرتا له من حسنها وتصاوير فيها".
(2)
أي موضعا للعبادة، وإن لم يسم مسجدا كالكنائس والمشاهد، و "أولئك" بكسر الكاف، خطاب للمرأة، والرجل الصالح هو القائم بحقوق الله، وحقوق عباده، وفيه التحري في الرواية، وجواز الرواية بالمعنى لمن يحسن ذلك.
(3)
بكسر الكاف أيضا، وتفتح كالماضية، والإشارة إلى ما ذكرت له أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في تلك الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، ذكرهم على وجه العيب والذم والإشانة.
(4)
شرار بكسر الشين جمع شر كالخيار جمع خير، وإنما سموا بذلك لضلالهم، وسنهم لمن بعدهم الغلو في قبور صالحيهم حتى أفضى بهم ذلك الغلو إلى عبادتها، وهو عام فيمن فعلهم من هذه الأمة، وأي زجر وأي تغليظ وتقريع وتعيير أبلغ من هذا؟ وهم إنما صوروا صورهم ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك وأنذر، وأبدى وأعاد، =
1 البخاري: الصلاة (427)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (528)، والنسائي: المساجد (704) ، وأحمد (6/51) .
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل (1) .
ــ
= أولا بالبناء على القبور، ثم بالتصوير، ثم بكونهم شرار الخلق؛ سدا للذريعة المؤدية إلى الشرك.
وفيه ونحوه دلالة ظاهرة على تحريم بناء المساجد على القبور، وزخرفتها وإسراجها، وعبادة الله عندها، أو تعليق شيء من الصور عليها، لا سيما وقد لعن صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك كما سيأتي.
(1)
هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث، أدرجه المصنف -رحمهما الله تعالى- غير منسوب؛ لأنه معلوم عند غالب من يقرأ هذا الكتاب، وعني رحمه الله أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور فلأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل بهم إلى الشرك. وأما فتنة التماثيل- أي الصور- فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أن عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعزى وود وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك، والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ويلهجون بذكرهم أكثر مما يذكرون الله، وينفقون نفائس الأموال في ذلك، ولأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة. قال شيخ الإسلام: وإذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بها، فهذا عين المحادة، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما قد علموه بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت =
ولهما عنها قالت: " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه (1) ، فإذا اغتم بها كشفها (2) ، فقال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"(3) .
ــ
= النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرحوا بتحريم ذلك، ومن أطلق الكراهة منهم فينبغي أن تحمل كراهته على التحريم، إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عنه، ولعن فاعله.
(1)
نزل بضم النون وكسر الزاي، أي لما نزل به ملك الموت لقبض روحه الشريفة، والملائكة الكرام، وروى بالفتح، أي لما نزل به الموت. وفي رواية: نزلت، أي لما حضرت المنية والوفاة. و"طفق" بفتح الطاء وكسر الفاء وتفتح، أي جعل، "والخميصة" كساء له أعلام.
(2)
أي إذا غمته فاحتبس نفسه عن الخروج كشفها عن وجهه؛ لشدة ما يعالج صلى الله عليه وسلم من كرب الموت.
(3)
أي قال صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة الحرجة، وهي شدة النزع، لشدة اهتمامه، واعتنائه بمقام التوحيد، وخوفه أن يعظم قبره، كما فعل من مضى:"لعنة الله على اليهود والنصارى"، وفي لفظ:" قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "1 أي كنائس وبيعا، أي يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم، وفي لفظ لمسلم:" كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد "2. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على =
1 البخاري: الصلاة (436)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531)، والنسائي: المساجد (703) ، وأحمد (1/218 ،6/34 ،6/121 ،6/146 ،6/252 ،6/255 ،6/274)، والدارمي: الصلاة (1403) .
2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (532) .
يحذر ما صنعوا (1) ، ولولا ذلك لأبرز قبره (2) ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" 1. أخرجاه (3) .
ــ
= قبور الأنبياء والصالحين، فإنما هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم، فأفاد أن هذا من أخوف ما خافه صلى الله عليه وسلم على أمته، ولولا أن ضرره عظيم لما ذكره في هذا المقام، وخص قبور الأنبياء لأن عكوف الناس على قبور أنبيائهم أعظم، واتخاذها مساجد أشد، ولم يكن هذا اللعن في سياق الموت لهذه الطائفتين إلا على سبيل التحذير الشديد؛ لئلا تقع أمته في شيء من فعلهم عند قبره، فلعنهم على تحري الصلاة عندها، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله؛ لأنه ذريعة إلى عبادتها، فكيف إذا عبدها، وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها، واللعنة ليست مختصة باليهود والنصارى، بل تعم من فعل فعلهم.
(1)
هذا من كلام عائشة رضي الله عنها أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى تحذيرا لأمته أن يفعلوا ما فعلت اليهود والنصارى، فيقع بهم من اللعنة ما وقع بهم، فإنه من الغلو في الأنبياء، وأعظم وسائل الشرك، قال القرطبي:((وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام)) .
(2)
وفي لفظ: لأبرزوا قبره، أي ولولا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعوا، ولعنه من فعل ذلك لأبرز قبره، أي لدفن خارج بيته، أو مع قبور الصحابة الذين كانت قبورهم في البقيع.
(3)
أي البخاري ومسلم، ويغنى عنه قوله في أوله: ولهما؛ فلعله سبقة قلم، و"خشي" روي بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، فلم يبرزوا =
1 البخاري: الصلاة (436)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531)، والنسائي: المساجد (703) ، وأحمد (1/218 ،6/34)، والدارمي: الصلاة (1403) .
ولمسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه (1) قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس (2) وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل (3) ؛
ــ
= قبره خشية أن يقع ذلك غلوا وتعظيما، لما تقرر عندهم من مناقضة ذلك لدين الإسلام، بما أبدى وأعاد صلى الله عليه وسلم من النهي والتحذير منه ولعن فاعله. قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأعلوا- حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره، خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة، إذا كان مستقبل المصلي، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره. قال المصنف: وفيه ما ذكر صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل، والنهي عن التماثيل، وتغليظ الأمر في ذلك، ونهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر، وأنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، ولعنه إياهم على ذلك، وأن مراده بذلك تحذيرنا عن قبره، ومنها العلة في عدم إبراز قبره.
(1)
هو أبو عبد الله البجلي العلقي، والعلق بطن من بجيلة من كهلان، ويقال: جندب الخير، وينسب إلى جده سفيان، صحابي مشهور، مات بعد الستين.
(2)
أي خمس ليال، وقيل خمس سنين، والأول أظهر؛ لكونه لعن أيضا وهو في سياق الموت من فعله.
(3)
نفى أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله عز وجل والليل المنقطع إليه، المحبوب غاية الحب، مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر: =
فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا (1) ، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا (2) ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد (3) ،
ــ
قد تخللت مسلك الروح مني
…
وبذا سمي الخليل خليلا
والخلة فوق المحبة، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، وبرئ من الشيء سلم وخلص. قال القرطبي:((وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره)) .
(1)
أي فلا أريد مع خلة ربي أحدا، بل حسبي ذلك؛ لئلا تزاحم خلة غيره خلته، وفيه إثبات أنه خليل الله، ولا ينافي عبوديته لله.
(2)
فيه إثبات فضيلة الصديق رضي الله عنه؛ إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الفرض والتقدير متخذا خليلا لاتخذ أبا بكر، وفي صحيح مسلم:" ولكن أخي وحبيبي "1. قال المصنف: فيه الرد على الرافضة والجهمية اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة. وفيه التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة، وفيه إشارة إلى خلافته؛ لأن من كانت محبته لشخص أشد، كان أولى بالنيابة عنه من غيره، وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب لما قيل له: يصلي بهم عمر، وذلك في مرضه الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم. واسم أبي بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضل الصحابة بالإجماع، ومناقبه مشهورة، مات 13 هـ، وله 63.
(3)
(ألا) حرف استفتاح، واتخاذها إما أن يكون سجودا لها تعظيما وعبادة، أو توجها منهم إليها حالة الصلاة، جمعا بين العبادة وتعظيم الأنبياء، وعلى كل تقدير فإنهم يستحقون اللعن بذلك، والحديث أعم من ذلك، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها.
1 البخاري: المناقب (3656) .
ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك (1) "1. فقد نهى عنه في آخر حياته (2) ، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله (3) ، والصلاة عندها من ذلك (4) وإن لم يبن مسجد (5) ،
ــ
(1)
يحذر الأمة أن تتخذ القبور مساجد كالذين من قبلهم، وأكد النهي فقال:"فإني أنهاكم عن ذلك" أي عن اتخاذها مساجد، سدا لذريعة الشرك، ففيه النهي عن اتخاذ القبور مساجد من ثلاثة أوجه:
(الأول) ذم من كان قبلهم على ذلك.
(والثاني) تحذيرهم أن لا يتخذوها.
(والثالث) قوله: "فإني أنهاكم عن ذلك" فبالغ في النهي، نصيحة لأمته عن أعظم ما يحل بهم.
(2)
أي كما في حديث جندب، وهذا وما بعده من كلام شيخ الإسلام.
(3)
كما في حديث عائشة رضي الله عنها؛ لأن التردد على القبور يوجب التأله لأربابها، ويورث عبادتهم، و (سياق) أصله سواق، قلبت الواو ياء لكسر السين، وسياق وسواق مصدران من ساق يسوق، والمراد سياق الموت، سمي بذلك كأن روحه الشريفة تساق لتخرج من البدن.
(4)
أي من اتخاذها مساجد، فمن صلى عند القبور فقد اتخذها مساجد، فهو داخل في لعن الرسول صلى الله عليه وسلم ومرتكب نهه شاء أم أبى، وفائدة التنصيص على زمن النهي، يقضي بأنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ؛ لكونه صدر في آخر حياته صلى الله عليه وسلم.
(5)
أي إن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، ولو بدون بناء مساجد.
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (532) .
وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا (1) ؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا (2) ، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا (3) ، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا (4) .
ــ
(1)
أي معنى قول عائشة رضي الله عنها: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، كما اتخذت اليهود والنصارى قبور أنبيائهم مساجد، وعن أبي سعيد مرفوعا:" الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام "1. أخرجه الخمسة. وفي الصحيح أن " عمر رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر " فإنه مستقر عندهم ما نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عند القبور، وفي هذا وأمثاله إبطال زعم من زعم أن النهي لأجل النجاسة، وهو أبعد شيء عن مقاصد الشارع، بل العلة الخوف على الأمة من نجاسة الشرك، كما هو معلوم من النصوص المستفيضة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
(2)
لما علموا من تشديده صلى الله عليه وسلم في ذلك وتغليظه، ولعن من فعله.
(3)
لكونه أعد لها، وإن لم يبن فيه مسجد، و (قصد إلى الشيء) توجه إليه.
(4)
وإن لم يقصد بذلك، كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي، فأوقع الصلاة في ذلك الموضع الذي حانت الصلاة عنده، من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه، فإنه يصير بفعل الصلاة فيه مسجدا، فالأول في الأمكنة المعدة للصلاة، وهذا في أي موضع صلى فيه وإن لم يعد لها.
1 الترمذي: الصلاة (317)، وأبو داود: الصلاة (492)، وابن ماجه: المساجد والجماعات (745) .
كما قال صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " 1 (1) . ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء (2) ، والذين يتخذون القبور مساجد (3) "2.
ــ
(1)
أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي "3، وفيه:" وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، فسمى الأرض مسجدا، بمعنى أنه تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثنى من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها، كالمقبرة والمكان النجس، قال البغوي: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفا عليهم وتيسيرا، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم. وقوله:" طهورا" أراد به التيمم، وفيه المبالغة في النهي عن بناء المساجد عند القبور كيف بين لهم أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في النزع لم يكتف بما تقدم، بل لعن حالة النزع من فعل ذلك.
(2)
أي ينفخ في الصور نفخة الفزع وهم أحياء أو مقدماتها، كخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، وهذا أيضا من أبلغ التغليظ؛ فإنه أخبر عمن تقوم عليهم الساعة أنهم هم شرار الخلق، كقوله:" ويبقى شرار الناس "4، وقوله:" حتى لا يقال في الأرض الله الله "5. و (شرار الناس) بكسر الشين: جمع شر، ضد خيارهم.
(3)
أي وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهم على ذلك، تحذيرا للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم فعلهم، وهذا المعنى متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم =
1 البخاري: الصلاة (438)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (521)، والنسائي: الغسل والتيمم (432) والمساجد (736) ، وأحمد (3/304)، والدارمي: الصلاة (1389) .
2 أحمد (1/435) .
ورواه أبو حاتم في صحيحه (1) .
ــ
= معلوم بالاضطرار من دينه، وكل ذلك شفقة منه صلى الله عليه وسلم على الأمة، وخوف من أن يقودهم ذلك إلى الشرك بها وأصحابها، وتقدم الإجماع على النهي عن البناء على القبور، والقطع بتحريمه، وفي صحيح مسلم:"نهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه".
قال شيخ الإسلام: لا فرق بين الجديدة والعتيقة، انقلبت تربتها أو لم تنقلب، ولا فرق أن يكون بينه وبين الأرض حائل أولا، لعموم الاسم وعموم العلة، وإن كان موضع قبر أو قبرين؛ لأنه لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم أن قبورهم لا تنجس، فمن علق النهي بنجاسة التربة خاصة، فهو بعيد عن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تجوز في مسجد بني في مقبرة سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور، أو كان مكشوفا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي مرثد:" لا تصلوا إلى القبور"1. وقال ابن القيم: ((وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغة: "لا تفعلوا"، "إني أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحق بمن عصاه؛ فإن هذا وأمثاله صيانة منه لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك، وغضب لربه أن يعدل به سواه)) اهـ. وقد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها على التفصيل إلا الله، ما يغضب لله من أجله من في قلبه رائحة إيمان، ولقد أبدى صلى الله عليه وسلم وأعاد، وحذر من ذلك، حتى في النزع سدا لذريعة الشرك قبل وقوعه، وتحذيرا للناس منه، وقد طبق العالم اليوم، وعادت الجاهلية الأولى، بل زادوا عليهم دعاءهم في الشدائد، واعتقاد النفع والضر فيهم من دون الله عز وجل فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(1)
أبو حاتم هو محمد بن حبان، تقدمت ترجمته، وأن أصح ما صنف في الصحيح بعد الصحيحين صحيح ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم.
1 مسلم: الجنائز (972)، والترمذي: الجنائز (1050)، والنسائي: القبلة (760)، وأبو داود: الجنائز (3229) ، وأحمد (4/135) .