الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب
(1)
وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1. (2)
ــ
(1)
أي هذا باب فيه أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام.
(2)
وصف الله خليله عليه السلام بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وأثنى عليه بها فقال:(كان أمة) أي إماما على الحنيفية، قدوة يقتدى به، معلما للخير، أو لما اجتمع فيه من صفات الكمال والخير والأخلاق الحميدة ما يجتمع في أمة استحق اسمها، والقولان متلازمان، فإنه أمة على الحق وحده، وإمام لجميع الحنفاء، يقتدون به في ذلك. (قانتا) أي خاشعا مطيعا، والقنوت دوام الطاعة، والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى: (أمن=
1 سورة النحل آية: 120.
وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} . (1)
ــ
=: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 1. (حنيفا) أي منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، مقبلا على الله، معرضا عن كل ما سواه، فالحنيف هو المستقيم، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم، وانتصب (حنيفا) على الحال.: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 2 فارقهم بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، وما ذاك إلا من أجل تحقيقه التوحيد، بل ضم إلى ذلك البراءة من المشركين، وعاب ما كانوا عليه وكفرهم، كما قال الله عنه:{إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 3، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم، فلم يكن منهم بأي اعتبار كان.
قال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 4 إلى قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ} فهذا هو تحقيق التوحيد، وبه تظهر مناسبة الآية للترجمة، حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} 5. وقال المصنف: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} 6) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، {قَانِتاً لِلَّهِ} لا للملوك ولا للتجار المترفين. {حَنِيفاً} لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين.: {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 7 خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين.
(1)
وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال:{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} 8 خائفون وجلون.: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} 9 أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فقال:{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} 10 لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد، =
1 سورة الزمر آية: 9.
2 سورة النحل آية: 120.
3 سورة الزخرف آية: 26.
4 سورة مريم آية: 48.
5 سورة الممتحنة آية: 4.
6 سورة النحل آية: 120.
7 سورة النحل آية: 120.
8 سورة المؤمنون آية: 57.
9 سورة المؤمنون آية: 58.
10 سورة المؤمنون آية: 59.
عن حصين بن عبد الرحمن (1) قال: كنت عند سعيد بن جبير (2) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة (3) ؟ فقلت: أنا (4)
ــ
= الموجب لدخول الجنة بغير حساب، ومن لا فلا، وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر.
(1)
رحمه الله تعالى، هو ابن عم منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: ابن عتاب بن فرقد السلمي أبو الهذيل الكوفي، أحد الأعلام، ومن كبار أصحاب الحديث، ثقة روى عن جابر وعمارة وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وجماعة، مات سنة 136 هـ، وله 93.
(2)
رحمه الله هو ابن هشام الوالبي الأسدي مولاهم، أبو محمد الإمام الفقيه، وكان من جلة أصحاب ابن عباس، روى عنه وعن ابن الزبير وغيرهما، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله، وأبو إسحاق ويعلى وجماعة، قتل بين يدي الحجاج سنة 95 هـ. فما أمهله الله بعده ولم يذق غمضا حتى مات، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلت بكل قتيل قتلة، وبسعيد بن جبير سبعين قتلة.
(3)
أي كوكبا رجم به تلك الليلة، والقائل هو سعيد بن جبير، والكوكب النجم، و "انقض" بالقاف والضاد أي سقط، "والبارحة" هي أقرب ليلة مضت، قال ثعلب وغيره يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال، وفيه فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله.
(4)
أي قال حصين بن عبد الرحمن: أنا رأيته.
ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة (1) ولكني لدغت، (2) قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، (3) قال: فما حملك على ذلك؟ (4) قلت: حديث حدثناه الشعبي (5) . قال: وما حدثكم؟ (6)
ــ
(ا) القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على حرص السلف على الإخلاص، و "أما" بالتخفيف حرف استفهام بمنزلة ألا، فإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، أو الهمزة للاستفهام، و "ما" اسم بمعنى شيء، أي ذلك الشيء حق، وعلى هذا تفتح أن بعدها، والأنسب هنا الأول.
(2)
بضم اللام وكسر الدال، يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تلدغه لدغا لسعته، أي أصابته بسمها، واللدغ واللسع واللسب بمعنى، أو اللسع بالناب واللدغ بالفم، يعني فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي.
(3)
لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقاني.
(4)
سأله عن مستنده في فعله، هل كان مقتديا أولا؟ ففيه طلب الحجة على صحة المذهب.
(5)
رحمه الله هو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، أبو علي، ولد في خلافة عمر، من كبار فقهاء التابعين وثقاتهم، روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأشعث وخلق، يقول:((ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته)) . مات سنة 103 هـ. و "حديث" بالرفع فاعل بفعل محذوف، أي حملني على الاسترقاء حديث إلخ.
(6)
يعني الشعبي به من جواز الرقية.
قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب (1) أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "1. (2) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، (3)
ــ
(1)
ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المتوفي بمرو سنة 62 هـ.
(2)
أي لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى وأشفى ما يدفع الإيماني الروحاني به هذين النوعين، ولا يمنع جواز الرقية من غيرهما من الأمراض؛ لأنه أمر بالرقية مطلقا، وقد رقا صلى الله عليه وسلم ورقي، والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوا كان العائن أو حاسدا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها، ومن أسباب العين أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه، يقال: عانه يعينه فهو عائن، إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب منها: التعوذ بالله من شره، والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به، والإحسان إليه مهما أمكن، والصدقة وتقوى الله والتوكل عليه، والإقبال إليه، ومعرفة أن الأسباب كلها بيده سبحانه. و "الحمة" بضم الحاء وتخفيف الميم: الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة، وفي رواية: من الحية والعقرب.
(3)
أي فعل الحسن من أخذ بما بلغه من العلم وعمل وبه، بخلاف من يعمل على جهل، أو لا يعمل بما يعلم، فذلك المسيء، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين مرفوعا، ورجال أحمد ثقات، وأصله في الصحيحين، وفيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه فقد أحسن، ولا يتوقف العلم به على معرفة كلام أهل المذاهب وغيرهم.
1 مسلم: الإيمان (220) ، وأحمد (1/271) .
ولكن حدثنا ابن عباس (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عرضت علي الأمم (2) فرأيت النبي ومعه الرهط (3) ، والنبي ومعه الرجل والرجلان (4) ، والنبي وليس معه أحد (5) ،
ــ
(1)
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ابن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " 1، فصار آية في العلم والفهم، مات بالطائف سنة 68 هـ. قال المصنف:((وفيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني)) اهـ. فإن حصين ابن عبد الرحمن رضي الله عنه انتهى إلى ما سمع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أخبره سعيد بن جبير عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكل.
(2)
الله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله تبارك وتعالى أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة.
(3)
والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير، والرهط بالسكون ويفتح، الجماعة دون العشرة جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه.
(4)
أي أتباعه الواحد والاثنان لقلة متبعه.
(5)
أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد، بل منهم من قتله قومه، فإن الناجي من الأمم هم القليل، ولكن هم السواد الأعظم، وإن كانوا أقل القليل، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا، فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، قال المصنف:((وفيه ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة، وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، والمراد أمة الإجابة لا أمة الدعوة)) .
1 البخاري: الوضوء (143)، ومسلم: فضائل الصحابة (2477) .
إذ رفع لي سواد عظيم (1) فظننت أنهم أمتي (2)، فقيل لي: هذا موسى وقومه (3)، فنظرت فإذا سواد عظيم (4) فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (5) " 1.
ــ
(1)
السواد: ضد البياض، أي رفع لي أشخاص كثيرة، من بعد لا أدري من هم.
(2)
لكثرتهم، وإنما ظن ذلك لما أوحي إليه وأطلع عليه من كثرة أمته، ولم يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأشخاص التي ترى من بعد لا يدرك منها إلا الصورة.
(3)
أي موسى بن عمران كليم الرحمن. وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل، ففيه فضيلة أتباعه منهم، وأنهم كثيرون جدا، بل هم أكثر الأمم تابعا لنبيها بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} 2 أي في زمانهم، وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر خلقا لا يحصون كحزب جالوت وبختنصر وغيرهم.
(4)
وفي رواية: "قد سد الأفق". وفي صحيح مسلم: " ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق "3.
(5)
لتحقيقهم التوحيد، وفيه فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم تابعا لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد كثروا في عهد الصحابة رضي الله عنهم وفي وقت الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فملؤوا القرى والأمصار والقفار، وكثر فيهم العلم، وما زالوا على السنة في القرون الثلاثة المفضلة. وقد قلوا في آخر الزمان حقيقة لا دعوى، لا سيما وقد كثرت فيهم عبادة غير الله، واستحلال كثير من المحرمات، قال المصنف: وفيه فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية والكمية الكثرة والعدد، والكيفية =
1 مسلم: الإيمان (220) ، وأحمد (1/271) .
2 سورة الجاثية آية: 16.
3 البخاري: الطب (5705)، ومسلم: الإيمان (220) ، وأحمد (1/271) .
ثم نهض فدخل منزله (1)، فخاض الناس في أولئك (2) فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، (3) وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا (4) ،
ــ
= فضيلتهم في صفاتهم، وفي رواية:" ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا "1. وفي رواية: " تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " 2. وأخرج أحمد والبيهقي وغيرهما: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا "3. قال الحافظ: ((وسنده جيد)) .
ولمسلم: " مع كل واحد منهم سبعون ألفا "4.
(1)
أي قام من مجلسه الذي حدثهم فيه بهذا الحديث، فدخل منزله أي داره، وله تسعة أبيات بحجرها من جريد مشورة بمسوح الشعر عن يسار المصلي، قبل أن يزاد المسجد، ثم أدخلت فيه بعد ذلك.
(2)
أي تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال. وفي لفظ: فتذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه إباحة المناظرة والمباحثة في معاني نصوص الشرع على وجه الاستفادة ولو كان بغير علم، وجواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل، لكن لا يجزم بصواب نفسه، قال المصنف:((وفيه عمق علم السلف؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وفيه حرصهم على الخير)) .
(3)
فإنهم أفضل الخلق بعد الرسل، لا كان ولا يكون مثلهم.
(4)
من أن لهم مزية على من ولد في الجاهلية وهو كذلك، وقد يكون من أدركته الجاهلية أفضل كما في الحديث:" خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "5. وكما وقع لعمر وخالد وغيرهما.
1 البخاري: الطب (5705)، ومسلم: الإيمان (220)، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2446) ، وأحمد (1/271) .
2 البخاري: الرقاق (6542)، ومسلم: الإيمان (216) ، وأحمد (2/400 ،2/502) .
3 أحمد (2/359) .
4 مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (770)، والترمذي: الدعوات (3420)، والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1625)، وأبو داود: الصلاة (767)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1357) ، وأحمد (6/156) .
5 البخاري: أحاديث الأنبياء (3353)، ومسلم: الفضائل (2378) ، وأحمد (2/257 ،2/260 ،2/391 ،2/431 ،2/438 ،2/485 ،2/498 ،2/539) .
وذكروا أشياء (1)، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه (2) فقال: " هم الذين لا يسترقون (3) ولا يكتوون (4)
ــ
(1)
أي غير هاتين الخصلتين. وفي رواية: قالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا.
(2)
بما تفاوضوا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
(3)
أي لا يطلبون من يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء، وهكذا ثبت في الصحيحين، وفي رواية لمسلم:"ولا يرقون" قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:"ولا يرقون"، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الرقى فقال:" من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل "1. وقال: " لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركا " 2. وقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، ورقى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم.
(4)
أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وقوله:"ولا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم باختيارهم، والكي في نفسه جائز، كما في الصحيح عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه "3. " وكوى أنس من ذات الجنب، والنبي صلى الله عليه وسلم حي "4. رواه البخاري. وفي الصحيح عن ابن عباس مرفوعا: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي "5. وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوى" 6.
قال ابن القيم: ((قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها فعله، والثاني عدم محبته، والثالث الثناء على من تركه، والرابع النهي عنه، ولا تعارض بينها؛ =
1 مسلم: السلام (2199) .
2 مسلم: السلام (2200)، وأبو داود: الطب (3886) .
3 مسلم: السلام (2207)، وأبو داود: الطب (3864)، وابن ماجه: الطب (3493) ، وأحمد (3/315) .
4 البخاري: الطب (5721) .
5 البخاري: الطب (5680)، وابن ماجه: الطب (3491) ، وأحمد (1/245) .
6 البخاري: الطب (5683)، ومسلم: السلام (2205) ، وأحمد (3/343) .
ولا يتطيرون (1) وعلى ربهم يتوكلون (2) .
ــ
= فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي في تحقيق التوحيد، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به البأس. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة)) اهـ.
فمن تركهما توكلا لا تجلدا ولا تصبرا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدا وتصبرا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه.
(1)
أي لا يتشاءمون بالطير ونحوها. ويأتي بيان الطيرة في بابها إن شاء الله تعالى.
(2)
فتركوا الشرك رأسا ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به سبحانه وتعالى، والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، وعطفه على تلك من عطف العام على الخاص؛ لأن كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك، والحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا على الله كالاكتواء والاسترقاء، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا؛ لما في الصحيحين:" ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله "1. وأخرج أحمد " يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" "2. =
1 البخاري: الطب (5678)، وابن ماجه: الطب (3439) .
2 الترمذي: الطب (2038)، وأبو داود: الطب (3855)، وابن ماجه: الطب (3436) .
فقام عكاشة بن محصن (1) فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم (2) . ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم (3)، قال: سبقك بها عكاشة "1 (4) .
ــ
قال ابن القيم: ((وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وتعطيلها يقدح في التوكل، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا)) .
(1)
بضم العين وتشديد الكاف، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد ابن حرثان بضم الحاء ابن قيس بن مرة الأسدي، من السابقين، شهد بدرا، واستشهد في قتال الردة مع خالد بيد طليحة سنة 12 هـ.
(2)
وفي رواية للبخاري: " اللهم اجعله منهم "2. فقتل شهيدا. وفيه طلب الدعاء من الفاضل لكن في حياته، أما بعد وفاته فشرك أكبر. وفي رواية: منهم أنا؟ قال: "نعم".
(3)
ذكره مبهما، ولا حاجة إلى البحث عن اسمه.
(4)
أي قال ذلك سدا للذريعة لئلا يتتابع الناس فيسأل من ليس أهلا فيرد، فيعرفه الحاضرون، وسبق إلى الأمر بادر إليه، وسبقه إليه تقدمه وخلفه.
فال المصنف: ((وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل أنت منهم، ولا لست منهم)) . والحديث أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرا ومطولا، ومسلم واللفظ له، والترمذي وغيرهم.
1 مسلم: الإيمان (218) ، وأحمد (4/436 ،4/443) .
2 البخاري: اللباس (5811)، ومسلم: الإيمان (216) ، وأحمد (2/400 ،2/456 ،2/502) .