الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}
1 (1) .
ــ
(1)
أراد المصنف بالترجمة بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنه ينافي التوحيد، كما أن القنوط من رحمة الله كذلك، وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فلا يغلب جانب الرجاء فيأمن مكر الله، ولا يغلب جانب الخوف فييأس من روح الله. قال بعض السلف:((من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن)) . قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} 2 ومعنى الآية أن الله تعالى لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله، وعدم الخوف منه، وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فتمادوا في المعاصي والمخالفات، واستبعدوا أن يكون ذلك مكرا. وفي الحديث:" إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج "3. رواه أحمد وغيره. وقال الحسن: ((من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له)) . وفسر السلف المكر باستدراج الله العبد بالنعم إذا عصى، وإملائه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال المصنف:((مكر الله هو أنه إذا عصاه وأغضبه أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه)) اهـ. وخوف العبد ينشأ من أمور: معرفته بالجناية وقبحها، وتصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها، وكونه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب، وبهذه الثلاثة يتم له الخوف، وقوته بحسب قوتها وضعفها، وذلك قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.
1 سورة الأعراف آية: 99.
2 سورة الإسراء آية: 57.
3 البخاري: التوحيد (7423) ، وأحمد (2/335 ،2/339) .
وقوله: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّالُّونَ} 1 (1) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " سئل عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، واليأس من روح الله (2) ،
ــ
(1)
القنوط استبعاد الفرَج، واليأس منه -والفرق بينهما لطيف- وسوء الظن بالله، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم منافيان لكمال التوحيد، ذكرهما المصنف تنبيها على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته، بل يكون خائفا راجيا، يخاف ذنبه ويعمل بطاعة الله ويرجو رحمة ربه، كما قال تعالى:{وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} 2. وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 3. ومعنى الآية أن الله لما بشر إبراهيم بإسحق استبعد ذلك على كبر سنه، فقالت له الملائكة:{بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} الذي لا ريب فيه،:{فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} 4 أي الآيسين. فقال: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّالُّونَ} 5. فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال ذلك على وجه التعجب، والضالون المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، كقوله: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} 6. وفي الترمذي وغيره مرفوعا: " العاجز الراجي لرحمة الله أقرب منها من العابد القنط ". وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} 7 الآية. وقال الشيخ: ((القنوط بأن يعتقد بأن الله لا يغفر له إما بكونه إذا تاب لا يقبل توبته، وإما أن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، فهو ييأس من توبة نفسه)) .
(2)
أي قطع الرجاء والأمل من الله، فيما يرومه ويقصده ويخافه ويرجوه، قال تعالى:{وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} وذلك إساءة ظن بالله، وجهل بسعة رحمته وجوده ومغفرته، والإشراك بالله في ربوبيته أو عبادته هو أكبر الكبائر بالإجماع، ولهذا بدأ به، وقد تقدم في غير موضع.
1 سورة الحجر آية: 56.
2 سورة الإسراء آية: 57.
3 سورة الزمر آية: 9.
4 سورة الحجر آية: 55.
5 سورة الحجر آية: 56.
6 سورة يوسف آية: 87.
7 سورة الزمر آية: 53.
والأمن من مكر الله (1) ".
وعن ابن عباس قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله (2) ، واليأس من روح الله ". رواه عبد الرزاق (3) .
ــ
(1)
أي من استدراجه للعبد، أو سلبه ما أعطاه من الإيمان، وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب بها، وهذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم ورجاله ثقات، إلا أن في سنده شبيب بن بشر لينه أبو حاتم، ووثقه ابن معين. وقال ابن كثير:((في إسناده نظر والأشبه أن يكون موقوفا)) .
(2)
قال أبو السعادات: ((القنوط هو أشد اليأس، وفي التنبيه على الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط، ولا ييأس بل يرجو رحمة الله، فينبغي له عند استكمال العافية والنعم أن يرجح جانب الخوف؛ فإنه إذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب، وعند المصائب والموت يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بالله عز وجل) .
(3)
هو ابن همام بن نافع الحميرى مولاهم، أبو بكر الصنعاني الحافظ، المصنف الشهير، سئل أحمد: أرأيت أحدا أحسن حديثا من عبد الرزاق؟ قال: لا. روى عن أبيه وعمه وهب ومعمر وغيرهم، وعنه ابن عيينة ومعتمر وهما من شيوخه، وأحمد وإسحاق وخلق، ولد سنة 126هـ، ومات ببغداد سنة 211هـ. ورواه أيضا ابن جرير بأسانيد صحاح، ولا يظن أن الكبائر محصورة في هذين الحديثين فقط، فقد تقدم حديث:" اجتنبوا السبع الموبقات "1. وقول ابن عباس: ((هن إلى السبعين أقرب منهن إلى السبع)) . وفي رواية: ((إلى السبعمائة)) . وقد عرفوها بما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو لعن أو غضب أو عذاب، ومن برئ منه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قال:"ليس منا ". وما سوى ذلك صغائر، وليس المراد ليتهاون بها، بل كل المعاصي يجب اجتنابها، فكم من صغيرة عادت كبيرة.
1 البخاري: تفسير القرآن (4477 ،4761) والأدب (6001) والحدود (6811) والديات (6861) والتوحيد (7520 ،7532)، ومسلم: الإيمان (86)، والترمذي: تفسير القرآن (3182 ،3183)، والنسائي: تحريم الدم (4013 ،4014 ،4015)، وأبو داود: الطلاق (2310) ، وأحمد (1/380 ،1/431 ،1/434 ،1/462 ،1/464) .