الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلة التميُّز بالأمة الإسلامية
من خلال ما يدل عليه لفظ (التَّميُّز) في إطار هذه المحاور الثلاثة:
1 -
التمام والكمال، والقدر وعلو المنزلة والمكانة والعزة والفضيلة، والخاصية، وقوة الذَّات.
2 -
الفرز والانعزال والتنحي والتباعد والمخالفة والانفراد.
3 -
التوسط والوسطية.
تبرز صلة التميُّز بالأمة الإسلامية، ومن خلال هذه المعاني يلحظ رسوخ هذا المصطلح وتمام انطباقه على الأمة الإسلامية، ولبيان صلة التميُّز بالأمة الإسلامية يأتي تفصيل القول على النحو الآتي:
1 -
كونُ الأُمَّة الإسلاميَّة بلغت من التمام والكمال والقوة الذروة عندما تمثلت الإسلام في حياتها وطبَّقته في جميع شؤونها، وقد شهد اللَّه لها بذلك، قال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29].
ومن هنا فإنَّ مفهوم التميُّز يتناول هذا الجانب من ذاتية الأمة الإسلامية، ويتطابق المعنى اللغوي لكلمة (مزا) التي تعني التمام والكمال والقوة، وكلمة (مزز) التي تعني ما يقع موقعًا في بلاغته وكثرته وجودته، يتطابق المعنى اللغوي للتميُّز مع حقيقة الأمة الإسلامية (في حين أنَّ ما لدى غيرها من الأمم إمَّا فاسد وإمَّا ناقص في عاقبته، على الرغم ممّا هم عليه من إتقان أمور دنياهم. . وليس لديهم ما يمكن أن يدل المسلمين على
ما ينفعهم، أو يهديهم لأسباب العزة والنصر والسعادة، فإنَّ ذلك لا يكون إلَّا بالرجوع إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله والتمسُّك بالإسلام حقًّا) (1).
والتميُّز يتصل بالأمة من حيث إنَّ لها من القدر والعزّة والكرامة والخاصية والفضيلة ما يعلي منزلتها ويرفع قدرها على من يراها من الأمم، وقد ورد في هذا أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم منها:
أ- قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّكم وفّيتم سبعين أُمَّة أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه"(2)، وفي رواية أخرى:"نُكمل يوم القيامة سبعين أمَّا نحن آخرها وأخيرها"(3).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنَّهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثمَّ هذا يومهم الذي فرض اللَّه عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا اللَّه له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد"(4)، والمراد باليوم:
(1) انظر: ناصر العقل: دراسة تحليلية قدَّم بها كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: (41)، (مرجع سابق).
(2)
أخرجه ابن ماجه في سننه: (2/ 1433)، كتاب الزهد، حديث رقم:(4288)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق)، والترمذي: الجامع الصحيح: (5/ 211)، الحديث رقم:(3001)، بتحقيق: كمال يوسف الحوت، الطبعة الأولى:(1408 هـ - 1987 م)، عن دار الكتب العلمية، بيروت، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
انظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم: (4/ 94)، الحديث رقم:(6987/ 2585)، بتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى:(1411 هـ - 1990 م)، عن دار الكتب العلمية، بيروت.
(3)
أخرجه ابن ماجه في سننه: (2/ 1433)، كتاب الزهد، حديث رقم:(4287)، (مرجع سابق).
(4)
أخرجه البخاري: (1/ 211، 212)، كتاب الجمعة، باب:[1] فرض الجمعة، ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).
يوم الجمعة، وفي هذا (بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السابقة)(1)، كما وردت في هذا الحديث روايات عديدة تدل جميعها على فضل الأمة الإسلامية، وهدايتها ليوم الجمعة وتشريفها به، وتكريم اللَّه لها في الدنيا والآخرة على سائر الأمم.
ب- قوله صلى الله عليه وسلم: "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والمنعة، والنصر، والتمكين في الأرض. . ."(2) فهذه المعاني تتطابق مع معاني التميُّز تطابقًا تامًا.
ج- قوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كأنَّه بين صلاة العصر إلى كروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثمَّ أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر ثمَّ عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثمَّ أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربنا أعطيت هولاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا
(1) انظر: ابن حجر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: (2/ 356)، شرح الحديث رقم:(876)، تحقيق: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ومحمد فؤاد عبد الباقي، نشر وتوزيع: رئاسة إداراث البحوث العلمية والإفتاء. . . الرياض، (بدون تاريخ). وانظر: مسلم: صحيح مسلم: (2/ 585 - 586)، كتاب الجمعة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).
(2)
أخرجه الإمام أحمد: مسند الإمام أحمد بن حنبل: (5/ 134)، ترتيب: دار إحياء التراث العربي بيروت: (6/ 165، 161)، الحديث رقم:(20715) و (20716) و (20717) و (20718)، الطبعة الأولى:(1412 هـ - 1991 م). وانظر: البرهان فوري: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: الحديث رقم: (34465)، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت:(1413 هـ - 1993 م)، (ضبطه وفسر غريبه: بكري حيّاني، وصححه ووضع فهارسه ومفتاحه: صفوت السقا). وانظر: جامع الأصول لابن الأثير: (9/ 203)، (مرجع سابق).
ونحن كنَّا أكثر عملًا، قال اللَّه: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" (1).
وقد ورد هذا الحديث بألفاظ متقاربة يستفاد منها جميعًا بتسلية الأمة الإسلامية، وما خصَّها اللَّه به من مضاعفة الأجر والمثوبة، وكونها تستجيب لله وتحقق شرطه عليها من دون اليهود والنصارى، وكذلك مكانتها وأنَّها خاتمة الأمم، وبهذا وما قبله استبان المحور الأول من محاور صلة التميُّز بالأمة الإسلامية.
2 -
وممّا يتصل به التَّميُّز بالأمة الإسلامية معاني الفرز والانعزال والتنحي والتباعد والانفراد والمخالفة، ويتضح ذلك في الأوجه الآتية:
أ- البعد عن خطوات الشيطان، قال اللَّه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21].
وقال اللَّه تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168]
وقال اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: (1/ 139)، كتاب مواقيت الصلاة، باب:[17]، وأورده بروايات عديدة، منها:
- ما ورد في كتاب فضائل القرآن - باب: [17]، (6/ 107).
- ما ورد في كتاب الأنبياء - باب: [50]، (4/ 145).
- ما ورد في كتاب الإجارة - باب [9]، (3/ 50)، والباب:[8]، ص:(49)، والباب:[11]، ص:(50)، (المرجع السابق نفسه).
وانظر مسند الإمام أحمد: (6/ 235، 236)، الحديث رقم:(4508)، بتحقيق: أحمد شاكر، عن دار المعارف بمصر:(1370 هـ - 1950 م).
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)} [البقرة: 168 - 169].
وقال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)} [البقرة: 268].
ب- البعد عن الشبهات والشهوات، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (1)[آل عمران: 7].
وقال اللَّه تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)} [مريم: 59].
د- مخالفة الأمم الأخرى من اليهود والنصارى والفرس والروم والمشركين، قال ابن تيمية:(وهذا أصل ينبغي أن يُتَفَطَّنَ له)(2).
(1) انظر: تفسير ابن كثير لهذه الآية: تفسير القرآن العظيم: 1/ 345 - 346، (مرجع سابق).
(2)
ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: ص: (12)، تحقيق: محمد حامد فقي، الطبعة الثانية:(1369 هـ - 1950 م)، مطبعة السنّة المحمدية، القاهرة.
وذكر أهمية المخالفة في تحقيق الإسلام وما تعنيه من تميُّز في ذاتية الأمة الإسلامية، بقوله:(وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام -الذي هو الإسلام لست أعني مجرد التوسم به ظاهرًا، أو باطنًا بمجرد الاعتقادات التقليدية، من حيث الجملة- كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين: أشد. ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميُّز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية)(1).
وقد بسط القول فيما يتعلق بالأمر بمخالفة الأمم الأخرى والنهي عن التشبه بهم أو محاكاتهم أو تقليدهم، وساق الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، وكان ممّا ذكر في هذا السياق قوله:(واعلم أن في كتاب اللَّه من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثيرًا، مثل قوله، لمَّا ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات: {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، وقوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111]، وأمثال ذلك، ومنه ما يدل على مقصودنا ومنه ما فيه إشارة وتميم للمقصود. ثمَّ متى كان المقصود: بيان أنَّ مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا، فجميع الآيات دالة على ذلك، وإن كان المقصود: أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنَّما يدل عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدل على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة)(2).
(1) المرجع السابق نفسه: ص: (12).
(2)
ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: ص: (17).
وفي موضع آخر قال: (المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد اللَّه المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة، التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنَّما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه، حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالين من مرض القلب الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان)(1).
ويرى ابن تيمية من خلال فقهه للنصوص الشرعية أن مخالفة اليهود والنصارى وغيرهم من الأمم الأخرى من أكبر مقاصد البعثة؛ لأنَّ المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين اللَّه على الدين كله، وهذا يستلزم مخالفتهم (2).
إذن هناك صلة وثيقة بين التميُّز والأمة الإسلامية حتى في معاني المخالفة والتباعد والانفراد والفرز والانعزال والتنحي وهو المحور الثاني المتقدم ذكره (3).
ومع أنَّ في الأمة الإسلامية من ينحرف عن هذه المعاني للتميُّز بمضاهاة اليهود أو النصارى أو المشركين فإنَّ مسار الأمة الصحيح مُنَزَّه عن ذلك، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم بأنَّ أمته لا تُجْمَع على ضلالة، روى عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنه: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قال: "إنَّ اللَّه لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ويد اللَّه مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ إلى النار"(4)،
(1) المرجع السابق نفسه: ص: (56).
(2)
المرجع السابق نفسه: ص: (60).
(3)
انظر: محمد بن عبد الوهاب: مسائل الجاهلية التي خالف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، وأورد فيه مئة مسألة خالف فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب والأميين، (مرجع سابق).
(4)
أخرجه الترمذي: الجامع الصحيح: (4/ 405) في كتاب الفتن - باب: ما جاء في لزوم الجماعة، الحديث:[2167]، تحقيق: كمال يوسف الحوت، الطبعة الأولى:(1408 هـ - 1987 م)، عن دار الكتب العلمية، بيروت، وله شاهد لدى الحاكم في مستدركه:(1/ 115 - 116): من حديث ابن عباس.
وفي رواية أخرى: "فإنَّ اللَّه عز وجل لن يجمع أمتي إلَّا على هدى"(1).
وأمر آخر يحسن الاحتراز منه وهو تميُّز الأمة الإسلامية في داخلها بمعنى أن يتحزبوا أحزابًا ويتميز بعضهم عن بعض ويقع بينهم التنازع، فهذا الأمر منهيٌّ عنه والنصوص الشرعية مستفيضة بالحذر منه ولا يشتمل عليه عنوان هذا البحث (2).
3 -
معاني التوسط والوسطية (3): يتصل التميُّز بالأمة الإسلامية من خلال معاني التوسط بين شيئين أو نقيضين، والوسطية أعمق من مجرد البينية الظرفية حيث يراد بها اعتدال وتوازن بين أمرين أو شيئين متباينين كالتوسط بين الغلو والتطرف أو الإفراط والتفريط، وللعلماء في ذلك أقوال أورد منها:
أ- قول الطبري: (إنَّما وصفهم بأنَّهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا- ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب اللَّه، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم اللَّه بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى اللَّه أوسطها)(4).
ب- قول ابن تيمية عن الفرقة الناجية من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم بأنَّهم (يؤمنون بما أخبر اللَّه به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: (5/ 145)، (مرجع سابق)، وانظر: حاشية اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية، تحقيق: ناصر العقل ص: (69)، (مرجع سابق).
(2)
للاطلاع على هذا الجانب. انظر: بكر بن عبد اللَّه أبو زيد: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، الطبعة الثالثة، عن دار ابن الجوزي:(1413 هـ) - الدمام.
(3)
سيأتي مطلب خاص بالوسطية: ص: (733 - 757)، (البحث نفسه).
(4)
الطبري: جامع البيان: (2/ 7، 8)، طبعة دار الكتب العلمية - لبنان:(1412 هـ).