الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لمحة موجزة عن تاريخه
جذور نشأة الاستشراق
تعددت آراء الذين أرَّخُوا لنشأة الاستشراق، وقد صنفها بعض الباحثين في أحد عشر رأيًا (1)، وربما زادت على ذلك، ويمكن إجمال أبرز هذه الآراء فيما يأتي:
1 -
يرجع بعض الباحثين نشأة الاستشراق إلى (الأحداث السياسية والثقافية التي واجهت الغرب بالشرق منذ الحرب الفارسية اليونانية، مرورًا بالفتوحات الإغريقية التي أدَّت إلى وصول الإغريق والرومان إلى هذه الأصقاع التي استعمروها سياسيًا وحضاريًا)(2) حيث تخلل الاستشراق تلك الأحداث، وتمثل في أعمال ثقافية منها:
أ- المعلومات التي سجلها المؤرخ اليوناني الشهير (هيردوتس) عن مصر والشام وبلاد الرافدين والجزيرة العربية.
ب- تقارير البعثات الاستطلاعية التي رافقت اجتياح الإسكندر المقدوني لبلاد الشرق.
ج- الألواح التي أرسلها (الإسكندر)، من بابل إلى اليونان، وقام العلماء اليونانيون بترجمتها وأفادوا منها في علوم الفلك وتقويم البلدان.
د- إنشاء المدارس اليونانية في بعض المدن الشرقية مثل
(1) انظر: علي بن إبراهيم النملة: الاستشراق في الأدبيات العربية، عرض للنظرات وحصر وراقي للمكتوب، ص:(23 - 31)، الطبعة الأولى:(1414 هـ - 1993 م)، عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض.
(2)
انظر: ساسي سالم الحاج: الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية: (1/ 27 - 34)، مرجع سابق، وانظر: أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق. . .، ص:(71)، مرجع سابق.
(الإسكندرية، والرها، وحران، وجند يسابور) وما كان لها من آثار فكرية وكذا الفلاسفة الذين قصدوا تلك المراكز في الشرق.
هـ - إخفاق الحملة الرومانية على الجزيرة العربية في عهد (يوليوس قيصر) وما أحدثه من أخبار وقصص ووصف للجزيرة العربية أذكى روح التعلق بالبحث وارتياد المجهول مما أسهم في نشأة الاستشراق.
و- مكانة الإسكندرية بوصفها مركزًا ثقافيًا زاخرًا بالفلاسفة والمفكرين وكذلك مكتبتها الشهيرة، وقد شكل ذلك مددًا استشراقيًا للإمبراطورية الرومانية) (1).
2 -
يربط بعض الباحثين نشأة الاستشراق بتاريخ الإسلام وأحداثه. . .؛ ومن أبرزها الآتي:
1 -
بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة، وما كان لها من إرهاصات وأنباء وأحداث، شكلت جذورًا تاريخية للاستشراق.
ب- ما أثارته هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، من بعض التساؤلات عن الإسلام، وما تخللتها بوادر المناظرات والمجادلة مع أهل الكتاب.
ج- هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهور الأمة الإسلامية على ساحة الأحداث الإقليمية والعالمية.
د- احتكاك هذه الأمة الوليدة باليهود في المدينة المنورة، ثم
(1) انظر: ساسي سالم الحاج: المرجع السابق نفسه: (1/ 27 - 34)، وانظر: أحمد سمايلوفتش: المرجع السابق نفسه: ص 71، وانظر: محمد ماهر حمادة: فلسفة الاستشراف وأثرها في الأدب العربي (لأحمد سمايلوفتش)، مجلة عالم الكتب، العدد:(1)، ص:(231)، عدد خاص عن الاستشراق، رجب:(1414 هـ)، أبريل:(1984)، عن دار ثقيف. . . " الرياض.
بالنصارى في أطراف الجزيرة، دعوةً وجهادًا، ثم ما أعقب ذلك من فتوحات إسلامية وانتشار للإسلام في أرجاء المعمورة.
هـ - غزوة (مؤتة) وغزوة (تبوك) حيث فرضتا -من وجهة نظر بعض الباحثين- المواجهة العسكرية بين المسلمين والروم (1)، مما اضطر (الحكومات أن تتعرف على هذا القادم الجيد، وأن تعطي عنه صورًا تشجع على قتاله والوقوف في وجهه)(2).
و- وما اتخذته الكنيسة من موقف عقدي يرتكز على العداء للإسلام باعتباره يهدد عقيدتها ونفوذها وتطلعاتها (3).
لذلك كانت الحاجة إلى الاستشراق -لديهم- من الضرورات العقديّة والسياسية وغيرها؛ للرد على الإسلام والمسلمين ولمواجهة هذا الواقع، مما كان له أثر كبير في نشأة الاستشراق.
3 -
توافر عدد من الباحثين على القول: بأن حركة الاستشراق نشأت في أوروبا في القرن الثامن الميلادي انطلاقًا من الأندلس وصقلية (حينما التقى الأوروبيون بالثقافة الإسلامية المتفوقة على حضارتهم، وظلت حركة
(1) انظر: محمد حسين هيكل: حياة محمد ص: (25)، الطبعة الثامنة عشرة، عن دار المعارف:(1989 م)، وانظر: قاسم السامرائي: الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية: ص: (19)، مرجع سابق.
(2)
علي النملة: الاستشراق. . . ص: (24)، المرجع السابق نفسه.
(3)
المرجع السابق ص: (26)، وانظر: علي الخربوطلي: المستشرقون. . . ص: (32)، مرجع سابق، وانظر: أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق. . . ص: (56)، مرجع سابق، وانظر: إدوارد سعيد: الاستشراق. . ص: (89)، مرجع سابق، وانظر: مصطفى السباعي: الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم ص: (13 - 15)، الطبعة الثالثة:(1405 هـ - 1985 م)، عن المكتب الإسلامي - بيروت.
الاستشراق تنمو وتزدهر حتى استطاعت تكوين صرحها العلمى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) (1).
ومنذ القرن الثامن الميلادي حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظلت الآراء تتوافر لمعرفة بداية الحركة الاستشراقية في أوروبا وتحديد ما عسى أن يكون تاريخًا لهذه البداية، ومن أبرز الآراء في ذلك:
أ- تركيز بعض الباحثين على القرن العاشر الميلادي بوصفه ظرفًا تاريخيًا لبداية الحركة الاستشراقية حيث (أدرك الغرب تلك المعجزة الحضارية التي شادها العرب فاندفعوا إليها ليتعلموها، ويتسلحوا بها، ويستفيدوا منها فأخذوا يدرسون لغتها وآدابها ويترجمون كتبها وينقلون علومها إلى بلادهم)(2)، وابْتُعِثَ الطلاب من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا إلى الأندلس للدرس والتحصيل (3).
ب- تحديد بعض الباحثين القرن الثاني عشر الميلادي بداية للاستشراق لما تمَّ فيه للمرة الأولى من ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية عام: (1143 م)، ولما جرى فيه كذلك من تأليف أول قاموس لاتيني عربي (4).
(1) أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق. . . ص: (70)، مرجع سابق، وانظر:
- علي الخربوطلي: المستشرقون. . . ص: (27)، مرجع سابق.
- علي النملة: الاستشراق. . . ص: (30)، مرجع سابق.
(2)
أحمد الإسكندري وآخرون: المفصل في تاريخ الأدب العربي: (2/ 408)، طبعة:(1934 م)، القاهرة، وانظر: أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق ص: (55)، المرجع السابق نفسه.
(3)
انظر: أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق. . . ص: (57)، مرجع سابق، وانظر: رودري بارت؛ الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية: ص: (9)، ترجمة مصطفى ماهر، مرجع سابق.
(4)
انظر: أحمد سمايلوفتش: فلسقة الاستشراق. . . ص: (55)، المرجع السابق نفسه.
ويرى أحد المستشرقين البارزين أن بداية الاستشراق كان في ذلك القرن، حيث أسهم بعض الفلاسفة في نشر العلوم العربية في الغرب، وذكر منهم شخصين هما:(إبراهيم بن عزرا وتوماس برون)(1).
ج- ويرى باحث إسلامي معروف (إنَّ الاستشراق بدأ في بعض البلدان الأوربية في القرن الثالث عشر الميلادي، مع وجود محاولات فردية قبل ذلك)(2).
ويذكر أن المؤرخين يكادون يتفقون على نشأته بصورة جدية بعد الإصلاح الديني الذي قام به (مارتن لوثر) وغيره في أوروبا (3).
د- يذكر أحد المهتمين بدراسة الاستشراق أن الغرب المسيحي يؤرخ لبدء وجود الاستشراق الرسمي بصدور قرار مجمع فينا الكنسي عام: (1312 م)، بتأسيس عدد من كراسي الأستاذية في العربية واليونانية والعبرية والسريانية، وفي جامعات باريس، وأكسفورد، وبولونيا، وأفينيون، وسلامانكا) (4).
هـ - من الباحثين من يرى أن القرن السادس عشر الميلادي قد شهد ولادة الاستشراق الفعلية، حيث أنشئ أول كرسي للغة العربية في باريس عام:(1539 م)، في الكوليج في فرانس) (5)، (وشغل هذا الكرسي (جيوم
(1) برنارد لويس: تاريخ اهتمام الإنجليز بالعلوم العربية ص: (3، 4)، الطبعة الثانية بدون تاريخ، وأساسه ست مقالات نُشِرت لأول مرَّة في (المستمع العربي)، وانظر: أحمد سمايلوفتش فلسفة الاستشراق. . . ص: (58)، المرجع السابق نفسه.
(2)
انظر: محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ص: (532)، الطبعة السادسة:(1973 م)، عن دار الفكر، بيروت.
(3)
انظر: محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث. . . ص: (532)، المرجع السابق نفسه.
(4)
إدوارد سعيد: الاستشراق. . . ص: (80)، مرجع سابق.
(5)
أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق. . . ص: (61)، مرجع سابق، وانظر: محمود =
بوستل (ت 1581 م)، الذي يعد أول المستشرقين الحقيقيين، وقد أسهم كثيرًا في إثراء دراسة اللغات والشعوب الشرقية في أوروبا، وجمع في الوقت نفسه وهو في الشرق مجموعة مهمة من المخطوطات) (1)، وتتابعت الجامعات الأوروبية في إنشاء مثل ذلك.
و- وهناك من يرى أن مفهوم الاستشراق والمستشرقين لم يظهر في أوروبا إلا في نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر (فقد ظهر أولًا في إنجلترا عام (1779 م)، وظهر في فرنسا عام:(1799 م)، ثم أدرج مفهوم (الاستشراق في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام:(1838 م)(2).
4 -
يذهب بعض الباحثين إلى القول بأن الاستشراق (انبثق من الحروب الصليبية التي لم تكن سوى أحد عناصر التحول في تاريخ الشرق)(3)، حيث ارتفعت بسبب ما وقع لها من انتكاسات حربية صيحات تدعو إلى نقل المعركة من ساحات الحرب إلى مجالات الفكر (4).
= حمدي زقزوق: الاستشراق والخلفية الفكرية. . . ص: (29)، الطبعة الأولى، (1404 هـ)، من سلسلة كتاب الأمة الصادرة عن رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، قطر، ورقمه في السلسلة:(5).
(1)
محمود حمدي زفزوق: الاستشراق والخلفية الفكرية. . . ص (29)، المرجع السابق نفسه.
(2)
المرجع السابق نفسه ص: (21)، وانظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة. . . ص: (33)، مرجع سابق.
(3)
أحمد الشرباصي: التصوف عند المستشرقين، ص:(7)، طبعة:(1966 م)، عن مطبعة نور الأمل، القاهرة، وانظر: أحمد سمايلوفتش: فلسفة الاستشراق. . . ص: (55)، مرجع سابق.
(4)
انظر: عرفان عبد الحميد: المستشرقون والإسلام. . . ص: (12)، الطبعة الثانية:(1980)، عن المكتب الإسلامي، بيروت، وانظر: محمد محمد الدهان: قوى الشر =