الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منزلة تميُّز الأمة الإسلامية
كون التميز سنة من سنن اللَّه في خلقه
يرتكز تميُّز الأمة الإسلامية على ما جاء في القرآن الكريم، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية، وعلي واقع فهم السلف الصالح له وتحقيقه في حياتهم بصور شتى، ويبرزه مجليًا له ما درجت عليه الأمة في تاريخها عبر العصور.
والمتأمل في الكتاب والسنة يدرك منزلة تميُّز الأمة الإسلامية من خلال أدلة كثيرة، تضمنت بيان كونه سنة من سنن اللَّه في خلقه، أو الأمر به والثناء على من حققه، أو التعريض بمن لم يحققه، أو النهي عن التشبه بأهل الكتاب والمشركين.
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تبين أنَّ التفاضل بين الأمم بعامة وبين بني آدم بخاصة من سنن اللَّه في الكون والحياة، ويتفاوت الناس في قدراتهم، ويتفاضلون في أقدارهم ومنازلهم في الدنيا والآخرة، وتختلف مشاربهم ومراميهم ومصائرهم وفقًا لذلك (1)؛ ويوضح ذلك تفصيلًا ما يأتي:
1 -
فضَّل اللَّه بني آدم على كثير من الخلق، قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وللمفسرين في تفسيرها أقوال عدة، فمما يراد بها:(جعلنا لهم كرمًا؛ أي: شرفًا وفضلًا)(2)، وقالوا: (بأن اللَّه فضَّل بني
(1) انظر: ابن قيم الجوزية: طريق الهجرتين. ص: (627 - 750)، (مرجع سابق)، استعرض فيها طبقات المكلفين وجعلها في ثماني عشرة طبقة، ولكل طبقة منها: أعلى وأدنى وأوسط، وهم درجات في الدنيا والآخرة، كما قارن فيها بين طبقات الجن والإنس.
(2)
القاضي ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (3/ 472)، تحقيق: =
آدم على سائر الحيوانات والجن) (1). وذهب بعضهم إلى (أفضلية الجنس البشري على جنس الملائكة إذا كانوا صالحين)(2)، واستشهدوا بالأثر:(قالت الملائكة: يا ربنا إنَّك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها وينعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة، فقال اللَّه تعالى: "وعزتي وجلالي لأجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون" (3).
فهذا التكريم والتفضيل جارٍ وفق سنن اللَّه، وإن كان الناس يتفاضلون فيه وتتفاوت درجات تكريمهم إلا أن الصالحين منهم أوفر حظًّا في الدنيا والآخرة، والدليل على ذلك أن الكافر يقول يوم القيامة:{يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40] وأن اللَّه شبه بعض الناس بالأنعام بل هم أضل إذا لم يفقهوا غاية وجودهم وما هم مأمورين به، قال تعالى:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]، وقال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35]، وقال تعالى:{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ}
= عبد السلام عبد الشافي محمد، (مرجع سابق). وانظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (5/ 190)، (مرجع سابق).
(1)
المصدران السابقان الصفحات نفسها.
(2)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (3/ 51)، (مرجع سابق). وانظر: ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (4/ 350 - 392)، (مرجع سابق).
(3)
أورده ابن كثير عن زيد بن أسلم وقال: بأنه مرسل من هذا الوجه ولكنه متصل من وجه آخر. المرجع السابق الصفحة نفسها، وقد أورده عبد الرزاق بن همام الصنعاني:(126 - 211 هـ) في تفسيره: تفسير القرآن عند تفسيره للآية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} : (2/ 382)، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، الطبعة الأولى:(1410 هـ - 1989 م)، عن مكتبة الرشد - الرياض.
[الرعد: 16]، وقال تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 19 - 22].
2 -
اصطفى اللَّه من بني آدم صفوة من الناس هم الأنبياء والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، وقال تعالى:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75].
3 -
فضل اللَّه بعض الرسل على بعض كما في قوله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253].
قال المفسرون في قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} : (يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم)(1). والأدلة على ذلك من الكثرة بمكان منها قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن أو آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه اللَّه تعالى إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا يوم القيامة"(2). وقوله صلى الله عليه وسلم: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأُحلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النَّبِيُّون"(3).
(1) البغوي: معالم التنزيل: (1/ 308)، (مرجع سابق).
(2)
أخرجه البخاري: صحيح البخاري: (4/ 138، 139)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب [1]، ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي (مرجع سابق).
(3)
أخرجه مسلم: صحيح مسلم: (1/ 371)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب [523]، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).
وجاء الحديث عند البخاري برواية أخرى عن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم =
وقد أُلِّفَتْ في مناقبه صلى الله عليه وسلم وفضائله وخصائصه مؤلفات كثيرة، وفي فصل خاص من كتاب أبي نعيم الأصبهاني: دلائل النبوة، ذكر ما فضِّل به صلى الله عليه وسلم وأمته على سائر الأنبياء وجميع الأمم، وممَّا قال في تعليقه على بعض الأحاديث والروايات التي أوردها في ذلك قوله:(فتبين بهذا جلالة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم أمره، وما شرع اللَّه صلى الله عليه وسلم على لسانه من شرائع، وتنبيه عباده على وحدانيته، ودعاؤهم إلى الإيمان به. . . وهو أعز البرية وأكرم الخلقة صلى الله عليه وسلم تسليمًا)(1).
ومما ذكره ابن تيمية في هذا قوله: (فهدى اللَّه الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا ولأولي العلم منهم خصوصًا، من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة، ما لو جمعت حكمة سائر الأمم، علمًا وعملًا، الخالصة من كل شوب، إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى)(2).
= تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"، صحيح البخاري - كتاب التيمم رقم الحديث:[335]، وله طرفان رقمهما:(438 و 3122)، عند البُغا (مرجع سابق)، وانظر: فتح الباري: (8/ 325 و 1/ 436)، (مرجع سابق).
وانظر: ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: ص: (8)، تحقيق: بشير محمد عيون، الطبعة الأولى:(1413 هـ)، مكتبة دار البيان - دمشق، أجمل فيها فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم، وفضائل ما جاء به وفضائل أمته.
(1)
دلائل النبوة: (1/ 64)، تحقيق: محمد روَّاس قلعة جي، وعبد البر عباس، الطبعة الثالثة:(1406 هـ - 1986 م)، بيروت. وانظر. ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم. .: (1/ 374 - 379)، تحقيق: ناصر بن عبد الكريم العقل، (مرجع سابق).
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم. .: ص: (3)، تحقيق: محمد حامد فقي (مرجع سابق).
4 -
أما تميُّز الأمة الإسلامية على غيره من الأمم فقد سبق بيان طرف منه، وأن هذه الأمة المتميزة هي أمة الاتباع لهديه صلى الله عليه وسلم، وأن لها من الشرف والكرامة في الدنيا والآخرة ما استفاضت بذكره الأدلة والحوادث التاريخية.
ولعل مما يجدر ذكره في هذا ما قاله الطبري في تفسير قوله تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]: (يقول تعالى ذكره: اجتباكم وسماكم أيها المؤمنون باللَّه وآياته، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسلمين، ليكون محمد رسول اللَّه شهيدًا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذٍ على الرسل أجمعين، أنهم قد بلغوا أممهم ما أرسلوا به إليهم)(1).
كما أورد الطبري كذلك في تفسير هذه الآية عن قتادة قوله: (أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبي، كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال اللَّه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت شهيد على قومك، وقال اللَّه: {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: سل تعطه، وقال اللَّه: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] (2).
ومما ذكره في تفسير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
(1) جامع البيان. .: (9/ 194)، (مرجع سابق). وانظر ما قاله في تفسير قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} المرجع السابق نفسه: (2/ 8 - 13)، وانظر: البغوي: معالم التنزيل: (1/ 159)، قال في تفسيرها:(أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من يترك الحق من الناس أجمعين)، وهذا ما عليه جمهور المفسرين، (مرجع سابق).
(2)
جامع البيان: (9/ 195)، (المرجع السابق نفسه). وانظر: عبد الرزاق همَّام الصنعاني: تفسير القرآن: (2/ 41)، (مرجع سابق).
قوله: (. . عن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنِّي وأمتي لعلى كومٍ يوم القيامة، مشرفين على الخلائق، ما أحد من الأمم إلا وُدَّ أنَّه منها أيتها الأمة، وما من نبي كذَّبه قومه إلا نحن شهداؤه يوم القيامة أنَّه قد بلغ رسالات ربه ونصح لهم" (1)، وأورد البغوي كذلك في تفسيره لهذه الآية نحوًا من ذلك ثمَّ قال -في نهاية ما رواه عن ابن جريج-:(ثمَّ يُؤْتَى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم)(2).
ولا شك أن من يحوز على هذا الفضل والمكانة المرموقة في الدنيا والآخرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي أمة الاتباع -كما سبق الإشارة إليه- الملتزمون بهدي الإسلام المقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم في جميع شؤونهم؛ الذين اصطبغوا بصبغة الإسلام مضمونًا وشعارًا فتميزوا به ونسبوا إليه.
قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]: (من اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا المدح كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس دعة فقرأ هذه الآية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ثم قال: "من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤدِّ شرط اللَّه فيها")(3).
أما ما أورده بعض العلماء والمفكرين عن سبب اختيار اللَّه عز وجل العرب لحمل هذه الرسالة فذلك: الأنهم امتازوا من بين سائر الأمم -يومئذٍ- باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم وتلك هي: جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد
(1) جامع البيان. .: (2/ 10 و 11)، (مرجع سابق).
(2)
معالم التنزيل: (1/ 159)، (مرجع سابق).
(3)
تفسير القرآن العظيم: (1/ 396)، (مرجع سابق).
عن الاختلاط ببقية أمم العالم) (1)؛ فإن لذلك أهميته في مكانة الأمة الإسلامية وخيار أصلها وعنصرها وبخاصة ولاة أمرها، ولكن هذا لا يعول عليه ولا يعتدّ به إلا بشرط اعتناق الإسلام والاعتزاز يه والخضوع لحكمه واتباع منهجه في الحياة والنهوض بصدق وإخلاص بحمل رسالته.
ومما يدل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". (2)، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله:"إنا قوم أعزنا اللَّه بالإسلام فلن نلتمس العزّ بغيره"(3)، وورد لدى الحاكم بلفظ:"كنتم أقل الناس فأعزكم اللَّه بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره أذلكم اللَّه"(4).
ومما يؤيد ذلك أيضًا أن ما تميز به العرب قبل الإسلام من صفات تدل على ما فيهم من صفات المروءة والشجاعة والكرم، وغير ذلك لم تمنعهم من معاداتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، ويشير محمد رشيد رضا بعد تناوله مزايا قريش وقوم الرسول وعترته إلى هذا الأمر فيقول:(ولكن هذه المعنوية كلها وجِّهت لمعاداته عليه أفضل الصلاة والسلام)(5)، في بداية الأمر ثم
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص:(89)، (مرجع سابق). وانظر: ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، ص:(132)، الطبعة الرابعة:(1398 هـ - 1978 م)، عن دار الكتب العلمية، بيروت. وانظر: ابن تيمية: اقتضاء الصراط، ص:(148)، تحقيق: محمد حامد الفقي (مرجع سابق).
(2)
أخرجه البخاري: صحيح البخاري: (4/ 154)، كتاب المناقب، باب:[11]، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، (مرجع سابق).
(3)
الإمام الحافظ أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار: (7/ 93)، تقديم وضبط: كمال يوسف الحوت، عن دار التاج - بيروت، الطبعة الأولى:(1409 هـ - 1989 م).
(4)
الحاكم: المستدرك: (3/ 88)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، (مرجع سابق).
(5)
خلاصة السيرة المحمديّة: ص: (14)، (مرجع سابق).
دخلوا في دين اللَّه أفواجًا وحملوا راية الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وتحقق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه"(1).
مما سبق يتضح أن مناط الخيرية مرتبط بتحقيق التميز ودال على منزلته، وأن العبرة في علو المنزلة وشرف المكانة لا يتأتى إلا بصبغة الإسلام {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138].
ويرى ابن تيمية بأنَّ العرب قد (اجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم. والكمال الذي أنزل اللَّه إليهم)(2)، و (أن اللَّه تعالى خصَّ العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها. ثم خصَّ قريشًا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص. ثمَّ خصَّ بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قسط من الفيء إلى غير ذلك من الخصائص، فأعطى اللَّه سبحانه كل درجة من الفضل بحسبها)(3).
ويرى (أن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر؛ ومقتضاه: أنهم أفضل من غيرهم، وأن محبتهم سبب قوة الإيمان. . وسبب هذا التفضيل -واللَّه أعلم- ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم)(4). وبعد أن يفصل القول في ذلك يقول: (لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله ليس عندهم علم منزل من
(1) تكملة الحديث السابق الذي أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب - باب: [1]، وقد ورد بروايات متقاربة، (المرجع السابق نفسه).
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: ص: (161)، تحقيق: محمد حامد الفقي، (مرجع سابق).
(3)
المرجع السابق نفسه: ص 154.
(4)
اقتضاء الصراط المستقيم: ص 156، 160، (المرجع السابق نفسه).
السماء ولا شريعة موروثة عن نبي، ولا هم أيضًا مشتغلون ببعض العلوم العقلية المحضة، كالطب والحساب ونحوهما. إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم: من الشعر، والخطب، وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحروب، فلما بعث اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى -الذي ما جعل اللَّه في الأرض، ولا يجعل منه أعظم قدرًا- وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم، ومعالجتهم على نقلهم من تلك العادات الجاهلية، والظلمات الفكريّة؛ التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرتها، فلما تلقوا عنه ذلك الهدي العظيم زالت تلك الريون عن قلوبهم، واستنارت بهدي اللَّه الذي أنزله على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدي العظيم بتلك الفطرة الجيدة) (1).
وأضاف أنه (اجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم، والكمال الذي أنزل اللَّه إليهم)(2).
وقبل ذلك ذكر أسباب التفضيل وأنَّه إنَّما يكون بالعلم النافع أو العمل الصالح، والعلم يحتاج إلى (قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم. . وقوة المنطق الذي هو البيان والعبارة)(3).
وعلي هذا فإنَّ العرب أكثر تميُّزًا من غيرهم في ذلك، (فهم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة. .)(4)، وحيث إن العمل (مبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس)(5) فإنَّ العرب يتميزون على غيرهم في هذه الناحية كذلك لأن (غرائزهم أطوع للخير من غيرهم.
(1) المرجع السابق نفسه: ص: (156).
(2)
المرجع السابق نفسه: ص: (161).
(3)
المرجع السابق نفسه: ص: (160).
(4)
المرجع السابق نفسه: ص: (160).
(5)
المرجع السابق نفسه: ص: (160).
فهم أقرب للسخاء والحلم، والشجاعة والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة) (1).
ثم يشبه العرب من حيث الخصائص بالأرض الخصبة التي كانت (معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاة والعوسج، وصارت مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي من الشجر والدواب، و [ازدرع] فيها أفضل الحبوب والثمار: جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق اللَّه بعد الأنبياء. وصار أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم)(2).
ويكشف التمثيل عما يمتاز به العرب من فطرية وصلاح وقابلية لحمل رسالة الإسلام، ويتفق هذا مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم الآنف الذكر:"تجدون الناس معادن. . . " الحديث، ويوافق شيخ الإسلام في ذلك جمهور من العلماء والمفكرين المسلمين في ماضي هذه الأمة الإسلامية وحاضرها (3).
والمعول عليه في هذا ما ذكره صلى الله عليه وسلم في تمام الحديث ". . . خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
(1) المرجع السابق نفسه: ص: (160، 161).
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم: ص: (162)، (المرجع السابق نفسه)، وانظر: عبد اللَّه بن محمد بن حميد: التوحيد وبيان العقيدة السلفية النقية، ص:(13)، الطبعة الأولى:(1412 هـ - 1992 م)، عن مكتبة طبريّة، الرياض، قد لخص مجمل عقيدة السلف في الصفحات:(5 - 13)، (المرجع السابق نفسه).
(3)
أورد محمد حامد الفقي في الحاشية: [1]، ص:(160)، من المرجع السابق، مبررات امتياز العرب على غيرهم. ولمزيد الاطلاع على ما تميَّز به العرب قبل الإسلام من عرف أخلاقي ومنطق أدبي. .؛ انظر: محمد رشاد خليل: ملامح من دور الإسلام في بناء العمارة (الحضارة) العربية قبل البعثة المحمديّة: ص: (622 - 658)، الطبعة الأولى:(1402 هـ - 1982 م)، (لم يذكر الناشر).
وخلاصة القول في كون التميز سنة من سنن اللَّه في خلقه يوضحه ما يأتي:
- التفاضل بين جميع الخلق. . وكون بني آدم فضلوا على كثير من خلق اللَّه.
- تفاضل بني آدم بعضهم على بعض والصفوة منهم هم الأنبياء والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
- يتفاضل الأنبياء والمرسلون وأفضلهم محمد بن عبد اللَّه سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، وعلي سائر الأنبياء والمرسلين.
- يتفاضل أفراد الناس بعضهم على بعض، وكذلك الأمم والأمة الإسلامية أفضل هذه الأمم، والمقصود بها أتباع الرسل بعامة وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم بخاصة.
- هذه الأمة (أمة الاتباع من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) هي أفضل الأمم ببركة نبيها، وبما خصها اللَّه به من مضاعفة الأجر وإجابة دعوتها وشهادتها على الناس وقيامها بالحق إلى أن يأتي أمر اللَّه.
- وأفضل هذه الأمة بعد نبيها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم أفضل خلق اللَّه بعد الأنبياء، ثم أفضل الناس بعدهم من تبعهم بإحسَّان إلى يوم القيامة من العرب والعجم (1). وهذا كله داخل ضمن سنن اللَّه في خلقه.
* * *
(1) انظر: عبد اللَّه بن محمد بن حميد: التوحيد وبيان العقيدة السلفيَّة النقيَّة: ص: (13)، (مرجع سابق).